هل يوجد حوارحقاً ؟-د. نزار محمود

منذ‭ ‬ان‭ ‬انتصرت‭ ‬الرأسمالية‭ ‬وهاج‭ ‬الشارع‭ ‬وماج‭ ‬بالدعوات‭ ‬الى‭ ‬الديمقراطية‭ ‬وحقوق‭ ‬الانسان‭ ‬والحريات‭ ‬الفردية،‭ ‬جاءت‭ ‬موضة‭ ‬الحوار‭ ‬والاعتراف‭ ‬بالآخر‭ ‬واحترام‭ ‬رأيه‭ ‬وكأنها‭ ‬اكتشاف‭ ‬أو‭ ‬اختراع‭ ‬جديد،‭ ‬لا‭ ‬بل‭ ‬وكأنها‭ ‬عصا‭ ‬موسى‭ ‬السحرية،‭ ‬وتعويذات‭ ‬السيد‭ ‬المسيح‭ ‬مخلص‭ ‬ومنقذ‭ ‬البشرية‭.‬

نعم،‭ ‬ليس‭ ‬للانسان‭ ‬وهو‭ ‬يعيش‭ ‬مع‭ ‬غيره‭ ‬من‭ ‬بني‭ ‬البشر‭ ‬المتعاشقة‭ ‬والمتداخلة‭ ‬مصالحهم‭ ‬والمتباينة‭ ‬آراؤهم‭ ‬وأهواؤهم‭ ‬من‭ ‬بديل‭ ‬عن‭ ‬التحاور‭ ‬والتشاور،‭ ‬وتقبل‭ ‬بعضهم‭ ‬البعض‭ ‬بتلك‭ ‬الخصوصيات‭ ‬التي‭ ‬لو‭ ‬أحسن‭ ‬استخدامها‭ ‬وتوظيفها‭ ‬لعادت‭ ‬بالفائدة‭ ‬والخير‭ ‬على‭ ‬الجميع،‭ ‬وعلى‭ ‬الاقل‭ ‬جنبتهم‭ ‬الصراعات‭ ‬والحروب‭ ‬والكوارث‭.‬

بين‭ ‬الفينة‭ ‬والفينة‭ ‬يتبنى‭ ‬شخص‭ ‬أو‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الناشطين،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬سيول‭ ‬الكتابة‭ ‬والتصريحات‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬الساعة،‭ ‬الدعوة‭ ‬الى‭ ‬الحوار‭ ‬في‭ ‬حل‭ ‬المشكلات‭ ‬وتجاوز‭ ‬الخلافات،‭ ‬لا‭ ‬بل‭ ‬والتعاون‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬علاقات‭ ‬ورؤى‭ ‬وعمل‭ ‬جماعي‭ ‬مشترك‭. ‬ما‭ ‬أجمل‭ ‬تلك‭ ‬الدعوة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬عندما‭ ‬تصوغها‭ ‬كلمات‭ ‬منمقة‭ ‬باسلوب‭ ‬منطقي‭ ‬وبصوت‭ ‬حنون‭ ‬أخاذ‭.‬

لكن‭ ‬البعض‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الدعوات،‭ ‬للأسف،‭ ‬يتبين‭ ‬انها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬سوى‭ ‬مناورات‭ ‬أو‭ ‬تكتيكات‭ ‬‮«‬حوارية‮»‬‭ ‬الهدف‭ ‬منها‭ ‬تمرير‭ ‬افكار‭ ‬معلبة‭ ‬ومواقف‭ ‬محددة‭ ‬وبالتالي‭ ‬مرام‭ ‬سياسية‭ ‬مبطنة‭!.‬

وهنا‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬ان‭ ‬نتوقف‭ ‬للحديث‭ ‬عن‭ ‬معنى‭ ‬الحوار‭ ‬واشتراطاته‭ ‬الموضوعية‭ ‬والشخصية‭. ‬فالحوار‭ ‬هو،‭ ‬وببساطة‭ ‬شديدة،‭ ‬نقاش‭ ‬بناء‭ ‬بين‭ ‬طرفين‭ ‬أو‭ ‬أكثر‭ ‬لبحث‭ ‬موضوع‭ ‬أو‭ ‬فكرة‭ ‬محددة‭ ‬تتفق‭ ‬عليها‭ ‬اطراف‭ ‬النقاش،‭ ‬وهم‭ ‬مستعدون‭ ‬ذهنياً‭ ‬ونفسياً‭ ‬لتقبل‭ ‬ما‭ ‬يتمخض‭ ‬عنه‭ ‬ذلك‭ ‬النقاش‭ ‬من‭ ‬استنتاجات‭ ‬منطقية،‭ ‬دون‭ ‬تزمت‭ ‬واصرار‭ ‬على‭ ‬التمسك‭ ‬بالأفكار‭ ‬والمواقف‭ ‬التي‭ ‬انطلق‭ ‬منها‭ ‬كل‭ ‬طرف‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬الحوار‭.‬

يتبين‭ ‬من‭ ‬التعريف‭ ‬السابق‭ ‬بان‭ ‬للحوار‭ ‬في‭ ‬صورته‭ ‬المثالية‭ ‬هذه‭ ‬اشتراطات‭ ‬ومستلزمات‭ ‬واستعدادات‭ ‬وآداب‭ ‬موضوعية‭ ‬وشخصية‭. ‬موضوعية‭ ‬في‭ ‬محور‭ ‬أو‭ ‬محاور‭ ‬الحوار‭ ‬في‭ ‬تحديدها‭ ‬ووضوحها‭ ‬لأطراف‭ ‬الحوار،‭ ‬من‭ ‬ناحية،‭ ‬وشخصية‭ ‬في‭ ‬اطراف‭ ‬الحوار‭ ‬من‭ ‬استعدادات‭ ‬لسماع‭ ‬آراء‭ ‬الآخرين‭ ‬والتعامل‭ ‬معها‭ ‬بايجابية‭ ‬فاعلة،‭ ‬وليس‭ ‬بعصبية‭ ‬قبلية‭ ‬أو‭ ‬تمسك‭ ‬اناني‭ ‬برأي‭ ‬ما،‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬ثانية‭.‬

وهكذا‭ ‬فاننا‭ ‬في‭ ‬سعينا‭ ‬الى‭ ‬حوار‭ ‬جاد‭ ‬ومثمر‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬لنا‭ ‬من‭ ‬استحضار‭ ‬تلك‭ ‬الاشتراطات‭ ‬دون‭ ‬خداع‭ ‬انفسنا‭ ‬وبعضنا‭ ‬البعض‭ ‬في‭ ‬مناورات‭ ‬وتكتيكات‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬ينكشف‭ ‬أمرها‭ ‬وتضيع‭ ‬جهودها‭ ‬ونخسر‭ ‬الزمن‭ ‬بسببها‭.‬

برلين،‭ ‬‮١٣‬‭/‬‮٩‬‭/‬‮٢٠٢١‬

مشاركة