وداعاً حسين سرمك حسن – حمدي العطار

379

وداعاً حسين سرمك حسن – حمدي العطار

رحيل رائد النقد التطبيقي والتحليل النفسي

خسر المشهد الثقافي والادبي والنقدي خسارة كبيرة برحيل الناقد (الدكتور حسين سرمك حسن) ، قراءة النقد الذي يكتبه الرحل يعد اضافة ابداعية وتحليلا ضروريا لأكمال العملية الابداعية، كنت قد استلمت كتابه المطبوع مؤخرا في دار الشؤون الثقافية العامة من الصديق عامر الجبوري مدير العلاقات والاعلام في الدار، وهو يقول لي لي انت ناقد وعندما تقرأ هذا الكتب ، للناقد الدكتور حسين سرمك  (من أدب السجون العراقي) سيكون لك رؤية مختلفة عن النقد ومنهجه عند الناقد الراحل! وبسبب زحمة الانشغال وكثرة القراءات النقدية تأجل الاطلاع على هذا الكتاب المهم ، ولم يسعفن الوقت ان اسجل ملاحظاتي عن الكتاب والمؤلف  وهو لا يزال على قيد الحياة! لكنني احاول ان اقدم له الرثاء من خلال هذه الاطلالة المتواضعة.

دراسة وتحليل

لم يكن النقد عند  الراحل الدكتور” حسين سرمك” فقط دراسة وتحليل فهي الى جانب ذلك هو ملم بالقواعد النقدية ويملك القدرة والقابلية لتطبيقها على النصوص (الرواية والقصة والشعر والمسرحية) ومن ثم الحكم عليها، النظريات النقدية يمكن ان تؤهل الناقد حسين على القراءة الصحيحة فقط لكن الاضافة تأتي بما يملكه من تفسير خاص(فيه لمحات نفسية وادبية)  لكل نص يقدم على نقده ، النقد عنده رسالة ووظيفة يكمل ما يبدأه المبدع ويقدمه للقراء. يتمتع الراحل د. حسين سرمك بمكانة إبداعية وأدبية رفيعة، فهو صاحب الدراسات الاصلية في مجال النقد ، المادة النقدية  التي يقدمها فيها صور خلاقة ورؤى جميلة ورائعة، هو لصيق بإعماق مشاعر الانسان وخياله.ومما لاشك فيه كان المنهج التطبيقي للراحل في النقد لا يرتكز على الذوق وحده للحكم على النص فهو يستخدم معايير نقدية ويلتزم بها ، فهو من مدرسة الناقد (علي جواد الطاهر) في النقد ، هذه المدرسة التي تدرس لغة النص وصولا الى اهمية مصطلحات النقد من خلال النقد يتعرف القارئ على الصحيح من الزائف وبه يهتم ولا يهتم بالمقروء وبه تصل الواقع بالخيال. يذكر الكاتب(عماد الخطيب) في كتابه “مبادئ النقد التطبيقي” بإن النقد (علم فن الحكم على النص مستنبط من قواعد واصول متبعة في الدرس النقدي) ويعد النقد التطبيقي هو القادر على (أحالة النص الى واقع ملموس) و(احالة النظرية الى تطبيق).

كان يرى د. حسين سرمك في كتابه (من أدب السجون العراقي) مدى القوة التي يتمتع فيها النقد الادبي التطبيقي لعلاقته بالمعارف الانسانية المشتركة، هو في هذا الكتاب حاول ونجح في استنطاق النصوص الادبية لدى المتلقي على اساس منهجي.

رحم الله د. حسين سرمك حسن الذي نتذكره في هذه القراءة المتواضعة فنحاول أن نوفيه بعض حقه!

كتاب (من أدب السجون العراقي) سنة الاصدار 2019  والذي يقع في 255  صفحة ن الحجم الكبير ويضم سبعة فصول تناول فيها الناقد نصوص تتحدث عن ثيمة السجون والتعذيب ومشاعر السجين ، فكانت الفصول تتحدث عن تجارب ادبية في المسرح والقصة والشعر والرواية كتبها كلا من (شاكر خصباك – محمود البريكان- رعد مشتت- حامد فاضل- حميد المختار- ضياء سالم – يوسف الصائغ) وقد جاء الاهداء حزينا ومؤلما (إلى صديقي المناضل “فاضل ناصر أكبر” تحية لتضحيات وعذابات عشرين عاما من السجن السياسي 1974-1994  ضيعت زهرة شبابه وضيعها النكران في بلاد القطة التي تأكل أبناءها..

وإلى شقيقي حامد سرمك حسن الذي لم أتعرف عليه بسبب التعذيب والتجويع في السجن السياسي في مديرية الأمن العامة في النجف عام 1994.

المقدمة القوية

يوضح الناقد في المقدمة اسباب قلة الكتابات الادبية في مجال ادب السجون في العراق على الرغم من ان العراق كان يوصف بإنه (سجن كبير) ويرى ان “اجنحة معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 2017 شهدت 30  رواية من ادب السجون لم تكن بينها رواية عراقية واحدة في هذا المجال” ويذكر امثلة بسيطة عن تجارب الكتابة لأدباء العرق في ادب السجون مــثل (مسرحية الشيء 1966  وروايات (السؤال) 1966  و(حكايات من بلدتنا) 1967  و(الاصدقاء الثلاثة ) 2006   للمبدع الكبير شاكر خصباك ، ورواية (المسافة) 1974  للمبدع الراحل يوســـــــــــــف الصائغ وكذلك رواية (السرداب رقم (2 1997 ورواية (القلعة الخامسة) للشاعر والروائـــــي فاضل العزاوي.

يرجع الناقد اسباب قلة معالجة المبدع العراقي لهذه التجربة ويتساءل “لو سجن أي مواطن بسيط في قسم الأحكام الثقيلة في سجن أبو غريب الرهيب أو سجن نقرة السلمان المرعب لأسباب تتعلق بموقف سياسي ضد الدولة ثم أطلق سراحه، ألا يتشرف بهذه التهمة ويظل يجتر هذه التجربة التي جعلته مناضلا تصدى للسلطة الحاكمة مهما كانت مدتها بسيطة؟ إذن كيف يسجن شاعر أو روائي أو قاص أو مثقف عراقي بشكل عام لسنوات طويلة في هذه السجون المخيفة ثم يخرج صامتا ولا يسطر تجربته في نصوص إبداعية .. ويرجع السبب الى العامل النفسي- وهو المنهج الذي يرتكز عليه الناقد في القرءات النقدية ايضا- نعم من الناحية النفسية قد تكون لهذا التجنب علاقة بالشعور بالذنب- وهو التعبير العلمي المكافئ لوصف (العار) الذي نستخدمه تقليديا، ومنه الذنب الذي يركب (الناجي) من هذه التجربة في الوقت الذي مات فيه رفاق له صمدوا أمام أشرس صنوف التعذيب؟ (ذنب البقاء) لماذا بقيت حيا في حين مات رفاقي واستشهدوا؟

انهيار وتراجع

السبب الثاني يتبع المبدع الناجي هو (الانهيارات والتراجعات والنكوصات ) من جراء التعذيب وعدم القدرة على التحمل، حجم العذاب الذي يجعل الانسان تتغير هيئته وشكله فلم يصبح يشبه نفسه (جاءني شاب تركماني سجين وقال لي : ابو سيف..هذا السجين من سراديب بغداد..هل أستطيع أن أسأله عن أخي المحتجز هناك منذ سنة؟\ – اساله ، ولكن بعد منتصف الليل\ وبعد منتصف الليل، ارتفع صوت بكاء وحشي. ذهب الشاب التركماني ليسأل سجين بغداد عن أخيه..فوجد أنه هو أخوه، ولكن كلا منهما لم يتعرف على الآخر. لقد غير القهر والطغيان والتعذيب حتى ملامحهما، فأصبح الأخ لا يعرف أخاه.

  مشروع الراحل (غير المكتمل) بسبب الموت وهو(الكتابة والتحليل النقديين عن أدب السجون) الذي يرى في مساهمة الادباء الاصلاء  في هذا المجال الحيوي –إبداعا ونقدا- يوفر للأجيال الحاضرة والمقبلة رؤية دقيقة وشاملة للعذابات التي سببها التسلط والطغيان والوحشية وقمع الإنسان لأخيه الإنسان بما يعزز الجهد العام لبناء مجتمع جديد يقوم على الأخوة والمساواة بين المواطنين”ص14

 لقد كانت الساحة النقدية ملعبه الحقيقي ، وكانت طروحاته النقدية في تجديد الاصيل بمنهجه التطبيقي، ولعل اعماله النقدية تجمع في مجلد كامل مما يجعلنا نشعر بإن الراحل في محل مرموق يستحقه فعلا.

مشاركة