هل يشبع الجائع ويكسو العاري بالخطب؟ – مقالات – معتصم السنوي

هل يشبع الجائع ويكسو العاري بالخطب؟ – مقالات – معتصم السنوي

ولأمر ما في فلسفة اللغة العربية ، جاءت كلمة ” التكفير” قريبة الشبه من كملة ” التفكير” ، كأنما أرادت قوة البيان في اللغة العربية أن تقول للناس، أن تحريف الأوضاع لحرفي الكاف والفاء، مبعثه أن حركة العقل عند تفكيره للآخرين، إنما هي حركة أصابتها لعثمة فتعثرت الحروف عن مسارها المستقيم، فقد أراد أصحابها ضرباً من التفكير المنتج، لكن مرضاً في عقولهم أنزل الكساح بذلك التفكير المطلوب، فتعثرت خطاه، فانقلب تكفيراً يؤذي الناطق به قبل أن يؤذي أحداً سواه… ومثل هذا الكساح الفكري يشيع إذا (ما أصيب القوم بفقر في قدراتهم العاقلة وهزال في حياتهم الثقافية بوجه عام) ، ولقد تكرر حدوثه في تاريخ الأمة العربية نفسها، فكلما وهنت القوى وفترت العزائم ، نشطت حركة التكفير لتفتك بأي رجل هداه الله إلى ما يرفع به رأسه عن الغث الهزيل، ألست ترى إلى نهر القوى في تدفق مائه، يمضي في طريقة يشق به الصخر لا يبالي الأعلاق والشوائب، حتى إذا ما ركد الماء في مستنقع هنا أو هناك ، وجدت تلك الشوائب مرعاها الخصيب.. ونسوق في تاريخ الأمة العربية في حالات ضعفها، مثلاً واحداً ، هو حالة (الأندلس) في القرن الثاني عشر للميلاد، حين أخذت سطوة المسلمين تنحسر أمام الغزاة ، فكيف كانت صورة الفكر يومئذ؟ .. تكاثر (العلماء) الذين زودوا أنفسه بأسلحة (التكفير)، يوجهونها إلى من يخشون فيه القدوة والبأس، حتى لقد وقعت عامة الناس في حيرة من الأمر ، فأمامهم (علماء) بحكم المناصب، (يقذفون التهم قذفاً ليصبوا بها ” فيلسوفاً ” نادر الطراز في تاريخ الفكر الإنساني كله، فإذا بلغت هوة الخلاف هذا المدى ، فما الذي يهدي عامة الناس إلى الصواب ؟ .. لكن (التأريخ كثيراً ما ينتقم للحق على الباطل، فتمضي سنوه، وإذا بأولئك ” العلماء” قد محيت أسماؤهم من سجله محواً، ليفسح المكان في صفحاته للقادرين، فاسأل نفسك : من ذا بقيّ أسمه مذكوراً مشهوراً من علماء الأندلس في تلك الفترة التي نتحدث عنها؟.. هل تذكر منها أحداً غير ( أبن رشد) ..؟ فأين إذن ذهب الذين صوبوا إلى صدره السهام، وأحرقوا كتبه أمام عامة الناس؟ . ومما يؤسف له ونحن في القرن الحادي والعشرين تبدو أن البلدان العربية الآن تمر بذات الظروف التي مرت بها (الأندلس) فالتكفير أصبح سلعة رائجة في المجتمعات بسبب الجهل وسيطرة النفوذ الديني عليه بأساليبه الأفيونية المعروفة لأبعاد الشبهة عنه وكشف نواياه الخبيثة وتعطيل عجلة الشعوب عن مواكبة الحضارة الإنسانية، ونترك التاريخ للماضي، وننظر إلى حياتنا الحاضرة : أي صنف من الرجال يا ترى هو الذي مهد لنا طريق النهوض ، بعد رقدة عميقة السبات ، أمتدت بنا ثلاثة قرون على أقل تقدير ؟.. أي صنف من الرجال يا ترى جعل لنا مدارس ومعاهد وجامعات ، وأقام لنا المنشآت الهندسة الكبرى ، وقاوم المرض وأزل بعض الظلام ؟.. أي صنف من الرجال يا ترى هو الذي أجرى على ألسنتنا كلمات الحرية والعدالة والمساواة ، بعد أن لحق بها الدثور؟.. ضع أمامك قائمة بإعلام نهضتنا الحديثة ، وسل نفسك مَن مِن هؤلاء الإعلام بنى مجده ومجدنا على تكفير الناس؟.. ألم نر أن (الأمم تبنيها جهود إيجابية تضيف علماً إلى علم، وفناً إلى فن ، وثراء إلى ثراء ، ونوراً إلى نور، ولا تبنيها أبداً سلبية تنال من حياة الناس بدل أن تزيدهم حياة على حياة ؟..) وبمثل الظروف القاهرة التي نعيشها لعلي ألمس أكثر مما يلمس غيري حاجة شبابنا الشديدة إلى الهداية نحو ما يمكنهم فعله لتطمئن به قلوبهم وعقولهم، أنهم في ذلك أكثر من غيرهم حيرى يتخبطون ، ويكاد الرأي يجمع على أن ثمة فراغاً في نفوس الشباب يريد أن يمتلئ، كما يكاد الرأي يجمع كذلك على أن ملء هذا الفراغ إنما يجيء عن طريق الإيمان القوي المتنور بعقيدة الدين ، لأن عاملاً من عوامل الحيرة عند شباب هذا الجيل- هو عجزهم وعجز القائمين عن شؤونهم ، عن جواب مقنع لمن يسألهم عن الهدف الذي من أجله يعيشون ومن ثم إلى أين يسيرون؟ فاللامبالاة شائعة بينهم، فذلك لأنهم لم يجدوا الجواب المقنع عن هذا السؤال ، وهي حيرة لم يكن لها مثيل فيما مضى ، وإذا ما كانت مشاكل ومعاناة بشكل آخر ولكنها لم تصل يوماً ما إلى ما وصلت إليه الآن ..! وبالتالي لأن السؤال كهذا كان يجد الجواب الشافي، وهو : الهدف من الوجود في الحياة ، هو أن يؤدي الإنسان دوره الإنساني والاجتماعي والأخلاقي بما يرضي الله والمجتمع الذي يعيش فيه ويكون قدوة حسنة للآخرين . وهناك محاولات كثيرة، يحاول بها المفكرون ورجال التربية أن يعيدوا إلى نفوس الناس ما يبحثون عنه من أجوبة وتسهيل الرؤية لتشخيص الأمراض المزمنة والعلل الاجتماعية التي باتت تضرب في جذور المجتمع ، ولكن بالصورة التي تتفق مع روح العصر ومنطقة، فما ينفع المريض من عابد لم يجعل جزءاً من عبادته أن يخفف عنه المرض؟.. ماذا يفيد الأمي من متعلم لا يمسك بيده، فلا يتركها إلا وهي تخط على الورق ؟ هل يشبع الجائع أو يكسو العاري من تصريحات وخطب تقال لدوافع مصلحية أو حزبية أو طائفية، ولا يتبعها فعل لإيجاد السبل الكفيلة لحصول والإنسان على الطعام. والحفاظ على كرامته وإنسانيته..! جموع الشباب تريد أن تسترد إيمانها المفقود، لا ينقصها إلا بداية تضع أقدامهم على الطريق، أن الشعائر والشعارات والوعود ، مهما بلغت أهيمتها وضرورتها- فهي لا تكفي لإشباع قلوب الشباب وعقولهم ، بل لا بد أن يتجسد ويتوحد الفعل مع الإيمان بصورة واضحة في عمل ينفع الإنسان . ونعيد سؤالنا : من يحل مشاكل الناس؟