هل من الممكن زوال الواحات المغربية؟

244

سكورة‭ ‬‭(‬المغرب‭-(‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭)‬‭ ‬‭-‬‭ ‬تحيط‭ ‬جذوع‭ ‬نخل‭ ‬يابسة‭ ‬بأطلال‭ ‬بيت‭ ‬طيني‭ ‬تهاوت‭ ‬جدرانه‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬هجره‭ ‬أهله،‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬خطر‭ ‬زوال‭ ‬الواحات‭ ‬بسبب‭ ‬الجفاف‭ ‬‮«‬حقيقي‭ ‬لا‭ ‬مبالغة‭ ‬فيه‮»‬،‭ ‬بحسب‭ ‬ما‭ ‬يقول‭ ‬محمد‭ ‬الهوكاري،‭ ‬أحد‭ ‬أبناء‭ ‬واحة‭ ‬سكورة‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬المغرب‭. ‬ويقف‭ ‬الهوكاري،‭ ‬وهو‭ ‬ناشط‭ ‬مهتم‭ ‬بالبيئة‭ ‬‭(‬53‭ ‬عاما‭)‬‭ ‬بجانب‭ ‬ساقية‭ ‬جافة‭ ‬في‭ ‬المكان،‭ ‬مضيفا‭ ‬‮«‬نشأت‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الواحة‭ ‬وأنا‭ ‬شاهد‭ ‬على‭ ‬تقلصها‭ ‬تدريجيا‭. ‬التصحر‭ ‬هنا‭ ‬جلي‭ ‬بالعين‭ ‬المجردة،‭ ‬بينما‭ ‬اختفت‭ ‬كيلومترات‭ ‬مربعة‭ ‬عدة‭ ‬في‭ ‬واحات‭ ‬أخرى‮»‬‭. ‬وواحة‭ ‬سكورة‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الواحات‭ ‬التي‭ ‬ضمت‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬قرون‭ ‬تجمعات‭ ‬سكانية‭ ‬وأنشطة‭ ‬زراعية‭ ‬وتراثا‭ ‬معماريا‭ ‬وثقافيا‭ ‬متميزا،‭ ‬مستفيدة‭ ‬على‭ ‬الخصوص‭ ‬من‭ ‬موقعها‭ ‬على‭ ‬طريق‭ ‬القوافل‭ ‬التجارية‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬إفريقيا‭ ‬جنوب‭ ‬الصحراء‭. ‬وشكلت‭ ‬الواحات‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬حاجزا‭ ‬طبيعيا‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الصحراء‭ ‬الكبرى‭ ‬الممتدة‭ ‬شرقا‭ ‬وجنوبا‭. ‬ونبّه‭ ‬بيان‭ ‬لمنظمة‭ ‬‮«‬غرينبيس‮»‬‭ ‬الناشطة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬البيئة،‭ ‬أخيرا،‭ ‬الى‭ ‬أن‭ ‬الواحات‭ ‬‮«‬تواجه‭ ‬خطر‭ ‬الزوال،‭ ‬وعلينا‭ ‬التحرّك‭ ‬سريعاً‭ ‬لنجدتها‭!‬‮»‬‭. ‬وأشارت‭ ‬الى‭ ‬أن‭ ‬ارتفاع‭ ‬الحرارة‭ ‬‮«‬يهددها‭ ‬بالزوال‭ ‬لما‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬تأثير‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬مواردها‭ ‬المائية‭. ‬فقد‭ ‬انخفضت‭ ‬المحاصيل‭ ‬الزراعية‭ ‬ونشاطات‭ ‬تربية‭ ‬المواشي‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬الى‭ ‬نزوح‭ ‬سكانها‮»‬‭. ‬وحدها‭ ‬أشجار‭ ‬الزيتون‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬صامدة‭ ‬مستظلة‭ ‬بأشجار‭ ‬نخيل‭ ‬في‭ ‬حقول‭ ‬صغيرة‭ ‬متناثرة‭ ‬باتجاه‭ ‬مركز‭ ‬الواحة‭ ‬غربا،‭ ‬وسط‭ ‬تربة‭ ‬صفراء‭ ‬عارية‭ ‬يمكن‭ ‬رؤية‭ ‬تشققات‭ ‬فيها‭ ‬نتيجة‭ ‬انحباس‭ ‬المطر‭.‬

ويقول‭ ‬الهوكاري‭ ‬‮«‬لن‭ ‬يصدق‭ ‬من‭ ‬يرى‭ ‬هذه‭ ‬المساحات‭ ‬الجرداء‭ ‬أن‭ ‬أشجار‭ ‬الرمان‭ ‬والتفاح‭ ‬كانت‭ ‬تزهر‭ ‬هنا‭!‬‮»‬‭.‬

ويضيف‭ ‬متحسرا‭ ‬‮«‬لم‭ ‬نكن‭ ‬نأكل‭ ‬سوى‭ ‬الخضار‭ ‬والفواكه‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تزرع‭ ‬في‭ ‬بساتين‭ ‬هذه‭ ‬الواحة،‭ ‬وذلك‭ ‬حتى‭ ‬ثمانينات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‮»‬‭.‬

وتفيد‭ ‬أرقام‭ ‬رسمية‭ ‬أن‭ ‬المغرب‭ ‬فقد‭ ‬ثلثي‭ ‬أشجار‭ ‬النخيل‭ ‬في‭ ‬الواحات‭ ‬خلال‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬تقدر‭ ‬بـ14‭ ‬مليون‭ ‬نخلة‭.‬

وتسقى‭ ‬أشجار‭ ‬الزيتون‭ ‬من‭ ‬مياه‭ ‬الآبار‭ ‬التي‭ ‬صارت‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭. ‬وتقع‭ ‬في‭ ‬حقول‭ ‬صغيرة‭ ‬تخترقها‭ ‬طرق‭ ‬ملتوية‭ ‬غير‭ ‬معبدة‭ ‬تكاد‭ ‬تكون‭ ‬خالية‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬حركة‭.‬

وتفضي‭ ‬تلك‭ ‬الممرات‭ ‬إلى‭ ‬مركز‭ ‬الواحة‭ ‬حيث‭ ‬تتجاور‭ ‬بيوت‭ ‬طينية‭ ‬على‭ ‬الطراز‭ ‬المعماري‭ ‬التقليدي‭ ‬وأخرى‭ ‬إسمنتية‭. ‬وبينما‭ ‬كانت‭ ‬المنطقة‭ ‬تجذب‭ ‬مزارعين‭ ‬للاستقرار‭ ‬فيها‭ ‬قبل‭ ‬سنوات،‭ ‬تراجع‭ ‬النشاط‭ ‬الزراعي‭ ‬وهجرها‭ ‬أغلب‭ ‬شبابها‭ ‬للعمل‭ ‬في‭ ‬مدن‭ ‬أخرى‭.‬

ويعرب‭ ‬المزارع‭ ‬أحمد‭ ‬عن‭ ‬يأسه‭ ‬قائلا‭ ‬‮«‬مستعد‭ ‬لبيع‭ ‬أرضي‭ ‬لو‭ ‬أجد‭ ‬شاريا،‭ ‬لكن‭ ‬الكل‭ ‬هرب‭!‬‮»‬‭.‬

واستقر‭ ‬هذا‭ ‬الخمسيني‭ ‬ذو‭ ‬السحنة‭ ‬السمراء‭ ‬مع‭ ‬عائلته‭ ‬هنا‭ ‬قبل‭ ‬25‭ ‬عاما‭ ‬‮«‬حين‭ ‬كانت‭ ‬المنطقة‭ ‬خضراء‭ ‬والماء‭ ‬متوفرا،‭ ‬لكن‭ ‬الجفاف‭ ‬قضى‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬شيء‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬بصوت‭ ‬منخفض‭ ‬شاكيا‭ ‬التكاليف‭ ‬الباهظة‭ ‬لمضخات‭ ‬المياه‭ ‬الكهربائية‭.‬

وبحسب‭ ‬شهادات‭ ‬لسكان‭ ‬المنطقة،‭ ‬كان‭ ‬استغلال‭ ‬الفرشة‭ ‬المائية‭ ‬متيسرا‭ ‬على‭ ‬عمق‭ ‬7‭ ‬إلى‭ ‬10‭ ‬أمتار‭ ‬حتى‭ ‬الثمانينات،‭ ‬بينما‭ ‬يتوجب‭ ‬التنقيب‭ ‬عنه‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬عمق‭ ‬يفوق‭ ‬40‭ ‬مترا‭.‬

وفاقم‭ ‬الإقبال‭ ‬المتزايد‭ ‬على‭ ‬المضخات‭ ‬الكهربائية‭ ‬استنزاف‭ ‬الفرشة‭ ‬المائية‭ ‬في‭ ‬رأي‭ ‬عبد‭ ‬الجليل‭ ‬‭(‬37‭ ‬عاما‭)‬‭ ‬الذي‭ ‬يقضي‭ ‬معظم‭ ‬العام‭ ‬بين‭ ‬مدينتي‭ ‬مراكش‭ ‬وأغادير‭ ‬حيث‭ ‬يعمل‭ ‬كهربائيا،‭ ‬ويقول‭ ‬‮«‬لم‭ ‬تعد‭ ‬لنا‭ ‬حياة‭ ‬هنا،‭ ‬كل‭ ‬الشباب‭ ‬هجروا‭ ‬الواحة‮»‬‭.‬

ويشاطره‭ ‬الهوكاري‭ ‬الرأي‭ ‬متأسفا‭ ‬على‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬الطرق‭ ‬التقليدية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تستعمل‭ ‬في‭ ‬الواحات‭ ‬لتوزيع‭ ‬المياه‭ ‬‮«‬بطريقة‭ ‬اقتصادية‭ ‬ومعقلنة‭ ‬بين‭ ‬السكان‮»‬،‭ ‬مشيرا‭ ‬بشكل‭ ‬خاص‭ ‬الى‭ ‬تقنية‭ ‬‮«‬الخطارات‮»‬‭ ‬وهي‭ ‬سواق‭ ‬تحت‭ ‬أرضية‭ ‬تحفظ‭ ‬المياه‭ ‬لوقت‭ ‬أطول‭ ‬وتوزعها‭ ‬على‭ ‬السكان‭ ‬وفق‭ ‬نظام‭ ‬معين‭.‬

وأوضح‭ ‬عميد‭ ‬كلية‭ ‬مدينة‭ ‬ورزازات‭ ‬لحسن‭ ‬ميموني‭ ‬في‭ ‬مؤتمر‭ ‬احتضنته‭ ‬المدينة‭ ‬أواخر‭ ‬كانون‭ ‬الثاني‭/‬يناير‭ ‬حول‭ ‬السياحة‭ ‬التضامنية‭ ‬في‭ ‬الواحات،‭ ‬‮«‬الأنشطة‭ ‬الواحية‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬المياه‭ ‬الباطنية‭ ‬التي‭ ‬تغذيها‭ ‬الثلوج،‭ ‬لكن‭ ‬ارتفاع‭ ‬الحرارة‭ ‬في‭ ‬الثمانينات‭ ‬والتسعينات‭ ‬جعل‭ ‬هذا‭ ‬الفضاء‭ ‬يعاني‭ ‬كثيرا‮»‬‭.‬

‭-‬‮»‬توعية‭ ‬السكان‮»‬‭-‬

من‭ ‬الواحة،‭ ‬يمكن‭ ‬رؤية‭ ‬بعض‭ ‬قمم‭ ‬الجبال‭ ‬المكسوة‭ ‬بالثلوج‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬يناقض‭ ‬جفاف‭ ‬الواحة‭ ‬الجرداء‭. ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬السماء‭ ‬رحيمة‭ ‬هذه‭ ‬السنة‭ ‬بما‭ ‬يكفي‭ ‬لتروي‭ ‬ظمأ‭ ‬الوديان‭ ‬التي‭ ‬تخترق‭ ‬الواحة‭ ‬وتلطف‭ ‬حرارتها‭ ‬المرتفعة‭ ‬نهارا‭.‬

وتظهر‭ ‬آثار‭ ‬الجفاف‭ ‬في‭ ‬الوديان‭ ‬على‭ ‬طول‭ ‬الطريق‭ ‬الجبلية‭ ‬الوعرة‭ ‬من‭ ‬مراكش‭ ‬غربا‭ ‬إلى‭ ‬مدينة‭ ‬وارزازات‭ ‬فواحة‭ ‬سكورة‭ ‬شرقا‭.‬

وازدادت‭ ‬معدلات‭ ‬الجفاف‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬من‭ ‬مرة‭ ‬كل‭ ‬خمس‭ ‬سنوات‭ ‬الى‭ ‬مرة‭ ‬كل‭ ‬سنتين،‭ ‬بحسب‭ ‬تقرير‭ ‬حول‭ ‬تأثير‭ ‬المناخ‭ ‬على‭ ‬البلدان‭ ‬العربية‭ ‬نشرته‭ ‬‮«‬غرين‭ ‬بيس‮»‬‭.‬

ويعتقد‭ ‬الهوكاري‭ ‬أن‭ ‬نجدة‭ ‬الواحة‭ ‬تمر‭ ‬أولا‭ ‬عبر‭ ‬‮«‬توعية‮»‬‭ ‬السكان‭ ‬بمخاطر‭ ‬التصحر،‭ ‬متأسفا‭ ‬على‭ ‬‮«‬اجتثات‭ ‬الكثيرين‭ ‬النخيل‭ ‬لبيعه‭ ‬إلى‭ ‬سماسرة‭ ‬يزينون‭ ‬به‭ ‬فيلات‭ ‬المدن،‭ ‬بسبب‭ ‬العوز‭ ‬وعدم‭ ‬الوعي‭ ‬بأهميتها‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬التصحر‮»‬‭.‬

وأطلقت‭ ‬الوكالة‭ ‬الوطنية‭ ‬لتنمية‭ ‬مناطق‭ ‬الواحات‭ ‬‭(‬رسمية‭)‬‭ ‬برنامجا‭ ‬لإنقاذ‭ ‬الواحات‭ ‬‮«‬مكّن‭ ‬من‭ ‬غرس‭ ‬ثلاثة‭ ‬ملايين‭ ‬شجرة‮»‬،‭ ‬بحسب‭ ‬مدير‭ ‬الوكالة‭ ‬إبراهيم‭ ‬حفيدي‭ ‬الذي‭ ‬يشير‭ ‬الى‭ ‬أن‭ ‬البرنامج‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬توفير‭ ‬‮«‬مليار‭ ‬متر‭ ‬مربع‭ ‬من‭ ‬المياه‭ ‬في‭ ‬أفق‭ ‬نهاية‭ ‬2020‭ ‬وهو‭ ‬برنامج‭ ‬يشهد‭ ‬تقدما‮»‬‭.‬

ولا‭ ‬تهدد‭ ‬ندرة‭ ‬المياه‭ ‬الواحات‭ ‬والأنشطة‭ ‬الزراعية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬كذلك‭ ‬مدنا‭ ‬شبه‭ ‬صحراوية‭ ‬مثل‭ ‬زاكورة‭ ‬‭(‬جنوب‭)‬‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬في‭ ‬2017‭ ‬تظاهرات‭ ‬ضد‭ ‬الانقطاعات‭ ‬المتكررة‭ ‬لمياه‭ ‬الشرب‭.‬

ولمواجهة‭ ‬مخاطر‭ ‬شح‭ ‬المياه،‭ ‬أطلقت‭ ‬المملكة‭ ‬مطلع‭ ‬كانون‭ ‬الثاني‭/‬يناير‭ ‬برنامجا‭ ‬للتزود‭ ‬بالماء‭ ‬2020-2027،‭ ‬كلفته‭ ‬115‭,‬4‭ ‬مليار‭ ‬درهم‭ ‬‭(‬نحو‭ ‬12‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭)‬‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬20‭ ‬سدا‭ ‬كبيرا‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬مختلفة‭ ‬واستكشاف‭ ‬مواقع‭ ‬المياه‭ ‬الجوفية‭.‬

مشاركة