وحدهم العرب.. من ينطلي عليهم – سمير حباشنة

وهْم  المذهبية

وحدهم العرب.. من ينطلي عليهم – سمير حباشنة

أخطر ما يواجه العرب في هذه الحقبة من الزمن ، المسؤول عن سوء أوضاعهم، ذلك  الأنقسام المذهبي المقيت .. مقيت ليس لأن لدينا مذاهب ، بل لأننا نصطف ونتنابذ ونتحارب على أساس مذهبي . مع أن المذاهب وأن تم التعامل معها، بصورة حضارية على قاعدة أحترام الآخر وأحترام قناعاته ، فأن المذاهب تتحول من حاله خلافية ، الى شكل من التنوع الحميد، سيؤدي بالضرورة الى الأبداع وتقدم المجتمع ،حيث تتحول المذهبية من أداة للكراهية الى عيش مشترك إيجابي.

******

وهذا ما إستكشفته الأمم الأوربية ، وما أتفقت عليه في معاهدة ” وست فاليا ” الشهيرة عام 1648 التاريخية ،التي وضعت حداً للأحتراب الدموي الطويل بين البروستانت والكاثوليك  … فتم فصل الطائفية عن السياسة ، وبالتالي تم إعلاء روح المواطنة، كمعيار وحيد يتم التعامل عبره مع كل الناس، دون التمييز بينهم على أساس ديني أومذهبي أوعرقي.

******

والحقيقة أن صراعاتنا المذهبية الراهنة كعرب ، هي وهْم لا ينطلي إلا علينا نحن ، فالأصطفافات الأقليمية إنما هي إصطفافات مصالح ، تُستخدم بها المذهبية كسلاح وكقوة ناعمه في وجه الآخر ، يتم توجيهه للأمم والشعوب التي يحاول كل طرف أن يجذبها الى معسكره.  وللتدقيق بما هوقائم في الإقليم حالياً  نرصد:

  • تركيا / دولة كبيره لا تتوقف عن السعي الحثيث  الى تعظيم مكاسبها “مادية ومعنوية” على حساب دول الإقليم والعربية بالذات ، وتتلخص سياستها وسلوكياتها على قاعدة توسيع الأسواق  الخارجية امام منتجاتها، متلازمة مع شعور قومي توسعي طافح يسعى الى إعادة إحياء الخلافة العثمانية ” الطورانية ” ولوبأدوات وأشكال معاصرة ..

وأن واحداً من أهم أدواتها الناعمه، توظيف المذهبية، فتركيا تقدم نفسها بأنها زعيمة العالم السني .. والمنافح الصلب عن المذهب السني وعن منتسبيه ، الداعم الأكبر  ” لفظياً ” للقضية الفلسطينية والقدس..

لكن تركيا وبخط موازٍ  ومتعارض تماماً مع موقفها المعلن هذا، فأنها تقيم أقوى علاقات أمنية وعسكرية وإستخباراتية مع إسرائيل ..!

بل وأن تركيا توظف خطابها ” العقيدي ”  هذا لتبرير تدخلها في الشأن السوري ،  وأحتلال أرض عربية في شمال سوريا ، حيث تقوم بعملية تتريك ثقافي وتعليمي في المناطق التي أحتلتها، تحت ستار  التصدي للحكومة في دمشق، تحت يافطة حماية ” السنة ” ،  مع أن ما يجري هوإحتلال بكل ما تعني الكلمه بل واحتلال استيطاني قومي يعبر عن رغبة تطلعات إستعمارية توسعية بائدة ، وما وحدة المذهب إلا أحد وسائل تحقيق ذلك .ومع الأسف فأن جمهوراً عربياً واسعاً يصدق الرواية تلك، وينحاز الى خطاب تركيا ” اللفظي ” تجاه السنة والقدس ..!! يعزز ذلك  حالة الأحباط التي تسيطر على الروح العربية، في ظل غياب مشروع عربي جدير  بحماية مصالح اقطارنا وبالذات ما يتعلق بالقضية الفلسطينية.

******

  • أيران / وعلى جانب آخر من الصورة ، فأن إيران تقدم نفسها كذلك كزعيمة ومدافعة عن المذهب الشيعي ، ذلك غطاء لتحقيق مصالحها الذاتية ، على حساب العرب وأرضهم وثرواتهم، وسعيها لأحياء القومية الفارسية ، متلازمة بشعور عميق لتصحيح مسار تاريخي قديم، لم يكن في صالحهم، ويشكل غصة مزمنة في روح قوميتهم، التي تنظر للعرب كخصوم ، ونظرة دونية، تحملها أدبياتهم وتراثهم الشعبي.وأن ذلك الرداء ” الأيماني ” ينكشف على حقيقته  عند أول  امتحان .  وعلى سبيل المثال فالخليج العربي لديهم هو”خليج فارسي” ولم تقبل إيران حلاً وسطاً لتسميته “بالخليج الإسلامي” ، وايران بحقيقتها المجردة من أي رتوش ، تحتل عربستان عام 1925 وتحتل الجزر الإماراتية الثلاث وتطالب بالبحرين، وتلك ثوابت توسعيه في السياسة الأيرانية لم تتغير في عهد الشاهنشاهيه ولا في عهد الجمهوريه الإسلامية. وأن تدخلها بالشأن العراقي بدافع السيطره يتم كذلك بأسم المذهب الشيعي . ومع الأسف فأن جموعاً من  العرب كذلك، تصدق ذلك وتنحاز الى إيران ، بل وأن مثقفين عرب يرون بأيران المخلص للعرب والمنقذ لفلسطين .. !!

******

وبالطبع فأن القوة الأقليمية الثالثة هي ، إسرائيل، والتي لا  يحتاج القلم لأن يسطر سلوكها العنصري البغيض الممتد منذ إنشاءها حتى اليوم ، ورغباتها المعلنة في السيطرة على المنطقة العربية سواء بالإحتلال المباشر أوغير المباشر ..

******

وعلى أي حال أن أكبر مثال صارخ على وهمْ المذهبية ، تلك الحرب التي جرت بين أذربيجان وأرمينيا مؤخراً. فأيران وعلى أساس وحدة المذهب ، فأن من المنطق أن تقف الى جانب أذربيجان فكلتاهما تنتمي الى المذهب الشيعي ، ومع ذلك فأن أيران تقف الى جانب أرمينا الأرذدوكسية ..!! وبالمقابل فأن تـــــــركيا السنية وإسرائيل ” اليهودية ” يقفن الى جانب أذربيجان رغم أختلاف المذاهب والديانة !! .

*********

وبعد .. أن وهمْ المذهبية والطائفية والأنقسام الديني، ينطلي علينا نحن العرب فقط ، وعلى مفكرينا ومثقفينا وصانعي القرار في وطننا ، أن يعوا وأن يستيقظوا ويعتبروا من سلوك الآخر ، وأن  يصححوا المسار وأن يعيدوا لهذة الأمة وحدتها الفكرية والثقافية والمعتقدية كخطوة لأن تعود أمة مهيوبة يحترمها الآخر ، وتحول الخلاف الى تنوع ، كنقطة البداية نحوالسير في ركاب التقدم المنشود . وأن يقوموا ببناء علاقاتهم مع الآخر على أساس الأحترام المتبادل ومراعاة لكل طرف لمصالح الآخر ، فتركيا وإيران دولتان جارتان كبيرتان ، ولكن لايجوز أن ينطلي علينا خطابهما المذهبي الذي لا يخدم في النهاية الى مصالحمها القومية .. “والله ومصلحة العرب من وراء القصد”.

{ وزير اردني سابق

مشاركة