وجهة‭ ‬نظر- محمد زكي ابراهيم

إن‭ ‬المرء‭ ‬ليعجب‭ ‬كيف‭ ‬يتكيف‭ ‬الناس‭ ‬لظواهر‭ ‬طارئة‭ ‬بين‭ ‬الحين‭ ‬والحين،‭ ‬ولا‭ ‬يجدون‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬غضاضة‭ ‬أو‭ ‬إثماً،‭ ‬وكيف‭ ‬يغيرون‭ ‬ميولهم‭ ‬بين‭ ‬آونة‭ ‬وأخرى،‭ ‬ولا‭ ‬يرون‭ ‬في‭ ‬الأمر‭ ‬جريرة‭ ‬أو‭ ‬بأساً،‭ ‬وكأن‭ ‬من‭ ‬طبيعة‭ ‬الفكر‭ ‬البشري‭ ‬الحركة‭ ‬الدائمة‭ ‬وعدم‭ ‬الثبات‭.‬

وكانت‭ ‬التحولات‭ ‬في‭ ‬اتجاهات‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬العربي‭ ‬خلال‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬تثير‭ ‬الدهشة،‭ ‬ففي‭ ‬كل‭ ‬مرحلة‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬فكرة‭ ‬مغايرة‭ ‬لما‭ ‬قبلها،‭ ‬ولم‭ ‬يشعر‭ ‬أصحابها‭ ‬أنهم‭ ‬تراجعوا‭ ‬عن‭ ‬معتقداتهم‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬من‭ ‬الأيام‭.‬

وكان‭ ‬حلم‭ ‬مثل‭ ‬الوحدة‭ ‬الشغل‭ ‬الشاغل‭ ‬للأحزاب‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬وكانت‭ ‬الحكومات‭ ‬تقوم‭ ‬أو‭ ‬تسقط‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬موقفها‭ ‬منها،‭ ‬بل‭ ‬باتت‭ ‬الدليل‭ ‬على‭ ‬وطنية‭ ‬البعض‭ ‬أو‭ ‬عمالته‭.‬

لكنها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬كذلك‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬القرن،‭ ‬ولم‭ ‬تثر‭ ‬سوى‭ ‬مشاعر‭ ‬الإحباط‭ ‬وعدم‭ ‬الرضا‭ ‬لدى‭ ‬النخبة،‭ ‬ولم‭ ‬يقابلها‭ ‬الرموز‭ ‬الكبار‭ ‬إلا‭ ‬بالإعراض،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬حمل‭ ‬راية‭ ‬القومية‭ ‬فيما‭ ‬بعد،‭ ‬اسمه‭ ‬مصر‭!‬

وكان‭ ‬قادة‭ ‬الرأي‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬يستهجنون‭ ‬فكرة‭ ‬العروبة،‭ ‬ويرون‭ ‬أنها‭ ‬غير‭ ‬جديرة‭ ‬بالاعتبار،‭ ‬فقد‭ ‬نقل‭ ‬عن‭ ‬الثائر‭ ‬المصري‭ ‬الكبير‭ ‬أحمد‭ ‬عرابي‭ ‬مثلاً‭ ‬أن‭ ‬العروبة‭ ‬تهمة‭ ‬ظالمة‭ ‬يحاول‭ ‬أعداؤه‭ ‬إلصاقها‭ ‬به،‭ ‬وحرص‭ ‬على‭ ‬التأكيد‭ ‬أنه‭ ‬بريء‭ ‬منها‭ ‬ولا‭ ‬صلة‭ ‬له‭ ‬بها‭ ‬على‭ ‬الإطلاق،‭ ‬وذهب‭ ‬إلى‭ ‬القول‭ ‬في‭ ‬رسالة‭ ‬بعث‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ ‬الكاتب‭ ‬المعروف‭ ‬جرجي‭ ‬زيدان‭ ‬إنه‭ ‬لم‭ ‬يخطر‭ ‬بباله‭ ‬تأليف‭ ‬دولة‭ ‬عربية‭ ‬كما‭ ‬أرجف‭ ‬المرجفون،‭ ‬لأنه‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ (‬ضياعاً‭ ‬للإسلام‭ ‬عن‭ ‬بكرة‭ ‬أبيه،‭ ‬وخروجاً‭ ‬عن‭ ‬طاعة‭ ‬الله‭ ‬ورسوله‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وآله‭).‬

وقد‭ ‬تنامت‭ ‬فكرة‭ ‬الانعزال‭ ‬هذه‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬حتى‭ ‬تجسدت‭ ‬بشكل‭ ‬تجمع‭ ‬أطلق‭ ‬عليه‭ (‬حزب‭ ‬الأمة‭) ‬يقوده‭ ‬أحمد‭ ‬لطفي‭ ‬السيد،‭ ‬يقطع‭ ‬الصلة‭ ‬بأي‭ ‬رابطة‭ ‬تجمعه‭ ‬بالعروبة‭ ‬والعرب،‭ ‬ويرى‭ ‬أن‭ (‬انتساب‭ ‬المصري‭ ‬للعربية‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬احتقاره‭ ‬لوطنه‭ ‬وقومه‭).‬

أما‭ ‬عميد‭ ‬الأدب‭ ‬العربي‭ ‬طه‭ ‬حسين‭ ‬فكان‭ ‬يقول‭ ‬إن‭ ‬من‭ ‬المفيد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬تعاون‭ ‬اقتصادي‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬تحالف‭ ‬عسكري‭ ‬بين‭ ‬العرب،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يرضى‭ ‬بوحدة‭ ‬سياسية،‭ ‬سواء‭ ‬أكانت‭ ‬بشكل‭ ‬إمبراطورية‭ ‬جامعة‭ ‬أو‭ ‬اتحاد‭ ‬مشابه‭ ‬لما‭ ‬في‭ ‬أميركا‭ ‬أو‭ ‬سويسرا،‭ ‬فالفرعونية‭ ‬متأصلة‭ ‬في‭ ‬نفوس‭ ‬المصريين،‭ ‬وإنها‭ ‬ستبقى‭ ‬كذلك،‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬وتقوى‭!.‬

وقال‭ ‬آخرون‭ ‬إن‭ ‬فكرة‭ ‬الوحدة‭ ‬العربية‭ ‬خلقت‭ ‬لمحاربة‭ ‬الوحدة‭ ‬الإسلامية،‭ ‬وإنها‭ ‬الوسيلة‭ ‬المثلى‭ ‬لانفراط‭ ‬عقد‭ ‬الدولة‭ ‬العثمانية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬اجتماع‭ ‬الأوروبيين‭ ‬عليها‭. ‬وشاع‭ ‬حينها‭ ‬مفهوم‭ (‬الجامعة‭ ‬الإسلامية‭) ‬الذي‭ ‬دافع‭ ‬عنه‭ ‬بحرارة‭ ‬الأفغاني‭ ‬وتلميذه‭ ‬محمد‭ ‬عبده‭.‬

ولم‭ ‬يكن‭ ‬النهضويون‭ ‬العرب‭ ‬من‭ ‬دعاة‭ ‬الاستقلال‭ ‬التام‭ ‬عن‭ ‬الدولة‭ ‬العثمانية،‭ ‬فأقصى‭ ‬ما‭ ‬كانوا‭ ‬يطلبونه‭ ‬هو‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬الاتفاقية‭ ‬التي‭ ‬وقعها‭ ‬عبد‭ ‬الكريم‭ ‬الخليل‭ (‬رئيس‭ ‬المنتدى‭ ‬العربي‭) ‬مع‭ ‬طلعت‭ ‬باشا‭ ‬أحد‭ ‬أركان‭ ‬الحكومة‭ ‬العثمانية‭ ‬أكدت‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع،‭ ‬وأقرت‭ ‬تعريب‭ ‬التعليم‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬المشرق‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬المرحلتين‭ ‬الابتدائية‭ ‬والثانوية،‭ ‬ورؤساء‭ ‬الدوائر‭ ‬الإدارية‭ ‬الثانوية‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬المناطق‭ ‬العربية،‭ ‬أما‭ ‬الولاة‭ ‬فمن‭ ‬اختصاص‭ ‬الدولة‭ ‬المركزية‭.‬

وفيما‭ ‬بعد‭ ‬أصبحت‭ ‬مصر‭ ‬الداعية‭ ‬الأكبر‭ ‬للوحدة‭ ‬العربية،‭ ‬وأخذ‭ ‬القوميون‭ ‬العرب‭ ‬يتقاطرون‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬حدب‭ ‬وصوب،‭ ‬وقد‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬الاندماج‭ ‬مع‭ ‬دولة‭ ‬عربية‭ ‬أخرى‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات‭ ‬ونصفاً‭.‬

ومن‭ ‬يقرأ‭ ‬تاريخ‭ ‬عقدي‭ ‬الخمسينات‭ ‬والستينات‭ ‬خصوصاً‭ ‬يفاجأ‭ ‬أن‭ ‬مصر‭ ‬هي‭ ‬داعية‭ ‬الوحدة‭ ‬العربية‭ ‬وبؤرة‭ ‬العمل‭ ‬القومي،‭ ‬وكانت‭ ‬داعمة‭ ‬الاتجاهات‭ ‬العروبية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭.‬،‭ ‬فلما‭ ‬انقضى‭ ‬هذان‭ ‬العقدان‭ ‬حدث‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬في‭ ‬الحسبان،‭ ‬وبدأت‭ ‬مصر‭ ‬تتنصل‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الروح‭ ‬شيئاً‭ ‬فشيئاً،‭ ‬وتتراجع‭ ‬عن‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬الوحدة‭ ‬أو‭ ‬التبشير‭ ‬بها‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬تفعل‭ ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬وحذت‭ ‬حذوها‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬الأخرى‭ ‬في‭ ‬المشرق‭ ‬والمغرب‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭.‬

فهل‭ ‬سيأتي‭ ‬اليوم‭ ‬الذي‭ ‬تنبعث‭ ‬فيه‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة‭ ‬من‭ ‬جديد؟‭ ‬بالنسبة‭ ‬لي‭ ‬لا‭ ‬أستبعد‭ ‬هذا‭ ‬أبداً‭.‬