هنا النجف ومَن هم اللملوم؟ –  رنا عبد الحليم صميدع الزيادي

327

 

 

 

هنا النجف ومَن هم اللملوم؟

–  رنا عبد الحليم صميدع الزيادي

اليوم صادفني تعليق عنصري من جماعة الحلقوم (لملوم الدول) وقررت ان ارد الرد التاريخي الذي يليق بمدينة النجف أصالة وعروبة وحضارة..النجف ليست عبارة عن حارات أربع مغلقة كما يتصور الواهمون والطارئون على ترابها مهما تقادم بهم الزمن..النجف حاضنة حضارية تاريخية أو كما يقول  المؤرخ النجفي الدكتور حسن الحكيم هي عبارة عن مثلث حضاري. هذا المثلث اصلا سبقته بصمات الحضارة السومرية التي تقع النجف ضمن تضاريس حدودها الممتدة من جنوب بابل حتى البصرة  فكوفتها ارض تنور الطوفان الذي يعتبر الفاصل الزمني كما عده البروفسور طه باقر لكل الحضارات العراقية فالسومرية حضارة ما قبل الطوفان والاكدية والبابلية والاشورية حضارات ما بعد الطوفان فكوفة النجف هي فيصل كل التواريخ وكل الحضارات وكل الامم ..

هي ضيعة من ضياع الحضارة الاكدية الممتدة من شمال شرق بابل حتى اور وهي جوهرة من جواهر الحضارة البابلية التي لقبتها ببانقيا الفرات..لم تمر حضارة على العراق الا وكان للنجف دورا بارزا فيها ..جنوبها مدينة الحيرة دولة المناذرة التي امتدت حدودها إلى جنوب العراق وشمال شرق الجزيرة العربية(السعودية) حتى الكويت والبحرين فالنجف كانت عاصمة هذا الامتداد يومذاك وبلاط نعمانها كان يقصده شعراء المعلقات العشر وليس السبع قرؤوا معلقاتهم على أرض حيرة النجف قبل أن تعلق على استار الكعبة المشرفة ..من ملكها النعمان بن المنذر اخذ عنترة بن شداد مهر حبيبته عبلة.

وبسبب جمال نساء قصر حيرتها افتتن الشاعر النابغة الذبياني فحرم من بلاطها ليهيم بصحراء نجد والحجاز ينشد اعتذارياته لقصرها وسلطانها ومن قصرها الخورنق رمي شاعر المعلقات المنخل اليشكري بعد أن انشد معلقته ذات الحرور بجمال اميرة حيرة النجف..النجف التي اعتنقت الأديان السماوية كلها على ضفاف كوفتها كانت بيوت عامتها وعلى شواطىء بحرها كانت قصور ملوكها( من تلة الأمام علي على امتداد الجريوية إلى ابو صخير )كانت هذه المناطق الفقيرة حاليا ذات يوم تشكل المنطقة الرئاسية ..ولم تسقط دولة حيرتها حتى انتفض العرب فعقدت راياتهم من اليمن ونجد والحجاز فهبوا لصوت اميرتها هند ليكتب التاريخ من اجل حيرة النجف كانت معركة ذي قار ..لتعود بعدها لواجهة التاريخ لتكون عاصمة العراق والعرب بكوفة النجف التي يعود تاريخها الحقيقي لادم وشيث وادريس وهود ونوح .

.أنها ارض تنور الطوفان ورد ذكرها بالقرآن الكريم(واذا فار التنور)… فعلى تخوم حيرة النجف كانت معركة قادسية العرب الأولى الممتدة جغرافية جحافل معركتها (من صحراء الرحبة حتى ناحية القادسية جنوب المشخاب ) باديتها كانت الحضن الأول لجافل الجيش الإسلامي المنطلق من يثرب مدينة رسول الله محمد صلى الله عليه واله وصحبه وسلم ..صحراءها استقبلت أولى رايات الاسلام بالعراق لتكون منطلق الاسلام إلى قارة اسيا حتى حدود الصين…اشراف كوفتها من الاقباط المسيحيين هم من اشاروا لقادة الجيوش الإسلامية خالد بن الوليد و سعد بن ابي وقاص أن يتخذوا الكوفة معسكرا لجيش الاسلام ويتخذوا من بحر النجف ظهرا وحصنا ليكتب فيما بعد عهد جديد آخر ولتكون كوفة النجف أول عاصمة إسلامية بعد المدينة المنورة ومقرا للخلافة الراشدة الاخيرة ومنبرا للعلم والبلاغة ونورا للحكمة والعدالة بعهد علي بن أبي طالب عليه السلام الذي ضمه غريها لتكون مدفن الانبياء والاولياء ارض آدم وشيت ونوح وهود وصالح وعلي بن أبي طالب عليه السلام..

كوفتها مسرح كل الانتفاضات والثورات عبر التأريخ لم تهدأ لحاكم مهما انتدب لها من ولاة ظالمين وقساة وظل مسجد كوفتها مدرسة علمية تخرج منها فطاحل علماء المسلمين على يد الأمام جعفر الصادق عليه السلام لم يتحول تاريخها السكاني لتلة الغري الا بعد ان اتخذها الشيخ الطوسي مقرا لحوزته وهنا أصبحت تركيبتها السكانية جوار المرقد الطاهر بين بيوتات عربية وبيوت طلبة حوزتها القادمين من كل الدول والمحافظات  فمنهم من رجع لدولته ومنهم من طاب لهم سكناها لتتكون حولها حارات أربع ضربت بسور شبه دائري يديرها أبناءها العرب من أرقى العوائل العربية يتخذون منازل النجف للشتاء ومنازل الكوفة للصيف وكانوا صوتها الثائر المتمرد كلما بطش مستعمر ومحتل فهم حراس المدينة وحماتها الحقيقيين ومثلوا عگادة حارتها حق تمثيل عبر طرد ممثل الحكومة العثمانية وإدارة المدينة لمدة سنتين والدفاع عنها بتشكيل فرقتي الزكرت والشمرت وصد 13 هجمة وهابية لولا فتنة الأصول الايرانية التي بسببها نشب نزاع بين الفرقتين دام اربعين سنة حتى انتفاضة 1918 كان منفذوها وابطالها من خيرة أبناءها العرب اولاد سعد جريو سادة عرب اصولهم بمدينة الرميثة وأبو گلل الذي يدل اسمهم على عروبتهم حيث الگل هي رفع قدم الابل اذا غمرت برمل عميق ونجم البقال الدليمي من قحاح عرب الفلوجة واولاد سعد راضي الذين قاموا بعملية بطولية بقتل الجنرال البريطاني بالنجف مارشال وغلق المدينة بوجه الوجود البريطاني الذي حاصرها اربعين يوما فاستبسل اهلها العرب خير استبسال لولا خيانة الجاليات الاعجمية الذين فتحوا مدخلا سريا  (النبعية ) من جهة جبل الحويش المنطقة التي يسكنها العجم والافغان من طلبة الحوزة ليدخل الجيش البريطاني من محورين مدخل هذه الدار الخائنة ومنطقة الثلمة ما يسمى حاليا ببير عليوي حيث ضربت المدافع البريطانية سور المدينة واحدثت شقا واستمرت خيانة الجاليات بانها لم تتظافر مع اهل المدينة العرب فكانوا ادلاء على اماكن اختباء ثوارها وعيون للمحتل البريطاني على كل حركة ثورية بالنجف .

هؤلاء المتقوقعين في بيوتات تهبهم اياها الحوزة العلمية كانوا على مدى عقود عائقا في تطويرها وتوسعتها  فخوفهم من مخالطة قبائل النجف المحيطة باريافها وباديتها جعلهم يلتصقون ببيوتات اقرب للضريح وقتلوا اي طموح للتوسعة وصل بهم الحال البناء فوق الازقة كي لا يخرجوا من منطقة السور لولا مجيء الحكومة العراقية بعهد الملك فيصل الأول لتهدم أجزاءا من السور وتطلق العنان للسكن في منطقة الميدان والجديدات..ثم تأتي فترة العهد الجمهوري  الاول الذي وضع خريطة توزيع سكاني منظم باحياء واسعة سعة دورها من 800 متر إلى 300 متر (كالحنانة والسعد والمعلمين والامير والصحة والمثنى والشعراء والعلماء والحسين والغدير والكرامة ) لنقل سكان المدينة القديمة لاحياء واسعة وبدأ بتوسعة الحرم العلوي الشريف على امتداد التل ورغم تعويضهم بقطع اراضي ومبالغ بناء الا أن كثيراً منهم في الحارات الاربعة استلم من الدول العراقية التعويض ،

لكن لم يخل عقاره بالمدينة القديمة واستغلوا اي اضطراب سياسي ليعيدوا بناء عقاراتهم بعمارات اعلى من المقرر حيث قانون بناء النجف خاصة بالمدينة القديمة ان لا يكون العقار اعلى من قبة الامام علي لكن اليوم عقارات الاصول اللاعراقية  تشكل عائقا وصل بهم الحال حجب قبة الامام علي بن أبي طالب عليه السلام عن الناظرين في حين كان المقرر تهديم كل ما حولها على مساحة التل كاملة ليتسنى للرائي رؤيتها من الكوفة ..

مرت النجف بفترات انتقالية عديدة اقتطعت من جغرافيتها مواقع ثم عادت اليها كانت من ايام الدولة العثمانية والملكية حتى السبعينات قضاء  يتبع للواء كربلاء  عام 1918 اقتطع البريطانيون من اريافها مدينتي غماس والشامية للحد من التحالفات العشائرية بين ال شبل وال زياد والاكرع وشمر التي شكلت خطرا ثوريا على الوجود البريطاني وضمها للواء الديوانية..لم تصبح النجف اداريا محافظة الا بالسبعينات حيث تقرر اعطاءها حقها الحقيقي بالإدارة الكاملة وضم كل النواحي والاقضية التي تتبع هي لها تاريخيا كالحيرة والكوفة.

ومن الطرائف أن مكون لملوم الدول من أصول لا عراقية من عوائل الطلبة الاعاجم الذين تقوقعوا في درابينها الضيقة تنفروا من هذا القرار ولجهلهم التاريخي بامتدادها الجغرافي وعنصريتهم تجاه ابناء ارضها اصبحوا يطلقون على ابناء اقضيتها والنواحي التابعة هي اليهم تاريخيا بمكون اللملوم فمن هم اللملوم الحقيقيون هل هم أبناء الحيرة والكوفة التي تتبع لهم النجف تاريخيا أم لملوم الدول الذين سكنوها لأجل الدراسة.

مشاركة