وادي الهدير

281

 

 

 

وادي الهدير

رشيد سكري

-1-

نأمات و تأوهات وهمهمات …

عيون مائية  دامعة ، و حسيرة …

بها كانت تنظر حدوم إلى حافة الوادي ، وقد أزهرت فيها فلول أشجار الرمان ذات الثمار الأرجوانية ، معلنة عن نهاية موسم الحصاد . غير بعيد من هذا المكان ، ومما كان يجرفه وادي الهدير إلى البلدة الصغيرة آيت عبو ، يطوق عوسجٌ حقول صبار عال امتد في ربوع البلاد الممتدة و الخالية . بالجوار ، تنتشر ممرات ملتوية كحبال صيد أو كعروق معدنية . وبالقرب نساء يرفعن عقيرتهن بلحن الغروب الآفل ، وهن ينظفن ما جلبوه ، إلى العين المائية بوثمسيردين ، من أقمشة  وأغطية صوفية ملونة الأرداف . ومن حولهن يشتد أزيز لغط أطفال ، وهم حفاة عراة ، ينتظرون اجتفاف أثوابهم المنشورة على جسور خشبية من عرعار كرزي اللون، يفصل قرية آيت عبو إلى عدوتين . هرْج و مرْج الصبية يبعث فيهم روحا و فرحا و حبورا بلا حدود ، وفيه يجدون الوقت مناسبا لمداعبة أعضاء تناسلية صغيرة تنمو في عتـْمة ، فيغازلها نسيم وادي الهدير من كل حدب وصوب.

من طاقة البيت الصغير المدهون بطلاء أزرقَ ، كانت حدوم تنتظر القادم البعيد ، وهي تعاني الفلج و داء النقرس ، الذي بدأ يفتت أجزاء من عظمة قدمها اليمنى . فحينما تشتد عليها جمرة الغضا ، من مرض ينخرها كالسوس ، تزحف على ما تبقى من أشباه أقدام ، باتجاه عين بوثمسيردين ؛ الماء الزلال الصافي ، الذي يكفكف لها جراحا و يداوي سقما .

 يتدلى جسدها المهيض عبر سلم حجري ، لتجد نفسها في ممر ضيق على شكل حزام ، يشق الربوة إلى نصفين . ما أن تخرج من عتـْمة النفق ، حتى تزكم أنفاسها رائحة خصوبة تراب مبلل  بدبال تحلل في أحواض صهريجية صغيرة  . عندما تسرح عينيها الحسيرتين نحو المقبرة ، في الجهة المقابلة ، تظهر لها ثمار الصبار معلقة في السماء كقنابل متهاوية من السماء ، فتصعد إليها جلبة الصبية ، وهم يتصايحون ويلعبون مخلفين وراءهم عبابا من غبار مسحوق كالطحين .     الأرض محروقة قضى عليها اليُبس و اليباب ، فالأمطار لم تعد تزور آيت عبو ، وحبالها القديمة الشتوية ، التي تشق طرقات و تفجر أنهارا و ينابيعَ ، هي هكذا قديمة ووادي الهدير لا يُسمع له عرين ، يحمل صخورا و دوابا ، وكل ما يصادفه في سمته المنحوت من خيام وبرية ومواش، وأحيانا يغور على مطاميرَ مدفونة تحت الأرض ، فيخرج منها زرعا ، ويجلب معه ضرعا ؛ فتأكل كلاب و ذئاب حتى الشبع ، أما النمل فهي في حركة دؤوب ، تكسر الحبات وتخزنها في باطن الأرض السخية . عندما ينتهي كرنفال وادي الهدير ، وتعود الشمس إلى الظهور، ناشرة أطيافها الذهبية ، تخرج من الأرض نباتات رُمحية على شكل نبال حادة ، كما لو أنها تحرس البلدة ، لتهيم في سكون مقيم و أبدي .

 كان المكان كله يسبح في نور وأطياف برتقالية بهيجة ، عندما اقتعدت حدوم مكانها بالقرب من النسوة في بوثمسيردين ، ومن حولها التصقت قمم أشجار السنديان بالسماء . قالت حدوم ، بعد تلكؤ و نأمات متتاليات :

ـ هل نزل الشبان إلى القرية بالأمس؟

 أجابت النسوة في صوت واحد .

ـ لا يا أمي حدوم .

لم يسعفها الكلام ، حتى أحست بألم ضاجر ، يخترق جسدها الواهن . سرحت قدمها اليمنى تحت التينة الصغيرة .

ـ ذهب عقة ليبحث عن أخيه ، فلم يعد لا هو ، ولا عبو . منذ أن جرفه وادي الهدير ،  وعقة أصبح مخبولا عن أخيه .

 صاحت إحدى حسنوات بوثمسيردين :

ـ قيل ـ يا أمي حدوم ـ إنهم صادفوه في أسواق العمورية البعيدة ، يتاجر في الأثواب  والعطور و الزيوت . تراه يا أمي حدوم لا يريد أن يعود إلى البيت وإلى آيت عبو ، إلا ومعه ثروة كبيرة .

ابتسمت حدوم على ثنيتين ذهبيتين . وقاطعتها بزفرات متقطعات :

ـ الثروة تجلب السعد ، وتدفع النحس . أكيد سيكون من نصيبكن ، فالسمكة ، يا بنتي ، لا تعوم ، ولا تحيا خارج وادي الهدير .

عادت حدوم أدراجها كما تعود الطيور إلى أعشاشها ، فاختفت بين شعاب و ممرات دائحة

وضيقة .

-2-

   كان البرتقال ، في ذاك العام ، وفيرا ؛ العام الذي جرف وادي الهدير عبو المسكين . فتحلق ناس كثر في المكان ، الذي أمسى نقطة انطلاق رحلة عبو نحو المجهول . كان البرتقال وفيرا و الليمون والرمان أيضا و المشمش و حبات الكرز ، والبصل ، والتين فنبت في ذاك العام نبات يشبه الرمح  والنبال ، ونبات آخر يضارع كف البشر . فكلما هبَّ نسيم في وادي الهدير ، ترتفع هذه الأيادي بالتحايا و ربما بالوداع ، إن تحول النسيم إلى ريح تعوي في قلب وادي الهدير.  داء النقرس تحكم في حدوم . فلم تعد مياه عين بوثمسيردين ، التي فجر ينابيعها وادي الهدير ، تشفي سقمها و علتها  . فكلما انحدر قطيع الغنم مصحوبا بالكلاب والكراز إلى المباءة ، تزحف حدوم على جهتها اليمنى من جسدها المهيض ، وتستعد لإشعال الذبالة المنغمسة في سائل كحولي ، كي تضيء ليلتها البهيمة في انتظار القادم من الأيام . بينما تستحضر صور فلذات كبدها ؛ عقة و عبو ، وما لاكت عنهما طواحين الهواء عند الحجرة الملســـــاء في قلب آيت عبو ، تذرف دمعا ساخنا على خدين أكل منهما الزمن ، وعلى فراق كان يتوارى بين الجوى والجوانح ، فأصبح حقيقة تعيشه حدوم وجها لوجه مع وادي الهدير.

مشاركة