هوة في قمة الكلام.. بلاغة التشبيه وشعرية الصورة

562

هوة في قمة الكلام.. بلاغة التشبيه وشعرية الصورة

جبو بهنام
الشاعر بهنام عطاالله من الشعراء الذين يكتبون قصيدة النثر، أي القصيدة الجديدة ويكتب أيضا الدراما النقدية فليس شاعرا علي انفراد وإنما ناقدا وباحثا في التعبير المسرحي الجاد. صدرت له عدة مجموعات كان آخرها «هوة في قمة الكلام»2008 وهذه المجموعة طبعت في أثينا/اليونان «دار alphabet» ضمت 26 نصا.

رائحة التقاويم البهيجة
نصوص المجموعة الشعرية هذه تتحدث عن الغربة والحب والموت والخليقة والجغرافيا، ومن خلالها إستطاع رسم البنية التي تنظم موضوعات مرحلية وتساؤلات كثيرة لاستخراج المخطط الكلي الذي ينظمه عن المعني الظاهر لفيض المعاني الحياتية مشيراً أن الألم والغربة والموت والخليقة والجغرافيا. موضوعات رئيسية تلصق بالإنسان وهو الأكثر تواتراً بدينامية داخلية يسمح العالم حوله بالتشكيل والإمتداد :«حينما يلفظ الإنسان جرحه الأبدي/ تحت سوط الأيام/تنسل التوابيت عبر تخوم الموت الرابض بين أصابعنا/ارتقُ مراثيه/أحصي نتوءات السنوات الملغومة/برائحة التقاويم البهيجة/ فتغدو النوايا/ كدمات/تتثاءب في حلم الهزائم ».ص7
غبار الاسئلة المتراكمة
يقول الشاعر نزار قباني لم يعد الشاعر الحديث أن يطيق الأثواب. فكل مبدع يختار الثوب الذي يرتاح فيه ولم يعد يصنع أفكاره في قوالب مسبقة الصنع.فعندما تفجرت ثورة الشعر الحر تجاوزت هذا التطور إلي تحرير الشعر من قيوده الفنية التقليدية.
لقد تعددت البني الهيكلية للقصيدة الجديدة في هيكل ذهني وهرمي ومسطح إلي إطار دائري مغلق وحلزوني، والقصيدة ذات البناء المقطعي مؤلفة من عدة مقاطع كما في قصيدة «هوة في قمة الكلام» ففي المقطع الأول يخاطب الملائكة, وفي الثاني يخاطب أساه, وفي الثالث يذكر ذكراه وفي الرابع, يستطلع ما يدور في الكون:« هي الريح/مثل كؤوس المرارة/ في حلق الفردوس/مثل شحوب العبارات/التي نفضت عنا غبار الأسئلة/ونصبت أبراجها للقلق/المهرول بين التجاعيد/هو السؤال مثل رشاقة اللحن الحزين/ وشهادات الموتي الراحلين/مع التوابيت الندية/ممهورة بالدم» ص 11

الصورة والفراغ
أن ما يلاحظ في نصوص الشاعر بهنام عطاالله, كون الصورة المفردة ممزوجة جزئياً بفراغ محدد في عملية تصوير المشهد وذلك لأهمية الصورة التعبيرية الباحثة عن المعاني الدلالية, والأبعاد النفسية لتجربة الشاعر عبر مضي سنين عمره، ومن ثم كان لهذه الصورة البسيطة دلالاتها المعنوية والنسقية المستقلة فهي تحليل المجردات وتحويلها إلي مرئي ومسموع متذوق وفاعل تؤطره الحواس :«منذ ستة آلاف شهقة/ نزل الطل علي ارض العراق/نهل منه إباءنا/دون«دموزي»علاماتنا البيضاء/فوق مشاجب الحكمة والعقول/ فانهمرت السدوم في ثراه».ص13
إن الصورة البلاغية نتاج التخيل وهي انزياح أو انحراف عن الكلام العادي وهي أيضا خرق لقانون اللغة من أجل خلق لغة شعرية جديدة.
لقد دخلت لغة الاستعارة في أكثر قصائده الشعرية، تلك الكيمياء التي تجمع داخل الجملة حيث أن الصورة كلمات لا تجتمع من وجهة نظر المقاييس الإستعمالية العادية للغة. فجسد عنصر الصراع مع عنصر التغيير التضادي وهذا يتمثل في الأجزاء التي تدخل في عملية الصراع بين الموت والحياة. حيث إستطاع أن يدخل تطورا علي بنية القصيدة وجماليتها «نواميس انكي ونمو/ودموع الآلهة تغرق الحقول/تعجن الصلصال بالدم المقدس/ وطيف المياه العميقة/نانشة/تعد طريق البشر ». ص34
لقد استمد الشاعر تراث القيم الروحية والفنية, التي تمد القصيدة بطاقات حيوية لا تنضب, واستطاع أن يعبر من خلال هذا التوظيف, إلي أهمية القصور, من حيث تجديد في أساليب التعبير, من أجل منح القصيدة نكهة تراث الماضي, الذي تفتخر به شعوب وادي الرافدين, منذ آلاف السنين. والشاعر واحد من هؤلاء الشعراء الذين تأثروا بهذه العوامل التراثية, التي نستطيع بها أن نفاخر شعوب العالم: « أتو/خلف سحاب الكون/يراقب دفق المياه/وغضب الآلهة/عندها فتح «زيو سدار» كوة الفلك/ودون في خزائنه بذرة الحياة/ذبيحة للآتي/عندها أشرقت الشمس/علي دلمون/من جديد ». ص35
إن وظيفة الإيقاع هي إستنفاذ الطاقة الشعورية حسب ورد زورت فهو عقلي في تباينه غاية الدقة والنظام في العمل الفني, وهو جمالي في خلقه جواً من التأمل الخيالي أذي يضفي علي الموضوع نوعا من الوجود الخصب وهو نفسي في معادلته لإيقاع ضربات القلب.

شعرية إسترجاع عجلة الزمن
إن الفضاء الذي يشتغل عليه النص الشعري, يعتبر الكتابة موضوعا سيميولوجيا ونسقا دلاليا, يمكن تحديده وضبطه, وذلك برصد الكتابة بالشكل أو كشف أو إنتظام في الدلالة, يمكن دراستها من خلال الوحدات الخطية الكبيرة, إلي الكلمات ثم الحروف, كما في قصيدة «ليس ثمة أمل لديك» وهذا عنوان قريب إلي مجموعة خضير عبد الأمير «ليس ثمة أمل لكلكامش» يقول فيها: «ثمة حية ما زالت تئن تتربص تغفو تحت الجلد لتؤثث صوتك المريع علي حافة الانتظار».ص40
لقد ترواحت قصائد المجموعة بين قصائد الشعر الزمني, لإهتمامها بالزمن وإحساس الشاعر بغربته. لقد كان بعيدا عن الغربة, ولكن كان يشعر بها مستعيضا عن الزمن الآلي بالزمن النفسي, الذي لعب علي وتره طويلا ً من خلال تصويره لإسترجاع عجلة الزمن الماضي فأخذ من بعض الأشياء رموزا حمل معها تعويذة الزمن القادم قد يحمل أحلاما وذكريات وتصورات يخلدها بجزء من الزمن المطلق أو في كلمات «هكذا تصفق السنة/ لعرس لا يتم/ لأيام تدمع بالألوان/ السنة قوس من الشلال/ننشره مثل غيمة توقظ المطر/مثل نحيب الرياح/ وأوراق النشوة/مثل سحابة صيف/ وهي تفاجئنا بالقدر ». ص47
«إن تجربة الشاعر تسكنها الحسرة, كما أنها روحاً متأججة بشغفٍ لإكتشاف عوالم ذاتية ورؤيا متشائمة, مكنتة من أن يغفو علي ظل أحزانه وهمومه الملتهبة, المسكونة بالحروف الذهبية, التي أضاءت وجه القصيدة, قائدا قلبه إلي منفاه الإختياري:«انك الآن تمسح وجه الجبل/ مثل ثلج الايام/ترمم هطول الشتاء/من ورشة الملكوت/ نكاية بشمس مفترضة/ تطيح بكل اتهاماتها العطشي/مع الأيام الغابرة». ص53

صور تفيض بالسخونة وأرضية الإبداع أن الحداثة مطلباً إبداعياً, قبل أن يكون فنيا منهجيا، والمبدع الملهم يفرض عليه الخروج من شرنقة التخلف، إلي فضاء الخلق والإبداع، يخرج من شرنقته ليطير عالياً بجناحيه الخفاقين، يرفرف علي الجبل والزهر والغيم، يلامس الشمس والنجوم. هذا هو المبدع في الحداثة والذي يستطيع إستخدام اللغة، ويحسن أدواتها فكلماته لا تعاني من الغيبوبة والدوار والأرق أو تسد الطرق علي أكثر الناس تحسسا لأكوام ألفاظ مبسترة ونصوص تترنح مذبوحة بفقدان اللوعة: «كم هو حبك الآن/متعلق بالهجير/ يشعل صفصافة الخطي/ بين أصابع الألم المستجير». ص57 الشاعر إهتم بتكثيف المجموعة بالنصوص الحرة، مما يغدق عليها حريتها وشعريتها المتأججة، حيث القصائد تتربص في فضائها الرحب، وتسري في خطوطها العريضة، فأصبحت مرايا القصائد عاكسة لذاتها، رغبة في أن يصل الإنسان إلي الأمل المنشود، فمضي الشاعر متألقا في نصوصه وفق معايير صورية تفيض بالسخونة وأرضية الإبداع.

/2/2012 Issue 4119 – Date 11- Azzaman International Newspape

جريدة «الزمان» الدولية – العدد 4119 – التاريخ 11/2/2012

AZP09
















مشاركة