وسائل الخدعة المناسبة

132

نبيل قرياقوس

حدثني رجل خمسيني العمر ، رجاني عدم كشف إسمه ، قائلا والعهدة عليه :

منذ الاف السنين وجد الانسان نفسه على الارض ضعيفا تحت شمس وقمر ونجوم معلقة في سماء مخيفة بابعادها واسرارها.

الارض التي ولد عليها الانسان تحوي الانهار والبحار والجبال والتلال والسهول وفيها البراكين والزلازل والحر والبرد والاعاصير والمطر والليل والنهار والخسوف والكسوف والنيازك وكائنات حية مختلفة كثيرة العدد من حيوانات ونباتات.

الانسان وبحكم ال (أنا) التي تقوده كان وما يزال  يظن ويتمنى ويحلم بوجود قوة عظيمة خارقة تتحكم بالكون والارض والانسان كي يتمكن من التقرب والتودد والتوسل اليها كي تساعده في الحصول على حياة اطول على الارض، حياة يتمتع فيها بالمزيد من الامان والراحة النفسية والمتعة الجسدية ، حياة تكون بعيدة عن المرض والعوز والحوادث او الكوارث الموءسفة.

الانسان كان وما يزال يحلم بوجود (الله) كقوة صنعت او خلقت الكون والارض وما عليها من ظواهر وكائنات ، الانسان يحلم بقوة  يلجأ اليها ويستعين بها ليحمي نفسه من شر او اعتداءات بقية زملائه من البشر.

الانسان عموما يخاف جدا من مصيره المجهول في (الموت) ويتمنى ويحلم ان يقوم (الله) باعادة الحياة اليه بعد الموت.

نحن الان في مطلع القرن الحادي والعشرين وما زال الانسان لا يملك نظرية اخرى سوى نظرية وجود صانع او خالق لأي شيء موجود ، لذا فان العديد من البشر يظنون بوجود خالق (الله) للكون لكنهم يقرون بنفس الوقت بأنهم لا يعرفون عن (الخالق) شيئا ،سوى انه قوة خيالية مجهولة التفاصيل، كما ان الانسان ما زال يجهل تماما اسباب خلقه ، هذا بافتراض صحة الظن بوجود خالق ، وربما يتمكن العلماء والباحثين من التوصل خلال المئات من السنين القادمة الى معلومات او حقائق علمية في هذا الصدد.

في المقابل لا يملك بعض المفكرين من البشر ممن لا يؤمنون بوجود (الله) أي أسس علمية كاملة وواضحة لاثبات صحة معتقدهم.

هذه الاوضاع الواقعية والمنطقية من ناحية جهل حقيقة اصل الكون وحاجة الانسان لفكرة وجود (خالق) للكون والحياة كانت هي السبب الرئيسي في إدعاء بعض الاشخاص بانهم (أنبياء) أو (رسل) أو أناس مقدسين  اختارهم (الله) لأيصال الأوامر والشريعة التي تنظم حياة البشر على الارض ولمحاسبة المقصرين أثناء الحياة على الارض او بعدها وكذا مكافأة الملتزمين بشرائع الدين بحياة ابدية سعيدة وربما مليئة بالجنس والخمور . ظهور مثل هؤلاء الشخاص والذين يسمون انفسهم عموما ب (رجال الدين) كان وما يزال علامة سوداء في مسيرة حصول الانسان على كامل حقوقه الانسانية .

رجال الدين (في عشرات او مئات الاديان والمذاهب على الارض) يوهمون انفسهم وتابعيهم بانهم يعرفون الكثير عن (الله) ويستغربون من قدرة بقية البشر على ذلك ، كما ان كل رجل دين او مذهب يظن نفسه هو الأصح او الافضل كما يظن كل صاحب دين او مذهب بأنه يمتلك كامل اثباتات الدعم لشرعية وأفضلية دينه أو مذهبه. رجال الدين في عموم الارض إمتلكوا وسائل الخدعة المناسبة ، كل في وقتها ومكانها وظرفها، للادعاء بانهم يمثلون (الله) بدين او عقيدة او مذهب او فكر معين ، وليفرضوا الشرائع والالتزامات على المجتمعات البشرية عن طريق السلطة الدينية ، بينما كانت وما تزال المهمة الواقعية لتلك السلطات الدينية هي : تقييد وانتقاص حقوق الانسان وجعل الانسان يكره وربما يحارب او يقتل  اخاه الانسان المنتسب لدين او مذهب آخر مقابل ان يحصل رجال الدين (سرا أو علنا) على امتيازاتهم السلطوية وفي مقدمتها المال والمتعة الجسدية اضافة للامتيازات المعنوية ، رغم ان هناك البعض القليل جدا من رجال الدين من هم بدرجة عالية من روح المحبة والتسامح وتفهم الآخرين لكن ذلك لا يبعدهم (شاءوا ام أبوا) عن خط خدمة المسيرة العامة للسلطة الدينية ، كما ان البعض من رجال الدين فقد حياته سجنا او تعذيبا او قتلا في صراع مع اديان او مذاهب أخرى او خلال الصراع مع سلطات الحكم في مجتمع معين.

العقل البشري نجح في ادراك ان حقوق الانسان لا حدود لها طالما ان الانسان لا يؤذي أخاه الانسان وهكذا تتسع الهوة يوما بعد يوم بين العقل الانساني والعقل السلطوي الديني الذي يدعي انه يمتلك تشريعات وحدود الله في حقوق الانسان.

رجال الدين عموما كانوا وما زالوا الان  عقبة اساسية تستنزف حقوق وحريات وموارد وثروات وزمن العديد من المجتمعات الشرقية اضافة الى تأثر بقية انحاء العالم بهذه الاوضاع السلبية ، كما ان الحركات السياسية او الدينية التي تؤمن بالعنف تمثل الان السرطان الخبيث الذي ينهش بالجسم والحضارة البشرية بلا رحمة.

قاطعت حديث الرجل ولأسأله عن كيفية تمكن رجال الدين من نشر دينهم او مذهبهم او معتقدهم وكيفية توارث تلك المعتقدات من جيل لآخر فأجابني بالقول :

سأجيبك باختصار شديد وبمثال حي وعليك إستنتاج الاجابة الكاملة ، فرغم وجود العشرات وربما المئات من الديانات والمذاهب في المجتمعات البشرية حاليا ، الا انني أستطيع الآن تأسيس دين جديد يتبعني فيه ملايين وربما مليارات من البشر ، وبامكاني جعل الآلاف من الشيوخ والكهنة و رجال الدين والمفكرين والفلاسفة والعلماء يؤمنون بي ويدعون الى ديني الجديد ، لا بل سأجعلهم يشهدون للعالم أجمع باني ولدت امامهم من بطن (ديك أسود) الساعة الخامسة عصرا واني كبرت امامهم ولاصبح رجلا كاملا في ستة ايام واني رحلت عن الارض الى السماء السابعة بعد ان أبلغت رسالتي السماوية الي البشرية.

 نعم انا قادر على جعل الاجيال الحاضرة والمقبلة تؤمن بي وبديني ًوستتناقل الاجيال قصص معجزاتي وآياتي النادرة التي أدعو فيها كل المؤمنين بي الي نبذ العنف نهائيا ومهما كانت مبرراته ،  كما أدعو الى ترك الصيام والصلاة وكل المناسك الدينية من اجلي واحلال بديلها من الحب والمــــــساواة مع كل انسان لا يؤمن بي أو بديني الجديد.

قبل أن أغادر ذلك الرجل سألت إياه سؤالا أخيرا عن  كيفية قدرته على تأسيس دين جديد كالذي يدعيه ونحن في القرن الحادي والعشرين وما يحمله من تطور عالمي في مجالات شتى ، فأجابني ذلك الرجل بسرعة وثقة عالية :

أعطني مالا وفيرا ونساء وغلمانا وسأجعلك تستمع لمجتمع واسع من البشر وهو يشهد أني (أنا الله) !.

مشاركة