


ضحى عبدالرؤوف المل
يتقاطع دربان من عالمين مختلفين، أحدهما نشأ في أميركا الصناعية، والآخر في الشرق المتوسطي الحالم بالتجدد من داخل ذاكرته. مفترق طرق بين الفنان “سول ليويتSol LeWitt”، رائد الفن الغربي، والفنان المشرقي العربي”جبران طرزيGebran Tarazi”، الذي حول “المربع المركب” إلى منظومة فلسفية خاصة، لا تُشبه إلا نفسها.فهل وحدة الشكل والدلالة بين سول لويت وجبران طرزي ذات رؤية مختلفة؟
ليويت، بتقشفه البصري ورؤيته الذهنية، لم يكن يرسم لوحات بقدر ما كان يبني أفكاراً يمكن للآخرين تنفيذها. في عالمه، تتفوق الفكرة على التنفيذ، ويصبح الفن نفسه مفهوماً يُولد في العقل لا في اليد. مربعاته، خطوطه، مكعباته، لم تكن مجرد أشكال، بل خرائط للمنطق، مساحات للتفكير، وخططاً لعقل يتأمل النظام في عالم فوضوي. كان يؤمن أن الفنان ليس بطلاً رومانسياً يسكب ذاته على القماش، بل مهندساً صامتاً للفكر. وحين يمد الخط العمودي، ثم يقطعه بالأفقي، لا يصنع مجرد صليب ولا إطاراً، بل يؤسس نظاماً كونياً تتكرر فيه الوحدة وتولد من رحمها تعددية لا نهائية.
أما جبران طرزي، فكان يسير في درب موازٍ ولكن بلغته الخاصة. لم يبدأ من قطيعة مع التراث، بل من تصالح عميق معه. رأى في الزخرفة الإسلامية لا تكراراً أجوف، بل كياناً حياً ينبض بالتوازن، بالجمال المتخفي خلف البساطة، بالحكمة التي تتسلل من شكل هندسي إلى الوعي من دون ضجيج. عاش في تفاعل دائم مع مفهومي القائم والنائم، ليس كعنصرين بصريين فقط، بل كجدلية فلسفية بين ما يصعد وما يمتد، بين ما يثبت وما يتحرك. في كل عمل له، كان يعيد توليف هذه العلاقة، لا بوصفها زخرفة، بل كفلسفة تشكيلية تعكس صورة عن الكون والإنسان والزمن.
عبر العصور، لم تكن العمارة مجرد تعبير وظيفي عن الحاجة إلى المأوى أو الأمان، بل كانت لغة رمزية عميقة، محمّلة بالدلالات الثقافية والروحية والفكرية. ومن أبرز تجليات هذه اللغة الهندسية الرمزية، ما يمكن تسميته بـ “المربع المركب من القائم والنائم”، ذلك الشكل البسيط ظاهرياً، والعميق دلالياً، والذي يتكرر على أبواب الكنائس القديمة كما يتجلى على الأبواب الخشبية في العمارة الإسلامية، من الأندلس غرباً إلى العراق وبلاد الهند شرقاً.
المربع، في أصله الهندسي، هو شكل يتكوّن من أربعة أضلاع متساوية وزوايا قائمة. إلا أن ما يجعله محورياً في الفكرين المعماريين الإسلامي والمسيحي هو طبيعة تكوينه من تقاطع “القائم” (الخط العمودي) مع “النائم” (الخط الأفقي). هذان الخطان، وإن بدوا مجرّد عناصر بنائية، إلا أنهما حمّالان لدلالات فلسفية وروحية فالقائم (العمودي) يرمز إلى العلاقة بين الإنسان والسماء، بين الأرض والعلو، بين الزمني والمطلق. النائم (الأفقي) يرمز إلى الامتداد الأرضي، إلى العلاقات الإنسانية، إلى التاريخ والوجود في الزمن.أما تقاطعهما فهو جوهر الرؤية الروحية التي تسعى إلى التوازن بين العالمين، وهو نقطة التقاء الأرضي بالسماوي، كما في الصليب المسيحي، وكما في الزخرفة الإسلامية التي تعبّر عن التوحيد والتوازن الكوني.
لكن عند النظر إلى أبواب الكنائس القديمة، خاصة تلك التي تعود إلى القرون الوسطى، نلاحظ نمطاً زخرفياً مكوناً من إطارات خشبية متقاطعة، تُشكّل مربعات أو مستطيلات منتظمة. هذه الزخرفة لم تكن مجرد حل تجميلي، بل كانت تجسيداً بنيوياً ورمزياً فبنيوياً، توفر هذه الشبكة دعماً ميكانيكياً للباب وتوزيعاً متوازناً للضغط. أما رمزياً، يُعاد فيها تجسيد الصليب، ولكن هذه المرة في بنية الباب، ليصبح كل من يعبر الباب، يعبر عبر الصليب دون أن يدرك بالضرورة أنه يشارك طقساً رمزياً فالباب هنا ليس مجرد مدخل، بل عتبة مقدسة، تفصل بين (العالم الدنيوي) و (المقدّس)، بين الخارج المادي والداخل الروحي. المربع المركّب هو التعبير الهندسي عن هذه العتبة.
في المقابل، نجد ذات الشكل في العمارة الإسلامية، ولكن بعد تحوّله إلى نمط تجريدي لا يعكس صورة دينية مباشرة، بل يرتقي بها إلى مستوى أعلى من التجريدخاصة عندما نرى شبابيك مشربيات، وأبواباً مزخرفة، ومنابر محفورة، تعيد إنتاج الشبكة المربعة، المتكوّنة من تكرار القائم والنائم، في أشكال تُوحي باللانهائية. هنا، المربع لا يمثل الصليب بل يمثل الوحدة واللانهاية. تكراره هو تكرار للأسماء الحسنى، وانعكاس للتناظر الكوني.
ما يثير الانتباه هو أن هذه الزخارف كانت تُنجز دون مسمار أو صمغ، بل بتشابك القطع الخشبية بدقّة متناهية. وهنا يكمن العمق الفلسفي: كل “قائم” يحتاج إلى “نائم”، وكل خط يتّزن بتقاطعه مع الآخر. لا قوام لشكل دون الآخر، ولا جمال دون وحدة. حين نضع هذين التقليدين – المسيحي والإسلامي – في مقارنة غير تصادمية، نكتشف أنهما يلتقيان عند جذر فكري واحد أن العمارة ليست حجارة فقط، بل معنى وهيكل ورمز، في الكنيسة القائم والنائم يخلقان رمز الفداء والخلاص. في المسجد القائم والنائم يخلقان تكرار الوحدة الإلهية.

كلاهما يعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والعالم، بين الهيكل والغاية. وهذا ما يثبّت فكرة أن الفن المعماري، وإن اختلفت دلالاته اللاهوتية، يمكن أن يكون لغة فلسفية مشتركة، تعبر عن بحث الإنسان عن النظام، وعن وجوده في هذا الكون المعقّد. وما يبدو أنه زخرفة خشبية بسيطة على باب قديم، هو في الحقيقة مفتاحٌ لفهم عميق للثقافات والحضارات. إن المربع المركب من القائم والنائم ليس فقط بنيةً هندسية، بل هو فكرة فلسفية، وجسر روحي، ووثيقة تاريخية صامتة.في عصر السرعة والسطحية، علينا أن نعيد النظر في هذه التفاصيل الصغيرة التي خبّأ فيها القدماء أعظم حكمهم، لعلنا نفهم أن كل خط مرسوم، وكل زاوية قائمة، كانت – وربما ما تزال – وسيلة للتعبير عن علاقة الإنسان بالكون، وبنفسه، وبما هو أعلى منه.
الفرق الجوهري بين الاثنين لا يكمن في الأشكال التي استخدماها، بل في نوع السؤال الذي طرحه كلٌّ منهما. سول ليويت كان يسأل: ما هو الفن؟ هل هو الشيء المادي؟ أم هو الفكرة التي تحركه؟ وكان جوابه قاطعاً وهو أن الفكرة هي العمل الفني. أما طرزي فكان يسأل هندسياً. كيف يمكن أن نُنتج فناً حديثاً من داخل هويتنا؟ لا من باب التمسك بالماضي، بل من بوابة الانتماء الفكري. لم يكن مع التراث ضد الحداثة، ولا مع الحداثة ضد الأصالة، بل كان يبحث عن الجسر الذي يربط بين الاثنين، حيث يمكن أن يولد فن عربي حديث، لا يشبه الغرب ولا يُقلده، ولا يحبس نفسه في الماضي.
إذا كان ليويت قد فكك مفهوم الفن إلى تعليمات يمكن نقلها من جدار إلى آخر، فإن طرزي أعاد تركيب الجمال العربي عبر مئات الوحدات الهندسية التي تخلق، بتراكبها، لغة بصرية لا نهاية لها. كلاهما لم يكن مشغولاً بـ”التعبير الذاتي” على الطريقة التقليدية، بل كان مهتماً ببناء أنظمة. أنظمة للمعنى، أنظمة للرؤية، أنظمة للفكر. ليويت رأى أن الفكرة تكفي لتكون فناً. طرزي، في المقابل، أراد أن تكون الفكرة ابنة للمكان، أن يكون العمل الفني شاهداً على انبثاق الحداثة من روح المشرق، لا من استيراد مفاهيم غربية جاهزة.
ومع ذلك، فإن ما يجمعهما أعمق من الفروق الظاهرة. كلاهما اشتغل على “الشبكة”، على التقاطع، على التكرار. كلاهما آمن أن البساطة ليست نقيضاً للعمق، وأن الخط يمكن أن يحمل معنى، وأن المربع قد يُختصر فيه العالم بأسره. في عالم ليويت، تتكرر الأشكال لتؤسس نوعاً من الموسيقى البصرية الصامتة، أما في عالم طرزي، فتتكرر لتُعيدنا إلى جذورنا المتشابكة، حيث الجمال نظام روحي، لا مجرد تنسيق بصري.
ليويت اختار أن يختفي خلف الفكرة. لم يوقع أعماله كثيراً، ولم يتمسك بكونه منفذ العمل. كان راضياً أن يكون “مصمم الفكرة”. طرزي بدوره، لم يكن معنياً بالعرض ولا بالشهرة، وكان كثير الصمت في حضرة الفن، مكتفياً بأن يرى تلاميذه ينقلون أسلوبه، وقطعه تتوارثها أجيالٌ من العارفين. كلاهما، بطريقته، اختار التخلي عن “الأنا” لصالح البنية، عن الذات لصالح المعنى، عن الاستعراض لصالح البُعد الجوهري.وربما هنا تكمن المفارقة الجميلة، أحدهما نشأ في قلب الغرب العقلاني، وذهب بعيداً في تحويل الفن إلى علم، والثاني انطلق من بيئة تزخر بالزخرفة والصوت واللون، ولكنه قرر أن يستخرج من الزخرفة ذاتها مفهوماً متحرراً من الزخرفة، وأن يجد في البساطة مفهوماً للتجدد، لا تقليداً أعمى.

ليويت وطرزي، اسمان من ضفتين مختلفتين، لكنهما يشكلان نهراً واحداً من التفكير الصافي في ماهية الفن، من التفكر في “كيف يكون الشكل حاملاً للمعنى”، و”كيف يصبح النظام طريقاً للحكمة الجمالية”. بين القائم والنائم، وبين الخط والمربع، بين التكرار والوحدة، التقيا دون أن يلتقيا، وكتبا فصلاً جديداً في تاريخ الفن، فصلًا لم يُكتب بالحبر وحده، بل بخطوطٍ متقاطعة من الفكر والروح.
الفنانان، رغم اختلاف أصولهما الثقافية، اتفقا في استخدام الأشكال الهندسية كأداة للتعبير عن مفاهيم فلسفية عميقة. في حين أن ليويت جعل “الفكرة” هي الأساس في أعماله الفنية، جعل طرزي “البنية” والتفاعل بينها مكوناً جوهرياً لخلق لغة فنية مميزة. إذا كان ليويت قد اختار الفكر كأساس لفنه، فإن طرزي اختار أن يتوحد مع تراثه ليخلق فناً متجدداً يعبر عن توازن بين الحداثة والتقاليد.
جبران طرزي، في أعماله الفنية، تعامل مع الأشكال الهندسية كأنظمة رياضية دقيقة تحمل دلالات فلسفية عميقة. كان المربع المركب الذي يجمع بين “القائم” و”النائم” في تصميماته ليس مجرد تكوين شكلي، بل تعبيراً عن علاقة رياضية بين الأبعاد المكانية والزمانية. من خلال هذا التقاطع بين الخطين العمودي والأفقي، كان طرزي يعيد تشكيل التوازن بين القوى المتناقضة، مثل الثبات والتحرك، التكرار والتجديد، مما يعكس فهماً رياضياً دقيقاً للتناظر والنسب. استخدامه لمفهوم التكرار الهندسي، حيث تتداخل الأشكال وتتكرر ضمن نظام معين، يعكس مبدأ الهندسة القائم على التوازن والتناظر، وهو ما يُعتبر جوهراً للتفكير المعماري في العالم العربي. بهذا الشكل، كانت أعماله تشكل تجارب رياضية تدمج بين المنطق الهندسي والفكر الفلسفي، حيث يتحول المربع إلى عنصر يتفاعل مع الفضاء والزمن بشكل يسمح بتحقيق انسجام بين البُعدين المادي والروحي، مما يضفي على التصميم بُعداً رياضياً قائماً على قواعد الهندسة الكلاسيكية مع تحرره من الجمود، ليعبر عن ديناميكية متجددة في تكوين الفضاء.فهل يمكن للفن المعماري المرتبط بكل ما ذكرته أن يصبح لغة موحدة تعبر عن التوازن بين الماضي والمستقبل، بين الفلسفة الروحية والهندسة الرياضية، كما فعل جبران طرزي وسول ليويت؟ وهل يمكن أن نتخيل عمارة جديدة تكون جسراً بين الثقافات، لا فقط في تصميماتها وأشكالها، بل في كيفية فهمنا للوجود والزمن من خلال هذه الأعمال الفنية ؟



















