هل للفرح هوية ؟ – طالب سعدون

354

نبض القلم

هل للفرح هوية ؟ – طالب سعدون

قبل العيد بايام قليلة … عادة ما تكون الاسواق على أشدها في الحركة والنشاط ، والشوارع في حالة زحام كبير ، ومع ذلك يقبلها المواطن برحابة صدر ، ولم تبعث على الضجر والملل من الانتظار، أو الوقوف لمدة طويلة ، كما في الايام العادية ، بعد أن أصبحت الطوابير الطويلة من السيارات سمة الشارع العراقي .. وترى ( سالك الطريق )  في تلك الليالي يلتمس العذر للمعني بالأمر على هذه الحالة المرورية ، (متسمرا ) في مكانه ، يستمع الى ( الراديو ) ، أو يتبادل الحديث مع أخر معه ، أو يجول بنظره في الشارع بين السيارات والمارة يبحث عن فرصة لقضاء وقت ضائع في زحمة تستمر لساعات متأخرة من الليل…

تسمع الجميع يبرر الزحام  براحة تامة   ( هذه  أيام مباركة  قبل العيد ، يخرج الناس فيها للتسوق وتوفير مستلزماته ) ، وللاطفال الحصة الاكبر بالتاكيد … ..                                                  في تلك الايام  المباركة يسارع الناس لانجاز مراسم الافطار بسرعة للخروج ، فتفرغ البيوت من سكانها، والجيوب مما فيها ،  في طقس جميل  للفرح يتكررعدة مرات في السنة ، منها عيد الفطر المبارك ..

فالعيد  محطة مهمة في حياة الفرد والمجموع ، يطمح الانسان  الى أن يظهر فيه  بأبهى صورة ..  ويعبر عن حاجة إنسانية ، وضرورة لتجدد  الحياة ، وبعث الامل ، والنماء والخصب  ، والعطاء الانساني عموما …

العيد حاجة قديمة تتوارثها الاجيال ، تحذف منها ، وتضيف اليها ما يناسب روح العصر ومتطلبات الحياة ، مع الاحتفاظ بسمة  العيد وهي الفرح …

فعيد ( اكيتو ) أو عيد راس السنة  البابلية والاشورية على سبيل المثال بدا في بابل واشور في الالف الثالث قبل الميلاد ، وانتقل الى أمم اخرى ،  أو جاء من غيرها ، ليس ذلك مهما ، بل ما يهمني  هو قدرته على أن يستمر  بمسميات ومضمون واحد للتعبير عن تجدد الحياة  وديمومتها  ..

( اكيتو )  أقدم الاعياد الانسانية  في الشرق على حد من يرى ذلك من الباحثين ، ولكن ذلك لا يلغي أن غير العراقيين القدامى  من الامم  الاخرى كانت تحتفل بالربيع ،  ليكون رمزا للنماء والخصوبة ، والنسيم المنعش الذي يساعد على تحقيقها ، وتطورها فيما بعد لتكون مرتبطة بمواسم  معينة للزراعة  طبقا ( للدورة النباتية  ) كالبذار والحصاد ، كما حصل عند السومرين ، وتقديم النذور والقرابين ومساعدة المحتاجين عند حصاد الغلة، وكذلك الحال في مصر القديمة..

كما أن هناك أعيادا  ترتبط  بالظواهر الطبيعية والفلك والزراعة وفيضان النيل والحصاد ،  فتكون مواسم للبهجة والفرح والعيد  .. أو  تكون الاعياد مرتبطة بالنصر،  والفتوحات ،  وتتويج الملوك  والتقرب الى الالهه ، وهي بلا شك لا تخلو من معان سياسية  تتمثل في الولاء للملك والسلطة والاله ، وهي بهذا  تعكس عناصر القوة وعظمة الحضارة ،  وقوة سلطانها وتأثيرها بمن حولها من الامم..

 وبالتأكيد كان للاموات حصة في الاعياد ، تتمثل في زيارة المقابر واعداد الطعام بالمناسبة .. وتلك عادة قديمة  توارثتها الاجيال واستمرت الى اليوم ..

فبهجة العيد ، وضخب الحياة  ، ونشوة الفرح ، لا تنسي المحتفلين من غابوا عنهم ، و رحلوا الى جوار ربهم الكريم ، ولا تكتمل سعادتهم إن لم يزوروا موتاهم في العيد ..

وعادة ما تقترن الاعياد باغان  تتردد كثيرا في هذه المناسبات وتكون جزءا من طقوسها .

  لقد غنى الكثير  من الفنانين  للعيد والربيع والورد  ، ومنهم فريد الاطرش إغنيته الشهيرة التي كان  يحرص أن يغنيها في مهرجان الربيع كل عام ، ورقصت على اغنامها سامية جمال في فيلم ( عفريته هانم ) …

وقصة الاغنية معروفة خاصة للمهتمين بالفن ، حيث كتب كلماتها الشاعر مامون الشناوي للسيدة أم كلثوم  بالذات ، وقد أعجبت بها عند قراءتها ، لكنه رفض إجراء تعديلات عليها كعادتها  في قراءة أي نص يقدم لها  ، وصادف أن قابل الشناوي الفنان فريد الاطرش بعد خروجه من مسكن أم كلثوم  حيث كان  يسكن قريبا منها ، فأخذها منه ، ولحنها وغناها بصوته لتكون من الاغاني الخالدة على مر الحياة بكل فصولها ، وليس الربيع فقط ، وبذلك أخرج فريد الاطرش  الشناوي من حالة الكآبة التي سيطرت عليه  بعد مقابلته لسيدة الغناء العربي، لتكون  اغنية (  الربيع)  أحد ابرز اعمالهما الفنية  الكبيرة وتحقق شهرة واسعة .. ..

كما غنت ام كلثوم للربيع أيضا ، والسندريلا سعاد حسني ( الدنيا ربيع ) في فيلم ( أميرة حبي أنا )  وسيد مكاوي للورد وغيرهم الكثير …

وتمر الاعياد ، وقصيدة المتنبي في هجاء  كافور الاخشيدي   تعيش خالدة بخلود الزمان …  رحل الاخشيدي ، ولم يعد  يتذكره أحد عدا من ينقب في  صفحات التاريخ ، لكن كلمات القصيدة تتردد على الشفاه وصارت من الامثال والحكم الشائعة …

عيد باي حال عدت يا عيد

                                 بما مضى ام لأمر فيك تجديد

والمصريون القدماء عرفوا بكثرة اعيادهم ، وعددها يفوق أيام سنتهم ، ولذلك عندما تتمنى لأحد اليوم  أن تكون كل أيامه أعيادا فهي  ليست أمنية يومذاك ،  بل كانت حقيقةعند المصريين القدماء .. فقد ذكر عالم المصريات ( فرنسيس أمين ) أن الفراعنة عرفوا قرابة الف عيد في العام ،  وأن مدنا مصرية قديمة مثل مدينة  ( كانوب ) قرب الاسكندرية كانت (المدينة التي لا تنام في الاعياد ) وورثت عنها مدن مصر  الاخرى هذه الصفة الى اليوم  ، ومنها القاهرة  التي توصف بانها  المدينة التي لا تنام ..

وهذا العدد الكبير من الاعياد  في مصر القديمة دفع الشاعر الروماني (أوفيد )  الى أن يصف المصريين بأنهم ( أهل اعياد ) سجل تفاصيلها  الفرعونية المؤرخ اليوناني هيرودوت  ، وقد أحصت نقوش معبد هابو غرب الاقصر أسماء 282  من هذه الاعياد شملت مختلف الاتجاهات الرسمية والدينية والقومية والطبيعة والفلك ، وكان العمال لا  يذهبون الى اعمالهم في الاعياد ، ولذلك تعد عطلا رسمية كما هو شأنها اليوم ..

الاعياد  تتعاقب والاحلام ثابتة عند هدف عله يتحقق ،  وما كان يسيرا أصبح  صعب المنال ،  وهوأن تسود لغة التسامح والمحبة ،  وتنتهي نزعة الانتقام ، ويعم السلام هذا العالم المضطرب ، الذي تطحنه الحروب  والنزاعات المسلحة ،  والازمات  وتسوده نزعة القوة الغاشمة ،  وتسحق الانسان المجاعة والفقر والمرض ويفتقر الى ابسط مستلزمات الحياة ..

 بالأمس كنا نسمع تلك الاغنية التي تتردد عبر المذياع  أيام العيد ولم تبرح ذاكرتنا الجمعية  ( ياعيد اجيت بخير لميت الاحباب ) ..

واليوم  من غاب عنه الحبيب  تسمعه يردد مع كاظم الساهر ..

عيد وحب هاي الليلة الناس معيدين)

لو إنت وياي الليلة العيد بعيدين ) ..

كان العيد فرحة ، وأجمل فرحة ( يجمع شمل قريب وبعيد ) ،كما تقول صفاء أبو السعود في أغنية تتردد في العيد كثيرا ، وتدعو ربها فيها  الى (  أن يكثر الاعياد ويطرح فيها البركة ويزيد )..

ولكن كيف لك أن تلتقي بحبيب أو صديق أو قريب  في العيد، وقد عز اللقاء بعد أن توزع الاصحاب والاحباب  والمعارف على  المنافي ، تلفهم الغربة ، ويقتلك  الشوق والحنين اليهم ، ولا تملك غير الخيال تحلق به الى عالم الماضي الجميل ، والعلاقات الانسانية الحميمة ، والحياة الطيبة ، والبساطة ..

تركوا وراءهم  ذكريات جميلة..  تعيش عليها .. تستحضر تفاصيلها ، وشخوصها وأماكانها  ، فهي مخزونة في الذهن وعصية على النسيان …

{  {  {

كلام مفيد :

ونبقى في أجواء العيد والفرح  .. وقد يسأل سائل لماذا سمي العيد عيدا؟..

والجواب باختصار .. لانه يعود ويتكرر كل عام ، وقيل أيضا من الاعتياد ، لأن الناس اعتادوا عليه .. وكل يوم فيه جمع هو عيد أيضا ، وفيه يعود الخالق على الخلق بالاحسان ، ويعود هذا اليوم بفرح متجدد وسعادة غامرة  بعد أن أدى  الانسان ما عليه من الواجبات والطاعات  ، كما هو حال المسلم في عيد الفطر وعيد الاضحى ..

والجمع أعياد ….

وكل عام وانتم بخير ..

مشاركة