وزارات ومؤسسات الدولة بين الترهل الإداري والهيكلة – سامي الزبيدي
تحاول كل دول العالم وحكوماتها استغلال الجهد والوقت والإمكانات المادية والطاقات البشرية والقدرات الأخرى لتقديم فضلى الخدمات لمجتمعاتها وتحقيق برامجها التنموية والاقتصادية من خلال التنظيم الإداري الجيد وضغط الإنفاق الحكومي والاعتماد على المؤسسات والدوائر الفاعلة والتقليل من المؤسسات الغير منتجة وبالتالي التغلب على الروتين واختصار الوقت والجهد للوصول الى الأهداف الاقتصادية والتنموية وتحسين الخدمات الاجتماعية بانسيابية عالية ودون خسائر غير مبررة على عكس ما يجري في بلدنا حيث توجد العديد من المؤسسات والهيئات والدوائر الغير منتجة والمعطلة للعمل الحكومي إضافةً الى ذلك فإنها تكلف خزينة الدولة أموالاً طائلة كرواتب لموظفيها ومخصصات ومقرات وعجلات ونثريات وايفادات يجب على الحكومة في هذه الظروف الاقتصادية والمالية المحرجة بخصخصة أو هيكلة هذه المؤسسات والهيئات لاستفادة من الأموال الكبيرة التي تصرف عليها لتعزيز ميزانية البلد أو صرفها على مشاريع تنموية وعمرانية وخدمية تخدم البلد وتلبي متطلبات الشعب .
لقد حاولت الحكومة العراقية برئاسة العبادي الحد من الترهل الإداري من خلال دمج بعض الوزارات إلا أن هذه الخطوة كانت غير كافية في ظل ترهل إداري كبير في كل وزارات ومؤسسات الدولة ودوائرها التنفيذية والتشريعية منها وحتى القضائية ولتسليط الضوء على هذا الترهل لنبدأ في الوزارات وعلى سبيل المثال ففي أمريكا وأغلب الدول ذات الأنظمة الفيدرالية وحتى الدول غير الفيدرالية تتألف الحكومة المركزية من وزارات لا تزيد عن عدد أصابع اليدين لإدارة الدولة المركزية فيما تخول المؤسسات والحكومات المحلية إدارة شؤونها لتقليل العبء على الحكومة المركزية و تحقيق الانسيابية والسهولة تنفيذ الخطط والبرامج التنموية والاقتصادية والصناعية لكن في بلدنا ولأغراض سياسية ولتحقيق مكاسب فئوية لا تخدم البلد ولا الشعب بل على العكس من ذلك تتسبب في هدر كثير لأموال الدولة نرى إن الحكومة تتألف من أكثر من عشرين وزارة إضافة الى هيئات ومؤسسات ما أنزل الله بها من سلطان أغلبها غير ذات جدوى وتستنزف أموالاً طائلة من ميزانية الدولة ولا تقدم منجزات توازي ما يصرف عليها من أموال كرواتب ومخصصات وصرفيات أخرى ثم إن العديد من هذه المؤسسات والهيئات الحكومية لها نظيراتها في السلطة التشريعية مما يؤدي الى تضارب في الأعمال واختلاف في الرؤى يعطل عمل الدولة بدلاً من معاونة الدولة في مهامها , وعلى سبيل المثال بالنسبة للترهل الإداري الحكومي توجد وزارة للكهرباء وأخرى للنفط وبالإمكان اختزالهما بوزارة واحدة للطاقة ونفس الأمر ينطبق على وزارة الزراعة (والزراعة شبه ميتة في بلدنا ) ووزارة الموارد المائية والوزارتان متقاربتان في التخصص وبالإمكان دمجهما في وزارة واحدة تسمى الزراعة والموارد المائية أو الزراعة والري كما بالإمكان دمج وزارتي الصناعة والتجارة بوزارة واحدة ,ودمج وزارة الهجرة مع وزارة العمل والشؤون الاجتماعية وهناك وزارات أخرى يمكن دمجها مع وزارات مماثلة في التخصص لتقليل الإنفاق الحكومي وترشيق وزارات ومؤسسات الدولة والاستفادة من الأموال التي تتحقق من خلال الهيكلة والحصحصة لتعزيز ميزانية الدولة ومساعدتها في تحقيق خططها انجاز مشاريعها الإستراتيجية وتوفير رواتب الموظفين والمتقاعدين بدلاً من اللجوء الى استقطاع رواتب الموظفين والمتقاعدين , ونفس الأمر ينطبق عل العديد من الهيئات التي تتشابه في اختصاصاتها كهيئة النزاهة المستقلة وديوان الرقابة المالية والمفتشون العامون في كل وزارات ومؤسسات الدولة وهذه الدوائر والمناصب تتشابه في عملها ويمكن الاعتماد على أحدهما لتحقيق الأهداف التي تريد الدولة تحقيقها وهي حماية أموال الدولة ومحاربة الفساد والسرقات والصرف الغير مبرر فما جدوى وجود ديوان رقابة مالية مع وجود هيئة نزاهة مستقلة ولكل منهما رئيس بدرجة وزير ونواب للرئيس ومدراء عامون وموظفون ومخصصات ونثريات وصرفيات أخرى لا حصر لها يمكن للدولة الاستفادة منها في حالة هيكلة واحدة من هاتين المؤسستين في مجالات مختلفة , وإذا كانت هناك هيئة للنزاهة وديوان للرقابة المالية فما جدوى وجود مفتشين عموميين في كل مقر وزارة ومؤسسة ودائرة من دوائر الدولة يصل أعدادهم الى الآلاف أليس هذا هدراً لموارد الدولة وأموالها ؟مع العلم هناك هيئة للنزاهة في مجلس النواب تشابه في اختصاصها وعملها هيئة النزاهة المستقلة وهذا هو الهدر بعينه للموارد المالية والبشرية , ونفس الحال ينطبق على هيئة الإعلام والاتصالات التي لها رئيس وأمناء عامون بدرجات خاصة ومدراء وموظفين و توجد في الحكومة وزارة تسمى وزارة الاتصالات يمكن أن تأخذ على عاتقها واجبات الهيئة والوزارة فيها متخصصون في هذا المجال أفضل من الهيئة وبذلك يمكن الاستغناء عن هيئة الاتصالات ومقراتها وموظفيها وصرفيات أموالها التي تفوق صرفيات أية وزارة . وهناك حالات أخري للترهل الإداري أصبحت ظاهرة في الوزارات والمؤسسات ووصلت حتى الى الدوائر الصغيرة وتتمثل هذه الحالة في المستشارين الذين يتم تعيينهم حتى خارج الضوابط وتسبب هذه الظاهرة زيادة في الإنفاق الحكومي وتزيد حالة الترهل الإداري في الوزارات والمؤسسات ففي رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء وفي الوزارات وأغلب دوائر الدولة يتم تعيين موظفين بدرجة مستشار وأغلب هؤلاء لا تتوسم فيهم صفة المستشار لا من ناحية المؤهل الأكاديمي التخصصي ولا من ناحية الخبرة والتجربة والممارسة والمصيبة أن بعض هؤلاء لا يحملون مؤهل دراسي يوازي عملهم كمستشارين وأصبحت مناصب المستشارية هذه مخصصة للمقربين من الأبناء والأشقاء والأقارب وأبناء الأصدقاء أومن أعضاء الأحزاب المتنفذة ووصل الأمر الى وجود عدد كبير من المستشارين لمسؤول واحد كما وصل الأمر الى تعيين مستشارين في الحكومات المحلية للمحافظين وأعضاء مجاس المحافظات و مدراء البلديات والماء والمجاري و التسجيل العقاري ومدير الشرطة وغيرها.هذه بعض الأمثلة على الترهل الإداري في السلطة التنفيذية وهناك أمثلة كثيرة لا يسع المجال لذكرها وبإمكان الحكومة خصخصة هذه الوزارات والمؤسسات والمناصب والاستفادة من الأموال الكبيرة التي تصرف عليها لتعزيز ميزانية الدولة والتقليل من الأعباء المالية لها أو صرفها لأغراض تلبي حاجات أساسية للدولة والشعب . وما يقال عن السلطة التنفيذية يقابله ترهل إداري آخر في السلطتين التشريعية والقضائية فعدد أعضاء مجلس النواب العراقي أكثر من عدد أضاء البرلمان الهندي مع أن عدد سكان الهند مليار وربع المليار نسمة وأكثر من عدد أعضاء البرلمان الألماني والفرنسي ومجلس الدوما الروسي والمصيبة الكبرى ليست في عدد أعضاء مجلس النواب لكن في مجالس المحافظات التي يصل عدد أعضاء مجلس المحافظات الكبيرة منها الى أكثر من ثلاثين أو أربعين عضواً ولكل واحد من هؤلاء حماية ومخصصات وعجلات وصرفيات كبيرة جداً يضاف إليهم أعضاء مجالس الاقضية والنواحي والمجالس البلدية لعموم محافظات العراق والمشكلة إن جميع هؤلاء يحالون الى التقاعد بعد انتهاء الدورة الانتخابية وعلى القارئ أن يتخيل بعد عشرين عاماً كم يصبح أعداد هؤلاء المتقاعدين من أعضاء هذه المجالس والذين يحصلون على رواتب عالية وما هي المبالغ التي تصرف لهم كرواتب تقاعدية انه رقم مهول ومخيف وهذه الحالة الشاذة لا توجد إلا في العراق فقط ولخدمة الأحزاب المتنفذة وأعضائها ولم تعالج الدولة هذه الحالة رغم العديد من المناشدات من مختلف الجهات لتقليل أعضاء مجلس النواب ومجالس المحافظات والاقضية والنواحي لكن دون جدوى وقد ذكرت في مقال سابق نشر في جريدة الزمان وبشكل تقريبي حجم الأموال التي تصرف شهرياً كرواتب ومخصصات لأعضاء هذه المجالس فكان رقماً كبيراً جداً بل مهولاً يقارب ميزانية دولة من دول الجــوار .
ترهل اداري
وفي مجال الترهل الإداري هناك بعض المؤسسات والدوائر التي وجدت لخدمة الأحزاب المتنفذة والمهيمنة على المشهد السياسي في البلد والتي تستنزف أموالاً طائلة من موازنات الدولة كل عام كمؤسسة السجناء السياسيين التي أصبح أعداد المسجلين فيها أرقاما خيالية وغير حقيقية لان كل من سجن في وزمن النظام السابق ولأي سبب كان وحتى الهارب من الخدمة الإلزامية أو مهرب المخدرات أو من سجن و لو لبضعة أيام أو أشهر لجنحة أو من ارتكب جناية أصبح سجين سياسي يتمتع بحقوق السياسيين الحقيقيين من رواتب وامتيازات أخرى حتى أصبحت الرواتب التي تصرف لهذه الهيئة كبيرة جداً وتستنزف أموالاً طائلة من ميزانية الدولة وهذه الهيئة لها مقرات في كل المحافظات وفيها أعداد كبيرة من الموظفين يكلفون الدولة مبالغ كليرة كرواتب والغريب في الأمر أن السجين السياسي إذا كان موظفاً فنه يحتفظ براتب الوظيفة وراتبه الآخر كسجين سياسي ولمعالجة الهذر في هذه المؤسسة بالإمكان جعلها مديرية من مديريات وزارة العمل والشؤون الاجتماعية وبذلك يتوفر للدولة مبالغ كبيرة جداً ومقرات حكومية وأن يصرف للسجين السياسي الموظف الراتب الأعلى بدل من استلام راتبين أو أكثر في بعض الحالات بين ونفس الأمر ينطبق على مؤسسة الشهداء بالإمكان جعلها مديرية في وزارة العمل بدلاً من كونها مؤسسة مستقلة لها موظفين ومقرات في جميع المحافظات , وبذلك يتم خصخصة وهيكلة العديد من المؤسسات والدوائر التي تكلف الدولة الكثير من الموظفين والرواتب والمقرات والعجلات والنثريات والمخصصات , وفي هذا الإطار على الحكومة دمج الوقفين الشيعي والسني بمديرية واحدة تسمى مديرية الأوقاف بدلاً من وجود وقفين لكل وقف رئيس بدرجة خاصة وله معاونون ومستشارون وموظفون ومقرات يكلفون الدولة مبالغ كبيرة جداً ويجسدون الانقسام الطائفي في البلد ويلحق بهذه المديرية أوقاف باقي المكونات الدينية في العراق ( المسيحيين والايزيديين والصابئة ) وأمر الخصخصة ينطبق على هيئة الحج والعمرة التي لا داعي لها أصلاً وتلحق هذه الهيئة التي لها رئيس بدرجة خاصة و مقرات وموظفين في كل محافظات العراق ولها مخصصات ونثريات وعجلات تكلف الدولة المليارات من الدنانير شهرياً بمديرية الأوقاف التي أشرت إليها بعد إلغاء الوقفين الشيعي والسني وتتولى مديرية الأوقاف تنظيم أمور الحج والعمرة . كما نقترح على الحكومة حل ما يسمى بمجالس الإسناد العشائرية التي تنتشر مكاتبها في جميع المحافظات ويصرف لأعضائها رواتب شهرية تقدر بمليارات الدنانير وهذه المجالس لا سند قانوني لتشكيلها ولا واجبات مهمة لها إنما تم تشكيلها لتحقيق مكاسب انتخابية لحزب السلطة في حينها مع العلم إن هناك مجالس تسمى مجالس الأعيان في عموم المحافظات فلماذا هذه الازدواجية في هذه المؤسسات المتشابهة وهذا الهدر الكبير لأموال الدولة .
وعلى الحكومة ومجلس النواب حل هيئة المسائلة والعدالة وإحالة ملفاتها الى القضاء وهذه الهيئة تستنزف أموالاً طائلة كرواتب ومخصصات وعجلات ونثريات وقد تم تسييس عمل هذه الهيئة وإطالة فترة بقائها خدمة لأحزاب معينه ولإغراض سياسية , ونفس الأمر ينطبق على الهيئة (الغير مستقلة ) للانتخابات التي تم تشكيلها وفق المحاصصة الحزبية والطائفية وشاب عملها الكثير من الشكوك والاتهامات من قبل الأحزاب والكتل السياسة خلال الانتخابات السابقة وفي هذه الهيئة عدد من الأمناء وفيها أعداد كبيرة من الموظفين في المقر الرئيسي و في كل محافظات العراق يكلفون الدولة مبالغ كبيرة جداً كرواتب ومخصصات بالإمكان حل هذه الهيئة وتشكيل هيئة جديدة و تقليص عدد أمنائها و أعضائها خصوصاً بعد إن تم حل مفوضية حقوق الإنسان وإحالة منتسبيها على التقاعد فيجب حل المفوضية العليا للانتخابات وتشكيل هيئة مستقلة فعلاً من ذوي الاختصاص من الأكاديميين والمتخصصين ومن غير السياسيين ومن التدريسيين في الجامعات العراقية المتخصصين في هذا المجال وترشيق أعدادها ومقراتها وبذلك يتم ضرب عصفورين بحجر واحد حل الهيئة المسيسة وانتخاب هيئة مستقلة فعلاً ومتخصصة وتقليل مسؤولي ومفوضي وموظفي الهيئة للاقتصاد بالنفقات . هذه بعض الأمثلة على حجم الترهل الإداري في وزارات ومؤسسات الدولة وهناك الكثير من حالات الترهل التي تؤدي الى هدر أموال طائلة وقدرات كبيرة من الدولة وتستنزف الكثير من مواردها وطاقاتها وتسبب خسائر مادية كثيرة للدولة وفي حالة خصخصة هذه المؤسسات والهيئات لأمكن تأمين إيرادات مالية ضخمة يمكن الاستفادة منها في تقديم الخدمات الأساسية لأبناء هذا الشعب المظلوم وتحسين مستوى المعيشة وتطوير البنى التحتية للمحافظات والحد من البطالة والفقر والفساد وسرقة المال العام ونهب أموال الشعب وثروات الوطن بدلاً من استقطاع رواتب الموظفين والمتقاعدين وبدلاً من اللجوء للقروض من البنك الدولي وغيره لذا على الحكومة والدولة الانتباه لهذا الترهل الإداري الكبير في وزاراتها ومؤسساتها وهيئاتها والبدء بمشاريع هيكلة وخصخصة حقيقة ترشق هذه المؤسسات وتقضي على الهدرالكبيروالغير مبرر في موارد البلاد المالية والبشرية والاقتصادية واستثمار أموال الدولة التي تذهب هدراً لمؤسسات غير منتجة بل أصبحت مجالاً خصباً للفساد المالي والإداري لتطويراقتصاد البلد وتحقيق التطور والتقدم في المجالات العلمية والصناعية والزراعية والخدمية والعمرانية والتعليمية والصحية والنهوض بالبلد الى مصافي الدول المتطورة وللكلام بقية .



















