هل سيشهد العراق رسم أوصاف المجرم المجهول؟ – امير كريم النائلي الشمري

البصمة الوراثية في مسرح الجريمة

هل سيشهد العراق رسم أوصاف المجرم المجهول؟ – امير كريم النائلي الشمري

ليس هناك حدود معينة يمكن أن تقفَ عندها المعرفةُ الانسانية في اي مجالٍ من مجالاتها الرحبة؛ سواءٌ أكانت في العلومِ أم الفنونِ أم الأداب، فمنذ ثمانينيات القرن الماضي سَخُرُ العلماءُ تقنية الحمض النووي (DNA) في المجال الجنائي؛ اذْ ثبُتَ علميًا أن كلَ شخصٍ يحمل بصمة وراثية خاصة به تميزهُ عن غيرهِ ماعدا التوأم المتماثلين وهذه البصمة موجودة في كل خلية من خلايا الجسم وافرازاته وقد سخر الخبراء هذه التقنية لمطابقة الخلايا البايلوجية التي تركها الجاني في مسرح الجريمة مع من يشبه بارتكابه الجريمة ليتم إثبات أو نفي علاقته بها سواء أكانت بقعٌ دمويةً أم شَعْرًا أم سائلًا منويًا وكذلك تحديد جنس الجاني سواءً أكانَ ذكرًا أم أنثى

ومن ثَمَّ استُخدِمت هذه التقنية العلمية في العراق بعد عام  ؛اذْ كشفتْ مديريةُ تحقيقِ الأدلةِ الجنائيةِ مئات جرائمَ القتلِ والسطوِ والسرقةِ والاغتصابِ عن طريق عينه بايلوجية صغيرة خَلَّفها الجاني في مسرح الجريمة، إلّا أن العلماءَ لم يكتفوا بهذا الاكتشاف بل توصلوا في الأعوام القليلةِ الماضية إلى اكتشاف خدمة التنميط الظاهري لصورةِ المجرم أو الصورة المورفولوجية بواسطة الحِمْض النووي أي رسم صورة المجرم المجهول بواسطة تحليل أثره البايلوجي الذي خَلَّفه في مسرح الجريمة وقبل أن نتطرق لهذا الموضوع لابدَّ من أن نذكرَ نبذةً بسيطةً عن البصمةِ الوراثية (DNA )

إنَّ كيان جسم الإنسان المادي عبارة عن ترليونات من الخلايا الحية ولكنَّ هذا الكيان الجسماني في حقيقته هوعبارة عن كيان معلوماتي معقد.

 ولو أخذنا أحدى هذه الخلايا التي لا تُرى بالعينِ المُجردة كنموذجٍ لوجدنا بداخل كل خلية نواة وبداخل النواة نوية وبداخل النوية المادة الوراثية DNA وهذه المادة الوراثية عبارة عن جُزيئات متصلة مع بعضها مثل اتصال وترابط الحروف الابجدية، فتعطي كلمات وأوامر ومعاني ومعلومات عن الشخص الذي يحملها وما يحمل من صفات كالأمراض الحالية والمستقبيلة والنسب، وبترتيب هذه الشفرة الوراثية الموجودة في الخلية الواحدة على شكل شريط لصار طوله 2 متر وتشير الدراسات الحديثة إنَّ طول هذا الشريط المعلوماتي في جميع خلايا جسم الانسان حوالي 20 مليار كيلو متر اي بطول (300) مرة ذهابًا وإيابًا بين الأرض والشمس وهذا الشريط يحتوي على معلومات هائلة عن الشخص المعني ولم يكتشف العلم ويترجم من هذه المعلومات إلّا النزر اليسير فسبحان ربك رب العزة عما يصفون.

مختبرات جنائية

الا انه وبجهود مستمرة داخل المختبرات الجنائية  العالمية فقد اكتشف العلماء وترجم من أن هناك بداخل هذه المادة الوراثية جينوم مسؤول عن لون البشرة وجينوم مسؤول عن لون العين وجينوم مسؤول عن الشعر وجينوم مسؤول عن شكل الوجه والنسب وتم تسخير هذه الثورة العلمية لتثمر جهود العلماء بالخصوص ماقامتْ بهِ شركة (parabon snapshot) بارابوان وبدعم تمويلي من وزارة الدفاع الامريكية من (DOD) نظام(System  snapshot Forensic DNA Phenotyping)

 من اكتشاف خدمة التنميط الظاهري للحمض النووي Snapshot (DNA) وهو عملية التنبؤ بالمظهر الخارجي لجسم المجرم في الحالات التي لايوجد بها متهم أو قاعدة بيانات وذلك من خلال قراءة أجزاء الجينوم وترجمة المعلومات الجينية الى مظهرٍ مادي خارجي وبالتالي من معرفة أوصاف الشكل الخارجي للمجرمِ المجهول عن طريق تحليل بصمتة الوراثية التي تركها داخل مسرح الجريمة والتنبؤ بدقة الأصول الجينية ولون العين ولون الشعر ولون البشرة والنمش وشكل الوجه لدى المجرمين من خلفية عرقية حتى المجرمين من أصول مختلطة.

 وخلاصةُ العملية إنَّ العيّنة البايلوجية البصمة الوارثية (DNA) التي يتركها الجاني في مسرح الجريمة مهما صغُر حجمها  كالشعر أو بقعة دموية أو تعرق أو بقايا منوية يتم تحريزها بالطريقة الصحيحة ونقلها الى المختبر الجنائي.

 وبناءً على تحليلِ وبرمجة وترجمة المعلومات الموجودة في الجينات يتم استخلاص الجينم المسؤول عن لونِ العين والجينم المسؤول عن لون الشعر والبشرة وحجم الوجه ليتم رسم أقرب صورة تقريبية على الكومبيوتر باستخدام خوارزميات التعليم الالي لدمج المجموعة المختارة من النيوكلوتايد في معادلة رياضية معقدة للبنية الجينية للسماتة SNP.

 وبذلك يتم الاستفادة من الصورة بعد عرضها على وسائل الإعلام ليتم التعرف عليها من قبل المجتمع وقد تم اكتشاف العديد من الجرائم بهذه الطريقة بل هناك من الجرائم وبعد عرض صورة الجاني  بادر مباشرةً بتسليم نفسه ومن الأمثلة على ذلك الجريمة التي حدثت بتاريخ 13/ مايو / 2016 عندما تلقى مكتب شرطة مقاطعة بروان تكساس اخبارًا عن فقدانِ شابة تبلغ من العمر 25 عامًا تدعى تشانتاي بلانكينشيب وبتاريخ 15 مايو تم العثور على جثة الشابة المفقودة في منطقة ريفية معزولة داخل منزل مهجور متهدم وبالقرب منها آلة حادة تُسْتخدم لقصِ الأعشاب ومن المعاينة الأولى لمسرح الجريمة اعتقد المحققون إن المجني عليها قد تعرضتْ لحادثِ قتلٍ، وبعد إرسال الجُثة إلى مكتب الفحص الطبي في مقاطعة تارانت في فورت أظهر التقرير الطبي التشريحي أن المجني عليها تعرضت لاعتداءٍ جنسي وتوفيت بسبب ضربة قوية تطابق الآلة. الحادة.

وقد باشر المحققين بالتحقيق وتم إرسال عيّنة ال (DNA) التي عُثِر عليها في مسرح الجريمة الى قاعدة بيانات ال (DNA) الوطنية ولكن دون جدوى ولم يتم التعرف على أي مشبه به أو خيوط.

 وبعد عام ونصف قام شريف مقاطعة براون وفانس هيل والمدعي العام مايكل موراي بالاستعانة بخبرة شركة بارابون لانتاج تقرير لقطة عن صاحب الحمض النووي الذي تم العثور عليه في مسرح الجريمة وفي غضون أسابيع أصدرت شركة باربوان تقريرها الذي كشف ان الجاني على الأرجح هو ذكر أبيض من أصلٍ أوروبي ذو شعر بني أو بني فاتح وعيون زرقاء أو خضراء وعليه بعض النمش.

 وفي موتمر صحفي نشرت الجهات المختصة التقرير الخاص باللقطة على الجمهور وفي غضون ساعات من اصدار اللقطة تلقتْ الشرطة معلومات عن مشتبهٍ به محتمل يدعى رايان ريجز وبناءً على ذلك جمع المحققون معلومات عن ريجز وتبين أنه أحدُ معارف المجني عليها وأنه لم يكنْ ضمنَ قائمة المشتبه بهم قبل صدور لقطة باربوان وبعد تخفي المجرم ريجز عن انظار الشرطة لمدة أسبوع فاجأَ الجمهور بالاعترافِ بجريمةِ القتل أمام الكنيسة وبعد ساعات من تسليم نفسه اعترف  ايضًا أمام محققي الشرطة بعد أن قدم معلوماتٍ عن مسرحِ الجريمة لايعرفها إلّا الجاني.

 أما من الناحية الشرعية القانونية فقد أثار هذا الموضوع في فرنسا -وقبل هذا التاريخ باعوام- جدلًا في حكمٍ صادر بتاريخ25/ حزيران / 2014 لمحكمة النقض الفرنسية إلى حصول جدل فيما بين الأوساط المطالبة بالحقوق والحرية الشخصية على اثر مصادقة محكمة النقض الفرنسية على شرعية إجراء خبير يهدف الى التعرف على الشخصيات الشكلية الظاهرة للمشتبه به من أثار الحمض النووي الموجودة على ضحايا الاغتصاب على أثر تعرض عدت نساء إلى مغتصب مجهول دون أن يستطعْنَّ من تزويد المحققين بملامح وجهه مع تعذر وجود بصمته الوراثية في قاعدة البيانات الوطنية واسعة النطاق والذي تقوم به السلطات القضائية لمنع ارتكاب الجرائم هذه الحالة اضطرتْ قاضي التحقيق من اللجوء الى خبرة مختبر الطب الشرعي لامراض الدم و يديره أحد اساتذة جامعة بوردو والذي يركز في عمله البحثي على التحليل الجيني للسمات المورفولوجية وبعد أن أوضحت نتيجة الخبرة أن الجاني ذكر وان عينيه ذات لون بني داكن وان بشرته كانت شاحبة وشعره بني أو اسود بني داكن  وان سبب الجدل هو عدم وجود غطاء قانوني يشرعن هذا العمل وانتهى الجدل كما يصفه استاذ جامعة غرونوبل وعضو المعهد الجامعي لفرنسا الاستاذ إتيان فيرجيس (Etienne Vergès)من أن محكمة النقض الفرنسية رمتْ هذا الحكم على شكل زجاجة في البحر كدعوة للمشرع لتشريع قانون أو تعديل بعض مواد قانون الإجراءات الجنائية لعدم تغطيتها الكافية لهذا الاكتشاف.

ادلة اخرى

وجدير بالذكر أنه رغم النتائج التي قدمها هذا الاكتشاف؛ إلّا أنهُ لم يُعتَمدْ كدليلٍ منفردٍ للإدانة ما لم يُسنَدْ بأدلةٍ أخرى أو قرائنَ، وإنما يمكن الاستفادة منه في الحالات التي لايوجد بها مشتبه به أو بصمة وراثية في قاعدة البيانات وجدير بالذكر أنه ومن خلال هذا الاكتشاف سيتم التعرف على اصول ونسب الانسان وارتباطه الجيني باسلافة القدماء ومنهم الشخصيات التاريخية بل سيستطيع المؤرخون إعادة بناء ملامح الوجه لشخصيات من قرون مضت باستخدام الحمض النووي، الذي يعود إلى تاريخ بعيد،قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ((تخيروا لنطفكم فان العرق دساس).

 ولابد من الإشارة إلى أن تقنية قراءة الحمض النووي قد اثمرت في مجال الطب من معالجة الامراض المستعصية كالسرطان والسكري وغيرها بعد قراءة واستئصال الجينات المسؤولة عن هذا المرض وإعادة ربط الشريط أو نسخ جينات أخرى وهذه التقنية التي تسمى تقنية كريسبر ولتفريب الفكرة  فان عملها اشبه بنظام (word) الوورد عندما يتم تظليل الحرف أو الكلمة الخطأ وحذفها أو لصق حرف أو كلمة بدلًا عنها ولكن بتكلفة باهضة الثمن وتحت احتكار الشركات الرأسمالية.

 ونتمنى أن تبادر الدول الغنية بشراء براءات الاختراع وبيعها باسعار معينة الى شركات الطب المختصة لانقاذ البشرية من الامراض الفتاكة ،وعلى صعيد بلدنا فما أمَس الحاجة لهذه التقنية المكلفة مادياً وهل سيشهد هذاالقرن تطبيقاً لها؟ وماهي الاجراءات التي يجب اتخاذها لتعجيل العمل بها لاسيما وأن القرائن تشير إلى إمكانية تطبيقها في العراق إذا ما دعمت من جميع النواحي؟

 وإذا ماتذكرنا أن تطبيق ال (DNA) بمرحلته الأولى والتي اشرنا اليها قد اكتشفت في أوروبا في ثمانينيات القرن الماضي وطبقت في العراق بعد عام 2010 فضلاً عن التوجه الحديث بتسنم ادارات تحقيقات الأدلة الجنائية لأصحاب التخصص وبشاهدات عليا في علوم الأدلة الجنائية والتوجه الجديد لفتح نوافذ عالمية مشتركة لتبادل الخبرات بين دول العالم وتفوق خبراء هذه المديرية على مستوى دولي ومنهم مَنْ قدَّم براءة اختراع إضافة الى تآلق علاقات وإعلام وزارة الداخلية في الأعوام الأخيرة.

 أما الدعم المطلوب فهو رفد المديرية المختصة بالكوادر البشرية من خريجي الكليات ذات التخصصات العلمية كالطب والبايلوجي والكيمياء وتخصيص ميزانية لايفاد الخبراء المختصين الى الدول ذات التخصص في هذا المجال.

فهذهِ اللمحة الموجزة والبسيطة التي ذكرناها أَلا تدعو البعض الى التفكُر والتأَمُل وإعادة النظر في ادعائهم إنَّ الانسان خلقته الطبيعة عن طريق الصدفة؛ فهذا الجينم البشري ذلك الكتيب الصغير من خمسة ملايين صفحة في خلايا كل منا والمدون في حييز خلوي مايكرسكوبي في ثلاثة مليارات من الحروف الكيميائية عن قدر كل منا ومواطن قوته ومواطن ضعفه وصحته وأمراضه أليسَ من كتبه عالم عليم خبير لاتدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار فانفجار مطبعة لاينتجع عنها تكوين قصائد شكسبير عن طريق الصدفة وبعثرة مخازن للسكراب لاينتج عنه انتاج مركبة فضائية عن طريق الصدفة ألا بوجود من يصنع الحديد ومن يركبه، فبأي آلاء ربكما تكذبان قال تعالى في محكم كتابه الكريم (سنريهم اياتنا في الافاق وفي انفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) (وفي الأرض آيات للموقنين.وفي أنفسكم

 أفلا تبصرون)

مشاركة