هل توجد صحافة مستقلة ؟ – طالب سعدون

273

نبض القلم

هل توجد صحافة مستقلة ؟ – طالب سعدون

سؤال سمعته من شخص كان قريبا مني ، ونحن نهم بالدخول الى  قاعة المتنبي  في نادي الصيد العراقي لنستمع الى محاضرة الدكتور احمد عبد المجيد عن ( الصحافة المستقلة ) ، لم أعلق ، وتركته يتلقى الجواب من المحاضرنفسه ، وإحتفظت بجوابي ليكون موضوع عمودي في ( الزمان) عله يطلع عليه ويحظى بالقبول لديه ..

في البدء لا من أن نشكر الاستاذ حامد القيسي على هذه المبادرة في عيد الصحافة العراقية ، والثناء على جهده المتميز في ادارة الندوة..

كانت المحاضرة والمداخلات شاملة ومفيدة ، خاصة وأن المحاضر له تجربته الطويلة في العمل المهني والاكاديمي، ورئاسة تحرير صحيفة مهمة في ظروف استثنائية تمر بها البلاد عموما ، والصحافة خصوصا، سواء في الادارة والتحرير، أو في قدرته على مواصلة الصحيفة  الصدور ، رغم الظروف المادية الصعبة  ، واستقطاب الاقلام من أتجاهات مختلفة للكتابة دون مقابل  ..

وتلك حسنة تحسب له شخصيا ، لما يتمتع به من علاقة جيدة مع الكتاب والصحفيين ، جعلتهم يتنازلون عن حقوقهم المادية ، لكي تستمر الصحيفة منبرا يضم هذا الطيف الابداعي الجميل ،  دون أن نغفل حقيقة أن إنقطاع الدعم ، ومنه الاعلان لا يؤثر على الصحيفة فقط  ، بل على الصحفي أيضا ..

ولم يفت المحاضر أن يشكر جميع الكتاب على هذه المساهمة ودورهم في تمكن الصحيفة من مواصلة الصدور .. وبالتأكيد لا تنسى  الصحيفة هذه المواقف الطيبة.

سؤال كثيرا ما تسمعه … هل توجد صحافة حقيقية اليوم في كل العالم ، وليس في العراق فقط ، أم هي واجهات  للدول ، وأصحاب القرار، ومراكز النفوذ والمؤسسات المهمة التي تتحكم في شؤون البلاد ، والاحزاب والاشــــخاص ، والممولين الظاهرين والمستترين ..؟.. ولماذا كل هــــذا الانفاق  العالي خاصة الشــخصي ان لم يكـــن هناك مقابل أو هدف يوازيـــه في الاهمية ..؟..

واذا ما وجدت ، هل من بينها من يمكن أن تصفه بالمستقل ، أم تحولت الى مشاريع ذاتية ، توزعت على أهواء المؤسس والممول والدول ، والمؤسسات أو تتحكم بها نزعة الربح ، إن لم يكن المادي  فالاعتباري على أقل تقدير…

وهناك من يتساءل  إذا كان لدينا كل هذا الكم الهائل من الفضائيات والصحف ووسائل الاعلام الاخرى بمختلف المسميات بما فيها المستقلة ، يضاف لها منظمات المجتمع المدني ألا يفترض  أن يكون الفساد في أقل درجاته ، وليس بهذه الدرجة المروعة، التي تجاوز فيها هذا التوصيف في بعض مراحله ليأخذ صفة النهب  والسلب والاستحواذ على المال العام والسرقة في العلن وشيوع المحسوبية والرشوة والمحاصصة التي تأخذ من حصة المواطن  المشروعة لتعطيه الى أخر لا يستحقها ..

 اسئلة كثيرة إجاباتها توضح قيمة ودور الصحافة المستقلة وضرورة وجودها لممارسة سلطة رقابية حقيقية تحقق الهدف الوطني المطلوب ..

هناك من يرى وهو على حق .. ان فسادا بهذه الدرجة الخطيرة كان يمكن أن  يؤهل الصحافة العراقية ، وبالذات المستقلة ، لتكون لها  مدرسة خاصة في صحافة الاستقصاء ، أو صحافة (العمق) و (النفس الطويل) و (التغيير) ، كما تسمى،  تدرس في العالم ، وفي الوقت نفسه  تعمق من دور الصحافة الرقابي وتساعد في ازدهار الصحافة الورقية ، وتضمن لها سعة الانتشار ، والموارد المالية من الاعلان ، وتضمن لها استقلاليتها ، ويكون لها مكانها المؤثر في عالم اليوم بعد الفضاء المفتوح والتكنلوجيا المتطورة ..

لكننا مع الاسف كنا نعتمد على غيرنا في كشف قضايا نحن أولى بكشفها من الاخرين  ، كما حصل في فضيحة  سجن (ابو غريب) وقضايا فساد مختلفة منها قضية البسكويت منتهي الصلاحية ..

 وهناك من يرى أيضا  أن فسادا بهذه الدرجة الخطيرة كان يمكن أن  يساعد في ظهور (أعلام  كبار) لهم تراثهم  المتميز في هذا اللون الصحفي في العراق  على غرار  الامريكي (سيمورهيرش)  الذي كشف مذبحة (ماي لاي) في فيتنام عام 1969 لكن دورنا يأتي بعد أن تنكشف  الفضيحة وتتبعها  بالتحليل ، والتعليق  والاخبار والاستضافات ،  وإحصاء الضحايا والخسائر والاموال والدمار ،  وكأننا نحن من إكتشفها ، ثم تخفت تدريجيا الى أن تنتهي وتأتي أخرى وهكذا ، أو نقع في فخ السياسيين من خلال تسريبات مقصودة عن الفساد ، أو  نشر تصريحات لمسؤولين أو سياسيين قد تشم  من بعضها رائحة  التسقيط  ، أو لاهداف سياسية ، أو ربما مبالغ فيها ، ولا تنفرد بها هذه الصحيفة ، أو تلك ، بل تجدها قد نشرت في أغلب  وسائل الاعلام ..

ومع ذلك لا تزال هناك فرصة ثمينة  لظهور هذه المدرسة  الاستقصائية في العراق ، ليس في (التنقيب) عن  حالات الفساد في العمل الرسمي، وإنما في المجتمع أيضا كالظواهر الخطيرة  التي نعيشها اليوم  ، مثل المخدرات والانتحار والفساد الاجتماعي وغيرها من الحالات  كالحرائق التي حصلت في المزارع  في مناطق متفرقة من العراق ، وليس أن تكتفي بنشر ما يعلن من أسباب ، ربما يكون بعضها غير حقيقي ، وتنتهي دون معرفة الفاعل وتسجل ضد مجهول .. وقس على ذلك الكثير ..

إن ما يمكن أن نطلق عليه صحافة استقصائية في العراق قد لا يشكل سوى نسبة قليلة مقارنة بالتحقيقات التقليدية والاخبار الاعتيادية والكتابات العامة…

وكان يمكن للدولة وسلطاتها المختلفة ، وبالذات المعنية بمكافحة الفساد أن تعمل على خلق صحافة استقصائية تمكن الصحافة من اداء دورها في هذا المجال الرقابي ، وتوفير الحماية للصحفي ومساعدته في الوصول الى المعلومة ، وتشجيعه على العمل في هذا الميدان لكشف الفساد وتتبعه والوقوف على  مصادره ومن يقف وراءه ..

ولا بد من الاقرار أن هذا العمل  شاق ، ويتطلب صبرا ووقتا طويلا  يمتد لاشهر وربما سنوات ، وجهدا متميزا ومتنوعا ، ودعما غير محدود للصحفي ، فهل يمكن لصحيفة تعاني من ضائقة مادية ومهددة بالتوقف بين مدة واخرى أن تقوم بهذا الدور أو يقوم الصحفي بمغامرة غير مضمونة النتائج  ..؟..

كيف يمكن تحقيق هذا الهدف وتساعد  الصحافة ، وبالذات المستقلة على  أداء دورها الرقابي ، وخاصة في الاستقصاء  ومكافحة الفساد والظواهر الخطيرة ، وهي تشكو من تفاوت كبير في الدعم والاعلان ، فبينما تحظى الصحافة الرسمية والحزبية بالدعم المطلق ، بما في ذلك النسبة العالية من الاعلانات تجد الصحف المستقلة تحصل على نسبة ضئيلة … فقد اشار المحاضر الدكتور احمد عبد المجيد  الى أن جوهر حياة الصحيفة هو الاعلان ، وهناك صراع  غير متكافيء بين الصحف على الاعلان، حيث تحصل الصحافة الرسمية والحزبية على 90 بالمائة من الاعلانات ، والنسبة الباقية للصحافة الاخرى ،  ناهيك عن الدعم المالي  والتمويل السياسي ، مما يجعلها لا تعاني من أزمة مالية ، كما هو حال الصحافة المستقلة .. مستعرضا  تجربة صحيفة الزمان في التعامل مع هذه الحالة ، بتقليص عدد الصفحات ، لكي تواصل الصدور .. وقس عليها الكثير ..

إن من ضمن واجبات الدولة  الاساسية رعاية الصحافة  والصحفي  ، وتقديم الدعم لهما  لكي يؤديا  عملهما في الرقابة والتوعية والارشاد .. فهذه الرعاية تعد  جزءا من تطبيق مبدأ (حرية الصحافة) .. و (ستكون هذه (الحرية) ناقصة ، أو لا تعني شيئا ، إن لم تكن هناك صحيفة تصدر ، ورأي عام يراقب ، وكاتب ينقد بجرأة وموضوعية ووطنية ) ، وفي الوقت نفسه تساعد الصحافة  الدولة  في كشف الخلل والفساد ، وتكون عينها في الميدان ، خاصة وأنها تستطيع أن تصل الى أماكن  ، ربما لا تستطيع أن تصل اليها الدولة بكل مؤسساتها ……

الاعلام اليوم يعد من بين أهم  مقاييس تطور الشعوب والدول ، وبنظرة بسيطة الى اعلام اي بلاد  تعرف مستوى الحرية والديمقراطية  فيها ، والعلاقة بين الحاكم والشعب ..

–  لا تعني الصحافة شيئا إن لم يكن هناك مسؤول يقرأ ما يكتب ، ويستفيد منه في تغيير الحال نحو الافضل وتصبح الرقابة والسلطة المعنوية للصحافة خالية من مضمونها ، أو مجرد  علامة ظاهرية او ديكور كما يسميه البعض على  وجود ديمقراطية وحرية صحافة …وتكون استقلالية الصحافة ليس أكثر من عنوان ..

 { { { {

كلام مفيد :

من جميل ما سمعت  من محاضرات ، هذا الفرق بين الصحة والعافية …

الصحة خاصة بالابدان ، وهي خلا ف المرض والسقم والألم   .. أما العافية فهي أعم تشمل الصحة وغيــــرها .. الأسقام والبلايا والعلل والفــــتن والاموال وعموم ما يبتلى به الانسان…. كان الرسول ( ص ) يمر على أهل القبور ويقول.. أسال الله لكم العافية .. أي يبــــعدهم من النار ..

مشاركة