وثيقة لتاريخ العراق الحديث

2270

وثيقة لتاريخ العراق الحديث

العنف السياسي في السرد القصصي

محمود خيون

مما لاشك فيه من أن مسيرة البناء الفني القصصي والروائي في العالم العربي والغربي لابد أن يكون شاملا، وبما يكفل الخروج بنتائج إيجابية كبيرة يمكن للدارس و القاريء الإفادة منها…خاصة إذا كانت بعض تلك الكتابات تميل إلى الرمزية أو الخيال أو إلى عالم الأساطير ودهاليزها المقفرة والمتشعبة للنجاة والتخلص من قيود السلطة ومتاريس الحكام والملوك والسلاطين…وهناك الكثير من الأمثلة التي تنصب في حكايات عن العنف الذي واجهته الرواية العربية والغربية، أو ماسمي بالتعسف الثقافي وما يوول إليه من تناقضات ومنزلقات تقود أصحابها في بعض الأحيان إلى مهاوي الردى والسقوط في قبضة السلطة باعتبارها هي الجهة المتنفذة التي يقودها أصحاب القرار فيكون لها الشرعية في تمثيل جميع مكونات المجتمع…ولعل ما جاء في كتاب( العنف الرمزي ) للكاتب بورد يو، خير شاهد على ذلك…وفيه أهتم بالكيفية التي بها تتمكن السلطة الرمزية من جعل الثقافة نسقا في الأمثلة الثقافية التعسفية، فتضيع الحقيقة للموضوعية ويصبح الجهل هو أصل التناقضات التي تطبع مختلف الايدلوجيات بطابع رمزي تتعالق الثقافات الغالبة والمغلوبة التي تعني بالطبقات المقهورة وفي الوقت نفسه تمارس النماذج الثقافية الاستغفال بحقها كي لاتكون لها أي صحوة ثقافية…وبحسب نص بحث الكاتبة نادية هناوي( السلطة الرمزية في العربية والعنف ) .ومن هذا نجد أن الباحث الدكتور عبد جاسم الساعدي قد وفق تماما في كتابه( العنف السياسي في السرد القصصي العراقي) عندما يصف ذلك بالقول إن ظاهرة العنف تتمدد وتأخذ أساليب عدة لدى الأفراد والجماعات الإجتماعية والسياسية، بأنعدام الحوار والبيئات الثقافية .. فيعود بعضها إلى جذوره الإجتماعية الأولى، فيما قبل المدنية، فتظهر ولاءات وقيادات تغذي أسباب العنف والتهديد والمواجهة وخلق بؤرة للفوضى وعدم الإستقرار فتصبح عندئذ كيانات هامشية معزولة ذات خطاب يتسم بالعنف والتحريض … مستفيدين من تفشي ظاهرة الجهل والأمية وغياب المساواة والعدالة الاجتماعية..

إلى ذلك يوضح الروائي الكبير والمبدع أحمد خلف بقوله:- أن ما تحمله الملاحم والأساطير والحكايات من رموز واقنعة وإشارات، ما يجعلها تغني النص بالكثير من جدية الفن وخصائصه الأسلوبية والفنية واعطائه حالة من حالات التغريب المقصود منه إعلاء شأن الصورة أو المشهد الدرامي الذي يحمل روح الصراع…)..

تسليب الروح

من هنا يتضح جليا بأن منطق القوة والصلف السلطوي والقدرة على البطش وتسليب الروح الإنسانية من روعة صفائها هو مايحمل قطاع الثقافة الذي يعني بشؤون الأدب والفن في خانة الانصياع إلى المضي في طريق مهول ومتعثر، وهذا الأمر يدفع الكثير من الكتاب وخاصة( القصة أو الرواية ) إلى الإستخدام المفرط للرمزية والاسطورة مثلما يفضل الكثير من الفنانين التشكيليين فن التجريد في رسم لوحاتهم التي تعبر عن واقع دام ومريض تعيشه الناس ومن دون أي شعور بالملل أو الضيق وكأنه صار أمرا مألوفا تتعايش به جميع مكونات المجتمع ومنهم المثقفون على وجه التحديد…ويشير الدكتور عبد جاسم الساعدي في بحثه أنف الذكر إلى حجم تلك المعاناة التي عاشها الكثير من كتاب الرواية و القصة، خاصة في مرحلتي الستينيات والسبعينيات وماتلاها، إذ روت لنا كل كل أفكار وحكايا، ما جاء في معظم الكتابات بأنها اختصرت تلك المرحلة المتعبة والمضنية باللجوء إلى إستخدام الرمزية في الكتابة للتخلص من تبعات مايفسره السلطويون لتلك الرؤى والأحداث التي قد تتصل بالواقع من خلال مايمارسه أبطال تلك القصص داخل مجريات البناء الفني للقص والرواية…وقد أختار الباحث الساعدي الكثير من النماذج في القصة والرواية عن تلك المرحلة الحرجة التي عاشتها البلاد بعد أن مرت بأستشراء حالة التخبط السياسي والفوضى في إتخاذ قرارات سريعة وغير مدروسة ومشوشة قادت إلى الدخول في معترك خطير وشائك أسفر عن سقوط ضحايا وخسائر وزاد من الطين بله كما يقال، بأن غصت آمال المتطلعين إلى غد اكثر إشراقا، في دهاليز مظلمة وموحشة، حتى أن هذا الأمر صار أشبه بالحقيقة الموجعة التي تجوس أعماق الكثير من الحالمين بتحقيق مايصبون إليه من أهداف تجعل منهم أكثر ثقة بالواقع والمستقبل الذي أتضح لهم فيما بعد أنه مرهون بإرادة حفنة من الأشخاص الذين لايفقهون فن السياسة ومساراتها المتعددة وصورها المرعبة، فكان أن أختار لنا انموذجا حيا من تلك المرحلة إلا وهو( تشكيل الصورة في قصص ” خريف البلدة ” للقاص احمد خلف والتي صدرت عام 1995. ويقول الباحث الساعدي أن النصوص الفنية في ” خريف البلدة ” تقترب من قارئها، وتضيق المسافات بينهما إلى درجة الانغمار بها والدخول في تفاصيلها، حينما ينشأ هاجس من التواصل والحوار الداخلي، يتشكل وينمو في مفاصل العلاقة على تنوعها، ويتوافر عنصر الإحساس بعامل الصدق في النص، فتحقق القراءة غرضها ويصبح صوتا من أصواته..  مضيفا بأن ” خريف البلدة ” خرجت تحمل في نفسها دوافع الكتابة وكأنها تبحث عن قراءة لها تخرجها من الركام المتتالي لإصدارات قصصية ظهرت لقصاصين من جيل الكاتب ” الستيني” كما سرت تسميتهم ”  ومما تقدم يتبين بأن الكتابة خلف قضبان الحياة الحديدية المرتبطة باشكالية الحكاية المحددة وذات المواصفات المطلوبة للمرحلة التي تكتب بها والتي تخضع في أكثر الأحيان إلى ارادات الحاكم أو الملك أو إلى مجموعة أفراد أو جماعات لها ايدلوجيات محددة وتختلف اختلافا كليا مع مثيلاتها في العالم العربي والغربي… وفي هذا المحور فأن هناك الكثير من الأبحاث الأدبية والنقدية تناولت موضوعة العنف والاضطهاد الثقافي ومنها على سبيل المثال لا الحصر، كتاب( العنف الثقافي ) لكاتبه حسن خاقاني الذي صدر في بيروت والذي يصف فيه بأن العنف يتصل بجذور عميقة في حياتنا الإنسانية حتى يكاد يكون جزءا أصيلا من ممارستنا الحياة بشتى مجالاتها وقد كان له من التأريخ الطويل أدواته ووسائله، فإن الغايات الرئيسية له تظل واحدة وهي، السيطرة واخضاع الآخر طائعا مكرها.

وقد رصد المؤلف أصول العنف في الثقافة الإنسانية عامة، والتركيز على نطاق محدد منه هو( العنف الثقافي ) وبيان ملامحه التي طغت على خطاب خصوم الحداثة العربية..وقد وجهوا سهام نقدهم الحاد لها بما يتجاوز الجدل الفكري المقبول إلى التجريح العنيف بالكلمة العنيفة التي تحولت لاحقا إلى سلاح مادي حقيقي أوقع ضحاياه من الأدباء والمفكرين في عالمنا العربي المعاصر …

سردية العنف

وتأسيسا على ذلك نقول بأن الناقد والباحث الدكتور عبد جاسم الساعدي إستطاع في كتابه العنف السياسي أن يجمع بين معالم سردية العنف والذي واجهته القصة والرواية آنذاك وبين قدرة كتابها التغلب على حالة الخوف والريبة والأجواء المخيفة من خلال ماصدر في تلك المرحلة من كتابات قصصية وروائية لكتاب محترفين أمثال فؤاد التكرلي وعبد الرحمن الربيعي ونجم ولي وشاكر الأنباري وعادل عبد الجبار وعبد الستار ناصر وهيفاء زنكنة ومن العرب عبد الرحمن منيف ولطيفة الزيات الذي وقف عندها الكاتب الكبير محمود امين العالم طويلا في قراءته لكتاب(، حملة تفتيش ) في الفصل الأخير، إذ تجري حملة تفتيش بالغة العنف بجانبها التفتيش والمقاومة. وفي التجربة الذاتية أشار الباحث الساعدي إلى أن السيرة الذاتية ظهرت بعد أن ادعمت إلى حد كبير بالتجربة والتفاعل والحضور الإجتماعي والسياسي الحر إلى العمق الشعبي متناغما مع الوعي والانتماءات الإجتماعية والفكرية والسياسية ونظريات التغيير وحركات الثورة التي اجتاحت العالم بعد الحرب العالمية الثانية ،فزخرت الكتابة الروائية الحديثة وبخاصة في مراحلها الأولى بجوانب مهمة من السيرة الذاتية كرواية ( موسم الهجرة إلى الشمال ) للطيب صالح ورواية ( الحي اللاتيني ) لسهيل إدريس ورواية( الأشجار واغتيال مرزوق ) لعبد الرحمن منيف ورواية( الخبز الحافي ) لمحمد شكري التي حددت الصراع والاختلاف بين الجماعات السياسية والاجتماعية المحافظة وبين قوى المدنية المتنورة وحركت عوامل الوعي والتغيير على مستوى الحوار والمناقشات. نقول أن كتاب(العنف السياسي في السرد القصصي العراقي) …

يعد وثيقة مهمة إستطاع فيها الباحث الكبير الدكتور  عبد جاسم الساعدي أن يوثق مراحل خطيرة في تأريخ الأدب العراقي والعربي وبأسلوب مبسط وسلس ومدعوم بالشواهد والإشارات المعرفية التي تعين القاريء العادي على تجاوز حالة الغموض وتعيد إلى ذهنه مامر من حوادث وحكايا في سفر التأريخ الذي مرت به البلاد وخاصة المسيرة الذاتية للرواية والقصة العراقية و مثيلاتها العربية من مصاعب وكوارث فكرية واجتماعية إستطاع كتابها وبحرفية ومهنية عالية من تجاوزها وتحقيق الروائع في فن القص والرواية التي صارت منارا إلى يومنا هذا للمتلهفين لمعرفة السر الحقيقي وراء بزوغ أسماء لامعة سجلت حضورا، بعد أن عانت كل أنواع الاضطهاد النفسي والروحي والبؤس والشقاء الذي منحها القوة والصلابة في الموقف الابهى والخصوصية لمثل هذا النوع من الادب…

وكما قال الكاتب البير كامو …لم اتعلم الحرية من كارل ماركس ولكني تعلمتها من البؤس..

وفي الفصل الرابع والأخير يتحدث الباحث الساعدي عن الرواية وتجربة العنف السياسي…

إذ تناول رواية “غيابة السندباد ” لحسين كمال والذي أعدها من الأعمال التي تمثل الدخول الحر إلى عالم الكتابة الجديد، ووصفه بأنه حالة لاشتعال الذاكرة واستعادة معالم المكان والأشخاص والحركة وحيوية البحث عن المعرفة بصورة إستثنائية لا يماثلها إلا تفجر المواهب والإبداع والتمرد على عزلة المكان…ويؤكد الساعدي بأن الرواية كانت بحاجة إلى لغة قصصية جديدة ورؤية فنية، تخرج فيها عن تلك الضغوط السياسية وردود الأفعال المباشرة، فالقاريء الذي يبحث عن الفن واللغة والخيال والاسطورة ومتعة القراءة لا تؤهله للدخول إلى عالم الرواية السياسية بالطريقة النمطية والسرد الطولي. وهذا يعني أن الدكتور عبد جاسم الساعدي، يرى أن النمط الأسطوري والرمزي الممزوج بخيالات الكتاب هو الذي يوحد قضية الكتابة عندما تكون مأسورة لجناح معين تحدد فيه الرؤيا والدلالة والاتجاه الذي يحرم التوسع ويمنع الخيال المتدفق أن يتجاوز الحدود غير المسموح بها والتي تشكل عامل خطر على المعنيين بشؤون الناس وخاصة الفقراء والمعدومين منهم والذين كانت وماتزال احلامهم تعشعش تحت جواربهم وطيات معاطفهم البرونزية العتيقة أو التي تنام على تخوت المقاهي القديمة في ساحات تجمع عمال البناء والتنظيف أو ما تســمى (بالمسطر)..

رسم لنا الباحث الساعدي في العنف السياسي في السرد القصصي العراقي….آفاقا واسعة وشاسعة لأن نتأمل عن كثب ماكان يجري خلف الكواليس من قهـر وجفاف وموت على أرصفة مقفرة وخالية واسيجة مدماة بجراح الملايين كتب عليها شعارات الحرية التي مسحت انامل الفقراء نصف حروفها واحالتها إلى خطوط متشابكة، ظلت إلى يومنا هذا هي الشاهد الوحيد على زيف المدعين..

مشاركة