هل ثمة غصن زيتون في سوريا؟

665

هاون يحيى

مر‭ ‬أسبوعان‭ ‬منذ‭ ‬بدأ‭ ‬الجيش‭ ‬التركي‭ ‬‮«‬عملية‭ ‬غصن‭ ‬الزيتون‮»‬‭ ‬في‭ ‬عفرين‭ ‬في‭ ‬سوريا،‭ ‬للقضاء‭ ‬على‭ ‬الجماعات‭ ‬الإرهابية‭ ‬الناشطة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭: ‬حزب‭ ‬العمال‭ ‬الكردستاني‭ ‬ووحدات‭ ‬حماية‭ ‬الشعب،‭ ‬وداعش‭. ‬وفقاً‭ ‬للسلطات‭ ‬التركية‭ ‬فإن‭ ‬الحملة‭ ‬العسكرية‭ ‬ستستمر‭ ‬حتى‭ ‬تطهير‭ ‬المنطقة‭ ‬بالكامل‭ ‬من‭ ‬الجماعات‭ ‬الإرهابية‭ ‬والقبض‭ ‬على‭ ‬آخر‭ ‬إرهابي‭ ‬فيها‭.‬

وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬تدير‭ ‬السلطات‭ ‬التركية‭ ‬الجانب‭ ‬السياسي‭ ‬للعملية‭ ‬بمهارة،‭ ‬فهي‭ ‬تُبقي‭ ‬على‭ ‬الجمهور‭ ‬الدولي‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬ودول‭ ‬الناتو‭ ‬والدول‭ ‬المعنية‭ ‬مثل‭ ‬إيران‭ ‬وروسيا،‭ ‬مطلعة‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬خطوة‭ ‬من‭ ‬خطوات‭ ‬العملية‭ ‬لتبرير‭ ‬شرعيتها‭. ‬وقد‭ ‬أقرت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول،‭ ‬وبالأخص‭ ‬روسيا‭ ‬ودول‭ ‬الناتو،‭ ‬بوجود‭ ‬علاقة‭ ‬بين‭ ‬وحدات‭ ‬حماية‭ ‬الشعب‭ ‬وحزب‭ ‬العمال‭ ‬الكردستاني‭ ‬الإرهابي،‭ ‬ودافعت‭ ‬عن‭ ‬حق‭ ‬تركيا‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬نفسها،‭ ‬كما‭ ‬دعمت‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬الرائدة‭ ‬مثل‭ ‬ألمانيا‭ ‬وفرنسا‭ ‬وهولندا،‭ ‬تركيا،‭ ‬رغم‭ ‬التوقعات‭ ‬المبدئية‭ ‬للمعارضة‭. ‬

الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬نهجها‭ ‬المتحفظ‭ ‬عادة‭ ‬أعطت‭ ‬الانطباع‭ ‬بأنها‭ -‬على‭ ‬الأقل‭- ‬لن‭ ‬تعارض‭ ‬العملية‭. ‬وتجدر‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬دعم‭ ‬الجيش‭ ‬الأمريكي‭ ‬لوحدات‭ ‬حماية‭ ‬الشعب‭ -‬الجناح‭ ‬السوري‭ ‬من‭ ‬جماعة‭ ‬حزب‭ ‬العمال‭ ‬الكردستاني‭ ‬الإرهابية‭- ‬والذي‭ ‬استمر‭ ‬لسنوات،‭ ‬وشمل‭ ‬مساعدات‭ ‬ب5000‭ ‬شاحنة‭ ‬من‭ ‬الأسلحة‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬دعم‭ ‬التدريب‭ ‬اللوجستي‭ ‬والعسكري،‭ ‬كان‭ ‬أحد‭ ‬الأسباب‭ ‬الرئيسية‭ ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬ضرورية؛‭ ‬إذ‭ ‬سمح‭ ‬بتعزيز‭ ‬المسلحين،‭ ‬وإرهابيي‭ ‬وحدات‭ ‬حماية‭ ‬الشعب‭ ‬التابعة‭ ‬لحزب‭ ‬العمال‭ ‬الكردستاني‭ ‬على‭ ‬طول‭ ‬الحدود‭ ‬الجنوبية‭ ‬الشرقية‭ ‬لتركيا‭ ‬بأسلحة‭ ‬ثقيلة‭. ‬في‭ ‬النهاية،‭ ‬صارت‭ ‬عفرين‭ ‬أشبه‭ ‬ببوابة‭ ‬وحدات‭ ‬حماية‭ ‬الشعب‭ ‬وحزب‭ ‬العمال‭ ‬الكردستاني‭ ‬إلى‭ ‬البحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط‭.‬

هذا‭ ‬الوضع‭ ‬مثير‭ ‬للقلق؛‭ ‬فكثيرا‭ ‬ما‭ ‬تظهر‭ ‬الأسلحة‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬أيدي‭ ‬مقاتلي‭ ‬حزب‭ ‬العمال‭ ‬الكردستاني‭ ‬الذين‭ ‬يشنون‭ ‬الهجمات‭ ‬في‭ ‬تركيا‭. ‬وبالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬من‭ ‬المعروف‭ ‬أن‭ ‬إرهابيي‭ ‬حزب‭ ‬العمال‭ ‬الكردستاني‭ ‬الذين‭ ‬تدربوا‭ ‬في‭ ‬مخيمات‭ ‬وحدات‭ ‬حماية‭ ‬الشعب،‭ ‬يتسللون‭ ‬إلى‭ ‬تركيا‭ ‬وينفذون‭ ‬هجمات‭ ‬إرهابية‭ ‬دموية‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬قواعد‭ ‬وحدات‭ ‬حماية‭ ‬الشعب‭ ‬وحزب‭ ‬العمال‭ ‬الكردستاني‭ ‬في‭ ‬عفرين‭ ‬كثيراً‭ ‬ما‭ ‬تُستخدم‭ ‬لإطلاق‭ ‬الصواريخ‭ ‬على‭ ‬مستوطنات‭ ‬تركية‭ ‬مثل‭ ‬هاتاي‭ ‬وريحانلي‭.‬

  ‬من‭ ‬التفاصيل‭ ‬غير‭ ‬المعروفة‭ ‬عن‭ ‬عملية‭ ‬‮«‬غصن‭ ‬الزيتون‮»‬‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الاسم‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬اختياره‭ ‬لطابعه‭ ‬السلمي‭ ‬فقط‭. ‬تحكي‭ ‬أسطورة‭ ‬غلغامش‭ ‬التركية‭ ‬القديمة‭ ‬كيف‭ ‬عرف‭ ‬النبي‭ ‬نوح‭ ‬أن‭ ‬الفيضان‭ ‬سيتوقف‭ ‬قريباً،‭ ‬عندما‭ ‬عادت‭ ‬الحمامة‭ ‬التي‭ ‬أطلقها‭ ‬من‭ ‬سفينته‭ ‬بعد‭ ‬وقت‭ ‬قصير‭ ‬وهي‭ ‬تمسك‭ ‬في‭ ‬منقارها‭ ‬بغصن‭ ‬زيتون‭. ‬اسم‭ ‬‮«‬غصن‭ ‬الزيتون‮»‬‭ ‬يمثل‭ ‬عودة‭ ‬السكان‭ ‬المحليين‭ ‬إلى‭ ‬وطنهم،‭ ‬تماماً‭ ‬مثل‭ ‬سكان‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬الذين‭ ‬عادوا‭ ‬إلى‭ ‬أراضيهم‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬الفيضان‭. ‬وإذا‭ ‬تمكنت‭ ‬تركيا‭ ‬بنجاح‭ ‬من‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬وحدات‭ ‬حماية‭ ‬الشعب‭ ‬وحزب‭ ‬العمال‭ ‬الكردستاني‭ ‬أيضاً‭ ‬بعد‭ ‬هذه‭ ‬العملية،‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬500‭ ‬ألف‭ ‬من‭ ‬السوريين‭ ‬النازحين‭ ‬إلى‭ ‬تركيا‭ ‬سيتمكنون‭ ‬من‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬ديارهم‭. ‬بعبارة‭ ‬أخرى،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬السبب‭ ‬الرئيسي‭ ‬وراء‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬هو‭ ‬الأمن‭ ‬الوطني‭ ‬لتركيا،‭ ‬فإن‭ ‬بدء‭ ‬التطبيع‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬سيسمح‭ ‬للسوريين‭ ‬النازحين‭ ‬بالعودة‭ ‬أخيرا‭ ‬إلى‭ ‬بلادهم‭.‬

وبالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬منطقة‭ ‬وسط‭ ‬عفرين،‭ ‬من‭ ‬المقرر‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬إرهابيي‭ ‬حزب‭ ‬العمال‭ ‬الكردستاني‭ ‬من‭ ‬مساحة‭ ‬تبلغ‭ ‬4,500‭  ‬كيلومتر‭ ‬مربع‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬وبالنظر‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬وحدات‭ ‬حماية‭ ‬الشعب‭ ‬تسيطر‭ ‬على‭ ‬مساحة‭ ‬إجمالية‭ ‬قدرها‭ ‬78,000‭ ‬كيلومتر‭ ‬مربع،‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬مجرد‭ ‬بداية‭ ‬فقط‭. ‬ويوافق‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المحللين‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬العابرة‭ ‬للحدود‭ ‬لن‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬عفرين،‭ ‬وأن‭ ‬الجانب‭ ‬التركي‭ ‬يراقب‭ ‬بعناية‭ ‬الوضع‭ ‬في‭ ‬الجانب‭ ‬الشرقي‭ ‬من‭ ‬نهر‭ ‬الفرات،‭ ‬الذي‭ ‬يخضع‭ ‬حالياً‭ ‬للحماية‭ ‬الأمريكية‭.‬

عملية‭ ‬عفرين‭ ‬ليست‭ ‬الحملة‭ ‬العسكرية‭ ‬الأولى‭ ‬لتركيا‭ ‬عبر‭ ‬الحدود،‭ ‬فقد‭ ‬قامت‭ ‬في‭ ‬الماضي،‭ ‬بالعديد‭ ‬من‭ ‬العمليات‭ ‬المشابهة‭ ‬ضد‭ ‬حزب‭ ‬العمال‭ ‬الكردستاني‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وانسحبت‭ ‬فور‭ ‬الانتهاء‭ ‬من‭ ‬مهمتها‭. ‬لم‭ ‬تتبع‭ ‬تركيا‭ ‬أبداً‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬تفكر‭ ‬في‭ ‬الاحتلال‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬سوريا،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬العكس‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬دأبت‭ ‬دوماً‭ ‬على‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬السلامة‭ ‬الإقليمية‭ ‬لكلا‭ ‬البلدين‭.‬

لذلك،‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬أساس‭ ‬لصرخات‭ ‬حزب‭ ‬العمال‭ ‬الكردستاني‭ ‬الاستفزازية‭ ‬أو‭ ‬بعض‭ ‬الدوائر‭ ‬التي‭ ‬تدعمه‭ ‬عن‭ ‬‮«‬الاحتلال‮»‬‭. ‬الجيش‭ ‬التركي،‭ ‬بعدما‭ ‬يقضى‭ ‬بنجاح‭ ‬على‭ ‬الجماعات‭ ‬الإرهابية‭ ‬التي‭ ‬شكلت‭ ‬تهديداً‭ ‬أمنياً‭ ‬خطيراً‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬لسنوات،‭ ‬سيعود‭ ‬إلى‭ ‬حدوده‭ ‬كما‭ ‬فعل‭ ‬دائماً‭. ‬وبالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬التهديد‭ ‬الإرهابي،‭ ‬ستكون‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬خطوة‭ ‬حاسمة‭ ‬نحو‭ ‬ضمان‭ ‬السلام‭ ‬والأمن‭ ‬الدائمين‭ ‬للدولة‭ ‬السورية‭ ‬والشعب‭ ‬السوري‭.‬

مشاركة