والد طيب – مقالات – ثامر مراد

151

والد طيب – مقالات – ثامر مراد

خرج من البيت حزيناً كأنه يحمل هموم الدنيا فوق رأسه وسار في الطريق المهشم نحو المقهى البعيد ينشدُ قليلاً من الهدوء وراحة البال الوهمية. كان مطأطأ الرأس كَمَنْ علقت عيناه بألأرض أو يخشى النظر الى أيَّ شخصٍ ربما يلقِ علية تحية المساء كعادته كل يوم وهو يسمع تحيات المارة الذين يسكنون معه في نفس الحي ” كيف الحال ياوالد الطبيب؟” . كان يشعر بالحرج كلما بادرهُ شخص ما بهذه التحية ويناديه ” أبا الطبيب” . كان يتمنى أن يناديه الناس بأسمهِ الحقيقي ” العم غايب” . منذ أن تخرج ولده الكبير من كلية الطب وجميع الناس راحوا يطلقون علية هذه التسمية. شعر أنه لم يعد له وجود , لم يعد احد يتذكر إسمه ” العم غايب” . جلس وحيدا في زاوية من زوايا المقهى يتأمل حركة الناس في الشارع القريب ويسمع صراخ الزبائن وهم يضربون قطع – الدومينو- بقوة على المناضد الخشبية. كان ذهنه مشتتاً بين الواقع والخيال. تمنى أن يبقَ وحيداً لايقترب منه أحد ويخترق خلوته في هذا المكان الصاخب. كلما أراد الهروب من مشكلة معينة يجلس في هذا المكان كي يستطيع أن يتحدث مع نفسه دون أن يسمعه أحد. أصوات الدومينو تطغي على الفضاء لدرجة أنه مهما تحدث مع نفسه لاأحد يستمع اليه. راح ذهنه بعيداً يستذكر تلك ألأيام التي كان يحمل فيها طفله الصغير بين يديه ويسير في جهاتٍ متعددة من المدينة أو يأخذه الى دكاكين تبيع الحلويات أو أشياء يعشقها ألأطفال. كان طفله المدلل يعشقه لدرجة الجنون. اليوم راح – الطفل الصغير الذي تحول الى طبيب- يعيرهُ بأشياءٍ كثيرة لا بل يتجاوز علية – كاد أن يضربة لسوء تفاهم حدث بين العم غايب والطبيب الملعون- . كادت أن تقع كارثة لولا تدخل ألأم وتقبيل يد العم غايب كي لايضرب الطبيب. راحت تلطم وجهها وتذرف دموعاً سخية. نظر العم غايب الى شريكة حياته – حبه ألأول- وفي لحظةٍ مرعبة شاهدها في خيالة المرهق- وهي تجلس معه عند كورنيش ألأعظمية – يتبادلان كلمات حبٍ وعشقٍ لاتنتهي. كانا في كليتين مختلفتين . عند المساء يتقابلان بالقرب من كورنيش ألأعظمية أو منتزة الزوراء يخططان لحياة جميلة بعد قصة عشقٍ دامت أكثر من خمسين عاماً. حينما كان العم غايب في ألأبتدائية كان يتفاخر أمام أمهِ حينما يقرأ لها بصوت مرنفع” وإخفض لهما جناح الذل وقل ربي إرحمهما كما ربياني صغيرا” . لازلت هذه الأية تتردد في ذهنه بعد كل هذه السنوات. وصار الطفل طبيباً وحلم العم غايب أن ولدة الصغير سيعوضه بحنان كبير كذلك الحب الذي كان يحمله لزوجتة وكذلك الهيام الذي تحملة – جميلة- لحبيبها – غايب-.صرف العم غايب دم قلبه على ولده من أموال وحاجياتٍ ليس لها تقدير في قائمة المجالات المادية. اليوم يقف الطبيب في وجه العم غايب ويعيره بأشياء مادية كان قد وهبها له – لاتعادل لحظة قلقٍ علية حينما كان يمرض وهو صغير..لاتعادل لحظة فرحٍ واحدة وهو يستقبل نجاحه في مرحلةٍ من مراحل دراستة في كلية الطب.اليوم يشعر العم غايب كأنه زرع شجرة عقيمة لاتثمر ..كأنه زرع أشواك في صحراء مغطاةٍ بالرمال لاتصلح للزرع. كان العم غايب يقبل رأس – جميلة- في محاولة لمسح دموعها المنهارة كصنبور ماء ويصرخ بأعلى صوته في أرجاء البيت ” سأتركهُ هذه المرة كي لاتتالمي..سأتركه من أجل هذا الوجه الجميل..فداكِ كل العالم…لن أطلب منه معونه مادية لو تسكعتُ في الطرقات أستجدي لقمة خبزٍ..العوض من الله..منذ هذه اللحظة سأعتبرة من سكان القبور وسأدعوا علية في الليل والنهار كي يذرف دموعاً أضعاف دموعي ودموعك” . ترك العم زوجته – جميلة- وخرج هائما في الطرقات كأنه مصاب بمسٍ من الجنون. خرج كمخلوق يهيم في الصحاري والوديان لايعرف أين ســـتقوده قدماه.

مشاركة