هواجس في يوم ماطر

1386

هواجس في يوم ماطر

رامي فارس اسعد

تجمعت الغيوم وإتحدت وصارت غيمة كبيرة غطت سماء المدينة بأكملها فجأة دوى صوت الرعد، لم تمض سوى دقائق حتى تهاطل المطر بغزارة لأول مرة، انه تشرين الثاني، كنت أراقب منظر المطر من نافذة المقهى المطلة على الشارع، أطالع المارة، أفكر، أعيد رسم الاماكن، الوجوه، وكثيراً ماكان الخيال يجنح بي بعيداً عن الواقع. منذ أن اسدل الستار، قبل سنوات، على  سمفونية الحديد والنار الاخيرة والخيالات تعبث بعقلي المتعب، حاولت طرد كل شيء من رأسي والعيش مجرداً من الافكار والكوابيس،  لكم اتمنى احياناً مع نفسي ان أصاب بفقدان دائمي للذاكرة او ان يقوموا بأجراء عملية محو كلي للذاكرة وابدالها بذاكرة جديدة كما في افلام الخيال العلمي.

المطر ينهمر بقوة، مطر غزير يغسل الشوارع والاحياء والتقاطعات والبيوت، مياه المطر سرعان ما بدأت تتجمع لتشكل برك مائية على طول الشارع، لطالما احببت المطر، هنالك رابطة قوية بيني وبين المطر، رابطة تشدني للمطر ولرائحة المطر، عندما تمطر اشعر بنفسي تتكون من جديد. نظرت الى ساعتي، اشرت للنادل وكنت اعرفه  لكثرة ترددي على هذا المقهى بالذات، ابتسم النادل وقال لي:

.. اراك مندمج مع منظر المطر، معك حق، المطر يشعرك بشيء مختلف كلياً.

أجبت وأنا أحاول رسم الابتسامة على وجهي:

.. بالفعل منظر رائع ، قل لي يا يزن كيف حالك انت هل ما زلت تحلم بالسفر والهجرة.

ابتسم بعمق وقال:

.. وهل استطيع العيش دون هذا الامل.

… معك حق، دائماً ما يوجد امل يدفعنا للعيش والمواصلة رغم الصعاب.

… والان بماذا يأمر الاستاذ.

… ههههه بدون استاذ الاستاذية لها ناسها.

… ولو العين لا تعلى على الحاجب.

… شكرا لك  يا يزن انت انسان طيب واتمنى لك التوفيق والسفر معاً، والان هل لي بفنجان قهوة وسط.

… تكرم عينك يا استاذ احلى فنجان من القهوة.

ابتسم مرة اخرى وهز رحلى فنجان قهوة.

وابتعد بخطوات منتظمة هادئة وراحت اصابعه تعبث بجهازه اللوحي.

نظرت من نافذة المقهى، المطر في الخارج ما زال ينهمر بغزارة وتيارات هوائية باردة تتسلل بخفة الى الداخل بين الحين والاخر، المناظر في الخارج بدأت تتداخل وتتشابك امامي شيء ما تحت المطر جذب ناظري وكنت اراه بوضوح، انه صديقي عماد الذي يقف على الجانب الاخر من الشارع رغم المطر، يلوح لي بأبتسامة المعهودة  اراه في نفس المكان وفي لحظة تشبه اللحظة التي عشناها معاً. اراه حيث تمت محاصرتنا وسط اشتباكات عنيفة اندلعت دون سابق انذار.  فجأة عادت بي الذاكرة سنوات طويلة للوراء، كنا نجلس وظهورنا خلف اكياس الرمل التي تم وضعها كسواتر ترابية امام بوابة المبنى الكبير لان موقعنا كان في تماس مباشر مع العدو الذي يقبع في الابنية المواجهة لنا، عندما اقترح صديقي عماد  أعداد الشاي لنا. فجأة اندلعت الاشتباكات، ازيز الرصاص يتداخل ولا نعلم من اية جهة يأتي، حاول عماد التراجع، دخول المنبى، رغم تحذيري المستمر له وشتمي إياه  بأقذع الشتائم الا انه لم يستمع وربما كان تمسكه بالحياة اقوى من كل صوت، التقطت جهاز الارسال ورحت اصرخ بقوة … من صقر 1 الى صقر 5… عالج عش الغراب بالمدفعية… حول. لم تمضي سوى لحظات حتى سقطت  قذيفة هاون بالقرب منا فجأة شعرت بشيء يرفعني للاعلى ويرميني بقوة على الارض اخر ما اذكره صورة عدد من المقاتلين وهم يجتمعون حولي.

استفقت على صوت يزن وهو يضع فنجان القهوة امامي قائلاً:

…كم هي سعيدة الحظ.

نظرت اليه متسألا: من هي سعيدة الحظ؟.

ابتسم يزن وأجاب: من تشغل بالك لدرجة انك لم تشعر بوجودي.

واضاف بمرح قبل ان يهم بالمغادرة: لابأس ان كانت جميلة وتستحق ذلك.

ارتشف قهوتي ببطء محاولاً ايقاف التخبط بداخلي، قلق مزعج يعتريني يسبب لي اضطراباً في حركاتي، وضعت الفنجان على الطاولة، أطبقت عيني، محاولة يائسة الجأ اليها عندما اقرر الهروب من هواجسي. بقيت لدقائق، كنت خلالها في حالة صراع مع ذاتي، ما ان فتحت اجفاني حتى وجدت نفسي جالساً لوحدي على نفس الطاولة ونفس المكان وكل شي من حولي عبارة عن خراب وركام، تملكتني الدهشة نظرت من حولي لم اعثر على احد من ممن كان في المقهى لا صديقي النادل ولا بقية العاملين ولا حتى الزبائن وكأن الارض انشقت وابتلعتهم جميعاً بأستثنائي، اطبقت عيني وفتحتها على اتساعهما، نفس المكان ونفس المنظر، الجداران مهدمة بالكامل الطاولات محطمة، الركام يغطي كل شيء. نهضت من مكاني ورحت اسير بخطوات متعثرة مترددة نحو الخارج، ما عكسه لي المنظر في الشارع جعلني اشعر بوقع الصدمة على نفسي، الشارع المقابل للمقهى والذي كنت قد حفظت تفاصيله على ظهر قلب تغير فجأة ليصبح ساحة قتال حيث رائحة جثث محترقة وجدران نخرها الرصاص ومباني مهدمة جراء القذائف وسيارات محترقة اصوات صراخ وبكاء اطفال أسمع صداها تأتيني من بعيد، مجدداً اعثر على نفسي ملقاة بين الحطام والنار، اعثر على احلامي المبعثرة بين اغلفة الرصاص وبقع الدماء ولم يتبقى منها شيء سوى ذكرى تومض بضعف في أعماق النسيان، كل شيء مهدد بالانقراض ألا الأحلام  وإن لم تتحقق. لا اعلم كم مر من الوقت وانا اسير على غير هدى مني فجأة مرت من جانبي مدرعة عسكرية، متى ظهرت وكيف لم أسمع صوت هدير محركاتها، بدأت الوح بكلتا يدي ورحت اصرخ بصوت عال على سائقها ان يتوقف لكنها مرت دون توقف رحت اركض وراء المدرعة وانا اصرخ… توقف… توقف… توقف.

جذبني صوت ما: استاذ،استاذ ما بك، هل انت بخير؟ .

رفعت رأسي وكنتُ أتصبّب عرقاً، فجأة وجدت نفسي داخل المقهى من جديد، ويزن يقف الى جانبي، أجبت متلعثماً: اسف، يزن… يبدو… يبدو اني سرحت قليلاً.

نظر الي بقلق وقال: انت بحاجة للراحة وجهك يعلوه الاصفرار والشحوب كأنه فقد الحياة، انصحك بالراحة.

أجبته بعد ان جففت عرقي المتصبب: انا بصحة جيدة لا اشكو من علة لكن على ما يبدو انني متعب ليس الا. ورحت ابتسم بصعوبة. ممكن ان تطلب لي سيارة اجرة…

اجاب: انها في الخارج بأنتظارك لقد طلبتها، منذ قليل، كالمعتاد وحسب الوقت الذي تحدده دائماً. وضعت الحساب على الطاولة وطويت ما تبقى من نقود ووضعتها في جيب معطفي الداخلي، نظرت نحو يزن، هز رأسه بالايجاب وكأنه فهم ما اريد.

بعض الزبائن راحوا ينظرون بأعجاب نحو النادل الذي أخذ على عاتقه سحب الكرسي المتحرك للخلف، وكان يجلس عليه رجل مقطوع الساقين، ومن ثم دفعه بهدوء نحو الامام بأتجاه باب المقهى .

مشاركة