هواتف بأرقام سرية تم توزيعها لطلب قوات مميتة عند الطوارئ – فريد ايار

(الزمان) تنفرد بنشر فصول من أول كتاب يكشف إنتخابات الزمن الصعب (3)

هواتف بأرقام سرية تم توزيعها لطلب قوات مميتة عند الطوارئ – فريد ايار

ونصت استمارة الامم المتحدة التي ملئت بالمعلومات للحصول على منصب (مفوض) ان يكون مقدم الطلب غير تابع لأي حزب وللاسف الشديد اغمضت الامم المتحدة عينيها على ممارسات احد اعضاء مجلس المفوضين دون ان تفعل شيئاً…

وبذل معظم اعضاء مجلس المفوضين، رغم الأخطاء الأدارية والمالية العديدة التي وقعت فيها الأدارة الانتخابية نتيجة عدم وجود خبرة سابقة في الأدارة، جهودهم الممكنة لتحقيق الأنتخابات الرئيسية الثلاثة ومع ذلك ونظراً لمحدودية الأمكانات وضخامة العمل فقد كان هناك من استغل الظروف لتمرير ما يمكن تمريره كما ان سياسة الأمم المتحدة المبنية على ضرورة نجاح مشاريعها بغض النظر عن كل شيء، ساهم في ان يتدخل الكثيرون في عمل المفوضية ولو كان ذلك بشكل غير مباشر وبدون علم العديد من اعضاء المجلس مثال ذلك ذهاب احد اعضاء المجلس الذي افتضح امر علاقته الحزبية الى مجلس النواب والادلاء باراء حول القوانين الأنتخابية دون وجود قرار واضح من مجلس المفوضين بتكليفه القيام بهذا العمل.

بعد انتهاء العمليات الأنتخابية الخمس عام 2005  انتخابات الجمعية الوطنية الانتقالية، انتخابات اقليم كردستان وانتخابات مجالس المحافظات في 30/1/2005 والاستفتاء على الدستور في 15/10/2005 وانتخابات مجلس النواب في (15/12/2005 برزت في الشارع العراقي وعلى لسان بعض السياسيين الذين لم يفوزوا في الأنتخابات اقاويل تفيد بأن هناك عمليات تزوير حصلت في تلك العمليات الأنتخابية … هنا نستطيع القول بأنَّ مثل هذه العمليات، ان كانت قد وقعت، فهي محصورة في بعض المناطق الأنتخابية ولم تكن بشكل واسع بل ربما حصلت في مراكز ومحطات لم يكن فيها مراقبة سواء من وكلاء الكيانات السياسية او من منظمات المراقبة المتعددة… ولم ترد عنها أي شكوى للمفوضية… لقد حرص مجلس المفوضين لتكون الأنتخابات حرة ونزيهة علماً بان المجلس لم تكن لديه القدرة التامة للسيطرة على ما يقارب من  6000 (1) مركز انتخابي بواقع  32,000 الف محطة انتخابية كما لا يستطيع ان يتأكد من ان الـ 200 الف موظف الذين عينوا بواسطة القرعة ليشرفوا على المراكز والمحطات الأنتخابية يمتلكون جميعهم وعياً واخلاصاً وادراكاً بالمسؤولية. وجميعهم ليسوا تابعين للأحزاب او التكتلات التي ظهرت بعد سقوط النظام السابق.

ورود شكاوى

لقد وردت الى المجلس بعض الشكاوى التي لم يستطع التحقق منها كتلك التي تشير الى قيام مدير مركز معين بالحلفان امام طابور المقترعين بان من لا ينتخب القائمة (الفلانية) سيقتل فوراً وكان يكرر امام المقترعين انه يريد بناء عراق خال من المقابر الجماعية.

لا يمكن تفسير مثل هذه الحوادث سوى أنها نقص في “الثقافة الأنتخابية” ورغم ان المفوضية حاولت تدريب مسؤولي المراكز والمحطات على عدم التدخل في شؤون المقترعين الا ان البعض منهم غلبت عليه الحماسة الدينية والمذهبية فدخل بتصرفه هذا دائرة الخطأ.

 بعد اعلان اسماء مجلس المفوضين على الصحافة ووسائل الأعلام الأخرى ابلغنا فريق الامم المتحدة انه يود الالتقاء باعضاء مجلس المفوضين بحدود الساعة العاشرة ليلاً من اليوم التالي. كان في هذا الأمر نوع من الغرابة بعض الشيء ولكن ان كان ذلك بناء على رغبة السيدة كارينا بيريللي فمن الأفضل ان يحصل هذه الأجتماع لأن هذه المرأة لديها قوة عشرة رجال اشداء، بل واتهمت لاحقاً بالتحرش بهم وتم فصلها من المنظمة الدولية بناء على التحقيق الذي اجري بهذا الصدد.

 (1المراكز الانتخابية: كانت عبارة عن مدارس مكونة من 5-4 رف مقسمة الى محطات انتخابية… لقد استعملت المفوضية المدارس لتكون مراكز انتخابية دون اي مرفق اخر كدور العبادة او دوائر الدولة حيث يسهل ذلك الطعن في نتائج الانتخابات.

قبل العاشرة ليلاً قصدت الكافتيريا العائدة لفندق الرشيد والفارغة دوماً من الزبائن واذ بي التقي زميلاً تعرفت إليه قبل اربعة عقود من الزمن في بيت عائلة عراقية كريمة وبعد السلام والحديث علمت انه احد المختارين الأكراد لمجلس المفوضين فكانت سعادتي كبيرة ان التقيه ونعمل سوية ولكن للأسف لم تدم هذه السعادة طويلاً نظراً لبروز تباين عميق في النظر الى الكثير من امور العمل فاصبحت علاقتنا عالة علي مثلما هي عالة عليه ايضا . .

انتقلت والزميل الكردي او “الكوردي” كما يحب الاخوة الأكراد ان يطلق عليهم ،الى القاعة الشمالية في الفندق حيث قابلنا خمسة من المفوضين المختارين ثلاثة منهم رجال وسيدتان محجبتان مثلتا بنظري نصف المرأة العراقية اما النصف غير المحجب فكان غائباً وهو ما دعاني الى الاستفسار من القاضية جاكلين بيشارد وكنا سوية على مائدة غداء في الفندق عن كيفية اختيار النساء في المجلس فذكرت ان طلبات الترشيح من النساء كانت محدودة جداً اربعة فقط ولم يكن لدى اللجنة الكثير من الخيارات بالنسبة لمشاركة المرأة في مجلس المفوضين.

عند دخولنا الى القاعة نظر الجميع الينا بريبة وتوجس وهو سلوك عراقي نبت وترعرع في الشخصية العراقية من جراء الكبت والخوف من النظام القمعي الأستخباري السابق بحيث بات الشخص لا يثق بأخيه والزوجة لا تثق بزوجها وبقي هذا الخوف راسخاً في نفوس الكثيرين من العراقيين حتى بعد اسقاط النظام.

 صافحت الجميع وامتنعت “الأكثر تحجباً” عن المصافحة فدققت لها على صدري علامة السلام وقلت لهم انا زميلكم في الهيئة الأنتخابية وعلينا تبادل ارقام الهواتف وعناوين البريد الألكتروني.. ثم ناولت ورقة لمن كان جالساً الى جنبي فكتب اربعة من الحاضرين بريدهم الألكتروني فقط وبخط لا يحسدون عليه وقد حزرت ان البقية لاعلاقة لهم بالبريد الألكتروني e-mail ولم يستفيدوا من هذا الاختراع الذي اصبح قديماً عام 2004.

التقينا في ذلك المساء كارينا بيريللي رئيسة وحدة المساعدات الأنتخابية وكان معها خبير   الأنتخابات الكولومبي كارلوس فلانزويللا Carlos Valenzuela الذي اختارته الامم المتحدة ليكون على رأس فريقها في العراق ويكون العضو التاسع في مجلس المفوضين طبقاً لقانون تشكيل المفوضية(1).

قالت كارينا بعد ان انتظم الجميع حول طاولة الأجتماعات الواسعة في القاعة الشمالية في فندق الرشيد ، انني مسرورة بأن التقيكم مجتمعين وهناك مفوض واحد ستلتقونه قريباً وكانت تقصد الدكتور عبد الحسين الهنداوي الذي لم يكن في العراق في ذلك الوقت واشارت الى انها مسرورة لأنها شاركت في اختيار هذا المجلس من بين عدد كبير من العراقيين الذين قدموا ترشيحاتهم وقد بلغ عددهم 1887 ترشيحاً… وقالت ان عملية الأختيار كانت سرية ومن قبل اشخاص غير عراقيين وفزتم انتم(2).

1)  سلطة الائتلاف المؤقتة – الامر رقم (92) مفوضية الانتخابات العراقية المستقلة CPA/ORD/31 May 04/92.

جاء في القسم (5) من الامر 92  حول مجلس المفوضين ما يلي:

يتألف مجلس المفوضين من تسعة اعضاء يكون سبعة منهم من المواطنين العراقيين ويكون لهم حق التصويت في المجلس وعضوان لا يحق لهما ذلك:  هما مدير الادارة

الانتخابية  وخبير دولي في الانتخابات تختاره الامم المتحدة.

2) جرت عملية انتقاء الاسماء في عمان بمركز الامم المتحدة وكان السيد حكم شهوان وهو احد اهم العاملين في الامم المتحدة ويتميز بالرصانة  والحيادية من اهم من قام بهذه المهمة التي لم يكن احد يعرف عنها شيئاً الا بعد اشهر من بدء عمل المفوضية.

 ثم قدمت الخبير كارلوس وقالت مادحة  آياه، انه عمل في دول عديدة منها كامبوديا عام 1993  وليبيريا عام 1997  وتيمور الشرقية عام 1999  والأراضي الفلسطينية عام 2002…  وذكرت انه لا يتعب ويحب الطهي ولا يجيب على بريده الألكتروني، لديه الكثير من الحلول لأية مشكلة تظهر وهو سيكون معكم في مهمتكم الصعبة… ثم انهت بيريللي كلامها لنعود ونقابلها واخرين في الساعة العاشرة من اليوم التالي.

اللقاء الأول: القوات المميتة والرقم السري

دخلت كارينا صباح اليوم التالي وكان اعضاء مجلس المفوضين يجلسون حول طاولة الأجتماعات  ومعها كارلوس و جاريت بلانك Jarett Blanc الأمريكي الجنسية والعامل في منظمة ايفيس IFESوكذلك زميله هيرمان ثيل Hermann Thiel الأنكليزي من مواطني جنوب افريقيا ويعمل في المنظمة ذاتها وكانا يعملان قبل تحويلهما الى الفريق الدولي للأمم المتحدة في سلطة الائتلاف المؤقتة CPA)) بقيادة الولايات المتحدة الامريكية.

جلس هؤلاء قبالتنا، وكنا متشوقين لمعرفة ماذا سنعمل وكيف اذ لم يسبق لجميعنا ان قمنا بالأشراف على عمليات انتخابية، ثم بدأت السيدة المكتزة الجسم والسيكارة لا تفارق اصابعها بتقديم كل من جاريت وهيرمان  وعادت تكرر الترحيب بنا ثانية وعلامات السرور والرضى على وجهها وقالت ان الأمور وصلت الى بدايات طيبة ثم اعادت الى اذهاننا كيفية اختيارنا من بين العدد الكبير من المرشحين بحيث جعلنا، وبهذا التكرار، نعتز بانفسنا قليلاً.

بعد تبادل الأحاديث والمجاملات دخل ثلاثة ضباط اتصالات امريكان من فرقة المشاة التي كانت تحمي قاطع عمليات فندق الرشيد وقصر المؤتمرات وما حواليها ومعهم صناديق كارتونية صغيرة تم توزيعها على اعضاء المجلس. كانت هواتف من نوع “ثريا” مع ملحقاتها وبدأ الضابط الامريكي يشرح كيفية عمل هذه الاجهزة ويجيب على الاسئلة وكان هناك رقم سري مثبت على جانب كل هاتف قيل لنا “ان نحفظ الرقم على ظهر قلب وعلينا فقط استخدامه في الحالات الخاصة”. كان الرقم السري مرتبطاً بمقر القيادة الامريكية في بغداد على مدار 24 ساعة والهدف من ذلك انه في حال تعرضنا لأي حادث من قبل ارهابيين ، كما قالوا ، علينا الأتصال بالرقم السري وبواسطة الهاتف وعندما يرن الهاتف عندهم سيتم فوراً ارسال قوة عسكرية (وترجمت في ذلك الوقت بقوة جبارة او مميتة) لأنقاذ المستغيث. كانت هذه اول خطة امريكية وضعت لمجلس المفوضية العليا المستقلة لأنقاذنا في حال تعرضنا للخطر من الارهابيين كما كان يقال .

جرى نقاش حول “الخطة الامريكية للأنقاذ السريع” في وقت انتاب البعض منا، ونحن من هؤلاء، شعور بان مهمتنا لن تكون سهلة وهذا ما ثبت في وقت لاحق، فالحماية العسكرية الأمريكية بقوات “مميتة” وضخمــة لأعضاء مجلـس المفوضـين مصطلـحـات لم نتعـود عليها لذلك كان شـعورنا الشخــصي

المؤسسة الدولية للانظمة الانتخابية (ايفيس).International Foundation for Electral Systems (IFES)

تمول من قبل المساعدات الامريكية USAID وفي بطاقة تعريفها “انها تقدم المساعدات الفنية للدول لاجراء عمليات ديمقراطية”.

ممزوجــاً بالتساؤل : لماذا كل هذه الحماية وهذه الخطط العسكرية ؟ ولماذا امريكية بالذات ؟  علما بأن

الموافقة على مثل هذه الخطة لايعني سوى وضع انفسنا تحت حماية المحتل بشكل مباشر وهو امر يمس  بنزاهتنا واستقلاليتنا .

اكدت الأمم المتحدة هذه الخطة وهي كانت تتعاون مع السلطات الأمريكية بشكل وثيق، فقد تسلمت على بريدي الخاص كما تسلم جميع أعضاء المجلس برقية الكترونية من هبة عبد اللطيف العاملة في الأمم المتحدة بتاريخ 4/ حزيران (يونيو) /2004 قالت فيها: “الموضوع الذي سأقوله لكم هو لحمايتكم… فلدينا شخص يمكن الأتصال به اسمه Warren Hoy(1)  في بغداد ، وقالت هبة في حال وجود “طارئ هائل” Huge emergency الرجاء الأتصال به ليعلم ماذا يحصل ولكن عليكم العلم ان “رد الفعل سيكون ضخماً”… سيرسلون قوة الى بيتكم ليخلونه… لذلك عليكم التأكد جيداً من حجم “التهديد” او الخطر عند الأبلاغ؟ وقالت هبة وايضاً ارجو ان تتصلوا بـWarren Hoy قريباً لتنظيم عقد اجتماع معكم… وعليكم قبل ذلك تهيئة خطة (خارطة) لموقع بيتكم لأنهم يتمنون معرفة كيفية ضمان امنكم وامن عائلتكم الى جانب انهم يرغبون في مناقشة بعض الأمور الاخرى المتعلقة بامنكم”.

انتابني العجب من كل ما يقال حول هذا الموضوغ  ، فالمرء يخال انه اصبح في سجن  وحياته محفوفة بالمخاطر . قلت لهبة انني لا املك بيتا وعائلتي غير موجودة  ولكن مثل هذه الأقوال والتحضيرات  تثير القلق في النفس  ليس خوفـــا او فزعا بل لأننا لم نتعود على مثل هذه الامور وهي حقا غريبة عليّ شخصيا وانني حقيقة لا اريد ان اجري اي اتصال بهؤلاء ولا ارغب بحمايتهم ولدي مرافق واحد اثق به والبقية اتركها للأقدار .

 وفعلا لم يتم اجراء اي اتصال بالقوات المميتة وغير المميتة ورغم التهديدات التي كنا نتلقاها من بعض التنظيمات التي اعتقدت اننا ” عملاء للأمريكان ” فأن احدا لم يؤذينا، بل  وان كان قد لحق بنا الاذى  فمن الأمريكان انفسهم عندما اقتحموا داري بقوة مؤللة وهذا ما سنتحدث عنه في ثنايا هذا الكتاب .

 تتالت “مكرمات” الأمريكان على اعضاء مجلس المفوضين فبعد هواتف الثريا التي نستطيع بواسطتها الأتصال بالعالم الخارجي وزعت علينا هواتف اخرى دعيت بـ(MCI)(2) وبدالتها الرئيسية في نيويورك وهذه ايضاً سهلت علينا امكانية الأتصال بجميع ارجاء العالم ثم زودنا بهواتف (عراقنا) ايضاً وهي الوحيدة التي بقيت لدى البعض من المفوضين لغاية هذا اليوم.

بهذه الاجهزة الثلاثة المختلفة استطاع مجلس المفوضين ومنذ حزيران عام 2004 ولغاية نهاية عام 2005 الأتصال بكافة ارجاء المعمورة دون اية تكلفة وقد اعتقد البعض منا، ونحن لسنا من ذلك البعض، ان الأمر سيستمر هكذا وان الأمريكان سيبقون يحيطوننا بهذه الرعاية الفائقة اللزوم غير مدركين ان هذا الأمر هو جزء من الأستراتيجية الأمريكية المعهودة… لقد كانت الأدارة الأمريكية بحاجة الى اعضاء مجلس المفوضين لأنجاز العمليات الأنتخابية عـام 2005 هـذه العمليـات التي وضــعوا تواريخهــا وتفصيلاتهـا في

1) Warren Hoy ,Operation officer, Global for Sicuritry Cooperation at office of the Secretary of Defence    2)

جهاز هاتف يرتبط ببدالة في نيويورك ويمكن الاتصال بواسطته بجميع انحاء العالم وقد ذكر لنا ان هذه الاجهزة التي وزعت على مجلس المفوضين بالاضافة لعدد

من العاملين في الامم المتحدة مراقبة بشكل دقيق من قبل اجهزة الاستخبارات المركزية الامريكية  .

الأوامر التي اصدرها بريمر عن سلطة الائتلاف المؤقتة. اما بعد ذلك وبعد اعلان نتائج انتخابات 15/12/2005 فان الامور تغيّرت 180 درجة حتى كاد بعض اعضاء السفارة الأمريكية في بغداد والذين كانوا يلازمون المفوضية كل يوم سواء بارسال موظفيهم او سماع الشكاوى بواسطة العيون التي زرعوها داخل المفوضية ينسون اسماء اعضاء مجلس المفوضين.

وخير دليل على ذلك انه اثر اجراء انتخابات مجلس النواب في 15/ كانون اول – ديسمبر /2005  وأعلان النتائج النهائية  لاحظ البعض من اعضاء مجلس المفوضين  خلال شهر شباط من عام 2006  ان هاتف الثريا لم يعد يعمل فحاولت الأدارة الأنتخابية  الاتصال بالمسؤول عن ذلك ولكنها لم تتلق اية اجابة واضحة وفي 2 آذار 2006  وزعت امينة سر مجلس المفوضين على الأعضاء رسالة واردة من سفارة الولايات المتحدة الأمريكية (مذكرة تبليغ) موقعة من السكرتير الثاني في السفارة واسمة (رسل ج. ويستركارد) يقول فيها ما يلي: “نود اعلامكم ان عقد خدمة الهاتف ثريا قد انتهت مدة نفاذه وان سفارة الولايات المتحدة الأمريكية لا تستطيع تجديد العقد او اعادة الخدمة وهذا يعني ان الخدمة سوف تتوقف في جميع الهواتف التي تم تجهيز المفوضية بها قريباً ولن تكون أي خدمة فيها، لذا نرجو من المفوضية ان تطلب من الذين في عهدتهم هذه الهواتف تسليمها الى كادر المساعدة ليتم اعادتها إلى السفارة”. في الجلسات الأمنية التالية عام 2004 عمل الأيرلندي البشوش مايكل براون Michael Browne وهو المسؤول الأمني عن فريق الامم المتحدة والمفوضية معرفة المتطلبات الأمنية لكل مفوض وكيفية حماية عائلته التي تسكن المناطق الخطرة من بغداد (سميت المناطق الحمراء)، وطلب منا ان نزوده بعناوين بيوتنا والشوارع الموجودة فيها وكان يخيرنا عن الجهة التي سنطلبها لحمايتنا في حال حصول أي طارئ هل هي امريكية ام عراقية، ولقد اجاب كل منا بالشكل الذي يؤمن مصالحه… كان رأيي في ذلك الوقت الأبتعاد عن ذلك وعدم البوح او اعطاء اية معلومات للجهات الأمريكية او غيرها والاكتفاء بالمرافقين العراقيين.

الرحلة الى المكسيك

في لقاءات متتالية بين مجلس المفوضين وفريق الأمم المتحدة، عرضت علينا كارينا بيريللي جملة من المواضيع كان علينا ان نجيب عليها بسرعة ونتخذ قرارات فيها نوع من التجانس سيما وان المجلس كان في الأيام الاولى من ولادته ولم يكن يتحمل اية حركة خارج الأطار المرسوم.

قالت بيريللي بما انكم اصبحتم الأن هيئة لها كيان مستقل وهي عراقية هدفها اجراء انتخابات عامة في هذا البلد ولأن عملكم يشمل الأعمال والتصرفات الأدارية والقانونية وحتى الدبلوماسية وعليكم التزامات بروتوكولية كونكم بمرتبة وزير في هذه الدولة وليس الحكومة، فإنّ عليكم التفكير في القيام بزيارات وهذا جزء من العمل الاداري – الدبلوماسي لجهتين الأولى بول بريمركونه الحاكم المدني لسلطة الائتلاف والثانية لرئيس حكومة العراق الدكتور اياد علاوي… سكتت كارينا وهي تنظر الى عيوننا تاركة لنا الرد والكلام.

نظر بعضنا الى البعض الاخر، وكان بيننا من يجد في السكوت وسيلة للأبتعاد عن المشاكل ومنهم السيدتان المحجبتان وزميل لم يستطع مواصلة عمله في المجلس لأن الأرهابيين في الموصل هدّدوه فقدم استقالته وغادرنا مكرها (1).

قال الزميل الكردي الآتي من السليمانية والذي تعوّد على رؤية الأمريكان في شمال العراق منذ ان اصبحت تلك البقعة منطقة آمنة (Safe haven ) عام 1990.. انه لا مانع لديه من زيارة الأثنين وايده احد المفوضين ، وهنا لم اجد بدأ من القول بأنَّ هناك سكوتاً ولا يبدو ذلك دليل الرضى، ولأننا لا نريد ان نختلف قبل ان نبدأ عملنا الفعلي فعلينا ترك المواضع الخلافية جانباً… كان حديثنا بمثابة طوق نجاة لمن لم يكن له رأي في زيارة السيد بول بريمر أو في عدمها أو كان يشتهي ذلك ولكنه لم يكن يجروء على البوح والتصريح وهكذا انتهت هذه المشكلة برأي مفاده أن اغلبية اعضاء المجلس لا تحبذ زيارة هذا الشخص.

وضع سياسي

ابلغنا السيدة بيريللي بموقفنا هذا ذاكرين ان الوضع السياسي والنفسي العام في ذلك الوقت وكون المفوضية جهازاً حيادياً مستقلاً لا يسمح بزيارة الحاكم الأمريكي الذي تحتل قوات بلده الارض العراقية علما بأنه ليس لدينا أي موقف شخصي متشنج ضده ولكن للضرورة احكاماً وان مثل هذه الزيارة ستلحق الضرر بالمفوضية وسيتم اتهامها بانها صنيعة امريكية وهي ليست كذلك. تفهمت كارينا، وهكذا تحب ان نسميها، موقفنا. وبعد ايام ابلغ بريمر بالامر وقالت لنا بعد ذلك انه بدوره تفهم الموقف ايضا. كان الموضوع الآخر زيارة الدكتور اياد علاوي الشخصية الوطنية العراقية ورئيس وزراء الحكومة الأنتقالية… فاتفقنا على القيام بها ما عدا سيدة واحدة حاولت التشكيك واعتبار الدكتور علاوي مساوياً لبول بريمر، الا ان الأكثرية المطلقة اصرت على ذلك.ذهبنا في اليوم التالي الى مقر دولة رئيس الوزراء الدكتور اياد علاوي فاستقبلنا مبتسماً ومرحباً بكل واحد من اعضاء المجلس وقد عبرنا له عن سرورنا بزيارته ورجوناه ان يفتح قناة اتصال بين مجلس الوزراء والمفوضية لان العمل لن يكتمل الا بوجود تقارب وتفهم لعمل المفوضية المحفوف بالمخاطر، وقد وعدنا دولته خيراً ونفذ الوعد اصدق تنفيذ، وهذا ما اشهد له ويشهد له الجميع ممن عمل في المفوضية  بعد فترة قصيرة من يوم الزيارة  اتخذ مجلس المفوضين قراراً بتكليفي متابعة موضوع “القناة” مع رئاسة مجلس الوزراء لتسهيل مهمة المفوضية وفعلاً استمر التواصل مع مكتب رئيس الوزراء وزارنا الدكتور علاوي عدة مرات ولا سيما اثناء عملنا داخل قصر المؤتمرات وكان ذلك دليلاً على حرصه ورعايته للمفوضية ولعملها المستقل. وكان يكرر كلما التقيناه انه يساند المفوضية ويريدها حيادية 100% لأن ذلك هو المهم لمستقبل العراق.

1)  هو السيد ابراهيم علي علي: الذي كان من الموصل… فبعد العودة من المكسيك غادر الى الموصل ولكنه عاد بعد ايام وابلغ المجلس انه لا يستطيع العمل وهو سيستقيل ويعود  لبيته. وعند الحاحنا لمعرفة هذه المفاجأة قال بأنّه تلقى تهديداً واضحاً من جهات (لم يسمها) بانه في حال عدم تركه العمل في المفوضية فوراً فسَيُقتل وعائلته… بقي منصبه شاغراً لفترة طويلة الى ان التحقت السيدة عائدة الصالحي بتاريخ 1/11/2004 بعد ان تم تعيينها بمنصب المفوض طبقاً لقانون المفوضية العليا المستقلة للانتخابات.

في تلك الأثناء عرضت كارينا على مجلس المفوضين موضوعاً اخر يتعلق برحلة المجلس الى خارج العراق وقالت: انّ على مجلس المفوضين ان يتخذ القرار في ذلك الأجتماع لأن السفر يفترض ان يكون خلال اليومين القادمين وقبل انتقال السلطة ومغادرة بول بريمر العراق لأنه قد تحصل مشاكل امنية عنيفة والجميع لا يرغبون ان يكون اعضاء المجلس (الغالي الثمن!!!) وسط قصف وقتل ودمار!!.

خيارات التحليل

وعلى خلاف الزملاء اعضاء مجلس المفوضين الجدد الذين لم يسعفهم الحظ قبل ذلك للعيش خارج العراق والتعامل مع المنظمات الدولية كالأمم المتحدة واليونسكو وغيرها والتي يعتبرونها مؤسسات مثالية فيها من اخلاقيات الوظيفة الكثير من الكنوز ومن الفصاحة وصدق الكلام الكثير الكثير، شعرنا ان ما يطرح علينا من خيارات حول اتجاه السفر فيه نوع من التحايل ذلك لأنه لو اخترنا بلداً ما في الجلسة فكيف سيهيّأ كل شيء خلال يومين؟ من اين يمكن جلب الأساتذة والمشرفين والمترجمين والحجز في الفنادق والأستقبال والتوديع واجراءات الأمن والسلامة… هل يمكن لبلد سنختاره الآن ونذهب اليه بعد يومين ان يكون مستعداً لكل هذه الامور؟

طرحت كارينا، وبالاسلوب الذي يتحدث به اعضاء المنظمات الدولية، وهو اسلوب يعتمد على جعل المرء يوافق على ما يريده اعضاء تلك المنظمات وبواسطة لغة وطريقة طرح ايحائية يتفنن بها هؤلاء، طرحت موضوع اختيار المجلس للمكان الذي سيغادرون اليه بعد يومين للأنضمام إلى دورة تدريبية تستمر اسبوعين…

كان في طرح كارينا الذكاء الكثير، فالتراتبية في طرح الدول الداعية والمسببات المصاحبة تجعل من مجلس المفوضين، الذين باتت قناعات الكثير منهم معروفة لدى الأمم المتحدة، يرفضون الدعوات الثلاث الأولى ويوافقون على الرابعة وهي المكسيك والتي كانت الأمم المتحدة قد اجابت تلك الدولة بالقبول قبل ان تأخذ رأينا بوقت طويل بحيث كانت جميع الامور مهيأة هناك قبل وصول اعضاء المجلس وقد سمعت اثناء وجودي هناك ان الهيئة الانتخابية المكسيكية هيأت جميع المتطلبات لهذه الزيارة منذ عدة اسابيع.

قالت كارينا اثناء عرضها للدعوات التي تلقتها لأستضافة الدورة التدريبية لمجلس المفوضين ان الأمم المتحدة تسلمت دعوات عديدة لألتحاق مجلسكم بدورة تدريبية واولى هذه الدعوات جاء  من الولايات المتحد الأمريكية ولم تذكر في اية ولاية او مدينة ستكون هذه الدورة بل سألت ما هو رأيكم؟ وفي اثناء تبادل اعضاء المجلس الأفكار مع بعض اعضاء فريق الأمم المتحدة اومأت بيريللي وبشكل عرضي ان قبول عرض الولايات المتحدة قد يعطي، ربما، هكذا قالت، الأنطباع بان المجلس يتدرب في دولة محتلة للعراق وهنا انبرى اثنان من المفوضين وبفعل لاارادي مؤيدين هذه الفكرة فتم  استبعاد هذه الدولة والبحث في البدائل الاخرى.

الدعوة الثانية التي قدمتها بيريللي كانت من استراليا هذا البلد الذي يشبه الى حد كبير بلداننا العربية في السعي للوصول الى الديمقراطية لكن برز امر لم يكن في الحسبان بأن استراليا لها قوات ضمن قوات التحـالــف الموجـودة في العـراق… ورغـم ان الجميــع يعلـم جيـداً ان مثـل هذه القـــوات لم تكــــن قتــاليـــة

بل جاءت في سبيل البناء ومساعدة الشعب العراقي، الا ان المرء في بعض الأحيان يجب ان يحسب حسابات خاصة ويسبح مع التيار حتى ولو كانت جهة التيار فيها ما لا يفيد وهكذا اعتذر المجلس عن عدم قبول دعوة استراليا للتدرب فيها(1).

عرضت بيريللي وبحذاقة الدعوة الثالثة الآتية من الهند وقالت كلكم يعلم ان الهند دولة عظيمة فيها عدد هائل من السكان ولديها نظام ديمقراطي جميل وتجربة انتخابية رائعة… كاد اعضاء الهيئة يوافقون على القيام بزيارة الهند سيما وانها دولة معروفة في العراق وهي من الدول الأسيوية والعالم الثالث… ولكن ما ان ابلغت كارينا بالموافقة المبدئية حتى عادت تقول بأنّه وطبقاً للجدول المعد من قبل الأمم المتحـدة فـإنَّ.

مشاركة