
حسن النواب
جميع الحقائب الوزارية التي جاءت بعد زوال طغيان جمهورية الخوف كانت على مزاج الأحزاب السياسية المتنفذَّة، ولم تكن تلبية إلى تطلعات الشعب الذي عاش محنة الحروب المجانية والحصار المذل في زمن النظام العبثي السابق، ومعظم الوزراء الذين استمتعوا وغنموا من حقائبهم الوزارية كانوا من الذين وفدوا من المهاجر وبمباركة من الاحتلال الأمريكي. لم يكن للشعب المقهور أي دور في اختيار طوابير الوزراء الذين تسنَّموا تباعًا تلك الوزارات في الحكومات الخمس والتي كان المزاد عليها بالعلن من قبل الأحزاب السياسية وبلا خجل يندى لهُ الجبينْ، ورأينا العجب من بعض الوزراء، فمنهم من غرق حتى هامته بصفقات الفساد وسرق مليارات الدولارات وعاد سالماً غانماً إلى منتجعه الأمريكي أو الأسترالي أو الأوربي، ومنهم من جعل وزارته مضافةً دمويةً لتنفيذ جرائم القتل بحق الأبرياء، علينا أنْ لا ننسى الوزير الذي سرق قوت الشعب وأموال الحصة التموينية، وآخر نهبَ بوضح النهار وأمام عيون النواطير تخصيصات الملايين بل المليارات من الدولارات لمشاريع الكهرباء واشترى بها القصور والمنتجعات لمعاليه الكسيف ولذويه، والحديث عن مهزلة الحقائب الوزارية يشيب لها رأس الطفل. وحين اندلعت انتفاضة تشرين العذراء وطرَّزت دماء المتظاهرين الأحرار ساحات التظاهر من بنادق مريبة مازال القاتل مجهولاً فيها حتى الساعة، استبشرنا خيراً بالحكومة المزمع توليها مقاليد الحكم والتي مازالت حقائبها الوزارية تطبخ على نار المنافع والمصالح الذاتية للأحزاب التي أصبحت مكروهة من قبل الشعب العراقي، لقد أخفق إثنان ممَّن تمَّ تكليفهما كرئيسي للوزراء من قبل رئيس الجمهورية، وها هو الثالث مازال يخوض صراعاً قاسياً مع كهنة الأحزاب، ويبدو أنَّ الأخ الكاظمي لم يستفد من تجربة السجال الماكر ودوَّامة المناكفات والأطماع والرغبات الدفينة من قبل الأحزاب السياسية والتي أطاحت بتوفيق علاوي والزرفي في نهاية المطاف، أضف إلى كابينته الوزارية المقترحة والتي اعتمدت على تدوير وجوه الفساد والفشل في الحكومات السابقة مع أسماء غريبة وطارئة لم يسمع بها الشعب العراقي من قبل؛ ومع أنَّ الأخ الكاظمي يتمتع بتجربة لا يستهان بها في مجال الصحافة والإعلام لكنهُ مع ذلك أخفق باختيار مرشَّح وزارة الثقافة مع احترامنا لشخصه ومؤهلاته، فالرجل المقترح لوزارة الثقافة بعيد كل البعد عن الوسط الثقافي في البلاد، وأجزم أنَّهُ لا يعرف من الأدباء أكثر من أصابع يديه، في حين أنَّ الوزير الحمداني أثبت بالبراهين على نجاحه الكبير في الوسط الثقافي ومحبة المبدعين لشخصه، بل أنَّ إنجازاته في مجال الآثار ورعاية المثقفين وتفقده للمشاريع الأدبية والإعلامية خلال عام واحد قدْ فاقت من سبقوه في استيزارهم لهذه الوزارة والتي هي واجهة ومرآة كل حكومة سواء في داخل البلاد أو خارجه، ولا أريد الإسهاب في ذلك، لكن يكفي القول إنَّ الثقافة العراقية تعيش عصرها المزدهر في الوقت الحاضر برغم الصعوبات والعراقيل التي واجهت هذا الرجل السومري النبيل، وأنَّ التفريط به هو استهانة بأراء وتطلعات المثقفين الذين وقفوا وراء اختياره ونجح في عمله بشكل واضح. الاستقراءات الأخيرة تخبرنا أنَّ ثمن الحقيبة الوزارية أصبح أكثر من خمسة وعشرين مليون دولار، والسعر في تصاعد جنوني مع نشر كل قائمة كابينة وزارية زائفة على مواقع التواصل الاجتماعي، والبلاد في محنةٍ خطيرة، الخزينة فارغة وجيوب الساسة مختنقة بالسحت الحرام وحكومة الكاظمي على كفِّ عفريت وأحلام المتظاهرين ومنهم المثقفين أخشى أنْ تصبح في مهب الريح..(ويابو زيد چنَّكْ ما غزيتْ.

















