وأد.. ولكن بلغة ما بعد الحداثة – سيد كاظم القريشي

وأد.. ولكن بلغة ما بعد الحداثة (قصة قصيرة)

 سيد كاظم القريشي

ـ لا زالت لا تجيب على اتصالاتي

قالت له مديرة المسرح و القلق باد على محياها. كان الوقت مساء. وكان الطاقم يستعد لعرض مسرحية “مونودراما حكاية عذراء من الحرشة”. فتحت القاعة ابوابها لاستقبال الجمهور. والممثلة الوحيدة لم تأتي.
ـ عجيب أمرها؛ هي لم تتأخر طيلة البروفات

وهرش لحيته؛ ثم بلع ريقه ونظر لساعته في معصمه
ـ كانت متحمسة ليوم العرض. لا ادري ما الذي اصابها..

قالت المديرة و همّت الانصراف إلى خلف الكواليس
ـ تأخرت كثيراً؛ يجب أن نصرف الجمهور.. قبل أن يعلو صوت الهرج

ومسح عرق جبينه. تقدم نحو أمام الخشبة ببطء. ثم أشار كي تضاء قاعة العرض
ـ يؤسفني أن اخبركم أنّه حدث أمراّ طارئ لممثلتنا. لذا لا نستطيع أن نعرض المسرحية في هذه الليلة.

قال مخاطبا الجمهور وهو يتلعثم. علا صوت الهرج في القاعة. لم ينتظر المخرج ردود الأفعال. دلف إلى الكواليس و أشار بيديه لأسدال الستار. إنهار على احد الكراسي. و ظل صامتا. يحدق في اللامكان. تناهت إلى سمعه الشتائم ومواقف الامتعاض من هنا وهناك. ثم اختفى صوت الجمهور من القاعة رويداً رويداً.
ـ ماذا نفعل؟

كان صوت المديرة يخرجه من سباته الطويل. قال المخرج دون أن يرفع رأسه نحوها:
ـ اذهبوا كلكم
حرّك مؤخرته على الكرسي. ودّ أن يشعل سيجارة.. لكنه امتنع من ذلك. كان الصمت يخيم على المكان. حدّق في السقف. سرح في افكاره. تسرّب الوقت من بين أصابعه
ـ اعتذر

كان صوت الممثلة. قفز من سباته.
– لعنة الله عليك اين كنتِ؟!

ودّ أن يوجه لها ضربة كف. لكنه تراجع. ربما لأنها كانت فتاة. أو تراجع لسبب آخر. جلست الفتاة على كرسي قريب منه.
ـ بات لي اليوم ابوان جديدان!

اشاح بوجهه عنها. لم يكن لديه رغبة لاستماع الاعذار
ـ كانوا قد سرقوني من المستشفي حين ولادتي
ـ سرقوك؟!.. ماذا تعنين؟.. سمعنا آلاف المرات أعذارا من الممثلين لتأخرهم عن اداء واجبهم .. لكن لا يأتي بهذا العذر إلا من كان احمقاً مجنوناً أو تعاطى شيئاً ما
ـ أنا لا ادري من أنا حقاّ

حدج المخرج ممثلته لأول مرة
ـ لا استوعب
ـ سرقتني القابلة التي أتت مع أمي من القرية وباعتني على هذه العائلة التي ربتني باعتباري حفيدتها وقد مات ابويّ
ـ و الآن؟
ـ حسب الظاهر أنبها ضميرها.. او ضاق ذرق ابويّ من طلباتها، فأخبرت والديً

ثم اضافت والحيرة بادية على وجهها
ـ لا ادري ما الذي يحدث..
ـ أنا ايضا.. بيعت بطاقات كثيرة
ـ من أنا؟
ـ من أنا؟!!.. انظر كيف هزأت فتاة صغيرة بماء وجهي ومكانتي التي حصلت عليها بشق الانفس

قال هذا بصوت مرتفع. الفتاة لم تنتبه لما يقوله المخرج
ـ هل تعتقد بأنني استطيع أن اتأقلم مع هذه التجربة الجديدة؟

مطّ المخرج شفتيه ثم تمتم:
ـ تجربة جديدة؟.. لا ادري…