هل تعلّم العرب من التأريخ ؟

710

 

 

 

تجارب الأمم

هل تعلّم العرب من التأريخ ؟

من يطالع التأريخ منذُ ولادة الدولة الإسلامية في عهدِ الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلّم. وحتى نهايةِ دور الخلافة عقب نهاية الدولة العثمانية ووصولاً إلى الوقت الراهن، سيجدُ دلالاتٍ ومفاتيحَ عديدةً ممكن استخدامها في نهضةِ أو تدميرِ العرب !.

فالبداية كانت بسيطةً أسسَ العربُ دولةً حديثةً سرعانَ ما فتحتْ الآفاقَ للتطور رغمَ الحروب التي خاضتها لبسط سلطتها ، ولكن هذا ليس شأننا بل سنركزُ في حديثنا عن قابليةِ التّحول في الفكرِ السياسي الإسلامي الذي أسسَ نظاماً قائماً على الشورى أولا ؛ ثم تحولَ شيئاً فشيئاً إلى نظام فكر الرجل الواحد، والعائلة الحاكمة ،أو البيت الحاكم . وهذا ما أضعف الفكر السياسي الإسلامي وجعلهُ أكثر استبدادية وبثَ في جذوره نظرية المؤامرة للصراع على الحكم . فالعرب اليوم لم يخرجوا بعد من دوامةِ الصراعات والتناقضات الفكرية السياسية والدينية، التي نشبتْ في عصرِ الخلفاء الأربعة ، فكل شيء لايزالُ مرتبط ارتباط وثيق بصراعِ الماضي ذو البعد العقائدي وصراع التسيد للسلطة . لم ينفكْ العربُ بعد 1400 عام من صراعِهم الجدلي بأحقيّة من سيتولى السلطة بعد رحيل الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلّم . لاتزالُ الأفكار ذاتها تحوم في جماجمِ العرب ؛ وطريقة ربط الصورة الماضية بالحاضرِ لاتزال مستمرةٌ ؛ وفيها نوع من حبِّ الإنتقام ولعبِ دور الظالم والمظلوم ، وتداعياتها تنتقل من جيل إلى جيل فهي لن تتوقفَ عن الذكرِ وتأجيج الصراع عبر المنابر ، والوسائل الإعلامية، والكتب، التي تتصدر لتغذي الأجيال عبر الأجيال.  من هنا علينا التوقف قليلا ونسألُ أنفسنا هذا السؤال المهم : هل استفادَ العربٌ من تأريخِهم؟! ومتى استطاعَ العربُ تجاوزَ نقاطَ الخلافِ فيما بينهم ؟!

الجواب سيكون واضحٌ فيما يفعلهُ العربُ اليوم بمجتمعِهم الذي يدورُ ويطحنُ بذات الأحداث التي جرتْ في كربلاء . فالحدث يتكرر كما هي الرحى تطحن القمح ونطعم منها ذات الطحين للأجيال عبر الأجيال؛ التي لم تنفكْ عن سردِ الخلافِ والتنازعِ عليه .

وهذا يجعلنا نخوضُ في ذاتِ

النفق الموحل بالدماءِ والصراعاتِ والفتن؛ فمن المستحيل الخروج من هذا النفق المظلم والتقدم نحو التغيير في نمطِ التفكير الديني و السياسي . فالحياةُ التي عاشَ فيها الأجدادُ أيامَ الصراعاتِ السياسية يتغنى فيها اليوم الأحفاد ؛ ونحنُ نراوح في ذات النفق المظلم.

مشكلتنا اليوم تكمنُ في “التفكير” نحنُ نستخدمُ الأفكارَ في بناءِ الفوارق بيننا؛ ونستمدُها من تأريخِنا الماضي ولا نفعل العكس تماماً، فأوربا بعد نهاية العصور الوسطى المظلمة تطورَ فيها الفكرُ ثم العملُ فنجدُها هجرتْ الفكرَ الديني السياسي المتعلق بالكنيسة؛ وركزتْ على بناء القوانين المدنية التي تحمي الإنسان وتزيلُ الفوارقَ الدينية والطبقية والثقافية والعرقية بين أبناء المجتمع ، وهذا ما حدثَ وطورَ البلدان التي تختلفُ باللغات والأعراق أكثر من المجتمع العربي بعشراتِ الأضعاف. فالمسألة تكمن في طريقة التفكير ومن يقودُ المفكرين لبناء مجتمع واعي وصالح، لا يخوضُ في نزاعاتِ الماضي بل يسعى إلى بناء المستقبل بعواملٍ وحدةٍ جديدة تحقق النهضة العربية . فالعربُ تجمعهم نقاطُ قوةٌ عديدة لا يهتمون بها كاللغة الواحدة والوطن المتقارب والثقافة والفلكلور وحتى الأنساب والقبائل ووفرة الموارد الطبيعية والبشرية، بغض النظر عن وحدة الكتاب والرسالة النبوية التي تختلفُ عندها العرب . ولكن ما ذنب الامة العربية تعيشُ اليوم صراعاتٍ متراكمة توقفتْ الحياةُ من أجلها ؟! ما ذنب الأجيال الجديدة التي تتوارثُ الأحقادَ والضغينةَ لتستمرَ روحُ الإنتقامِ بالتوارثِ ؟! يجب أن تكون هناك صحوةٌ حقيقية وأن ينتهي هذا الجدل العقيم، و ان نبدأُ صفحة جديدة لتأسيسَ بوادر حقيقية لبناء قانون مدني يحقق العدالة والتنمية في المجتمعِ العربي، وان نغيرُ طريقةَ التفكير في المبادئ السياسةِ والفكر الإسلامي . فصورةُ الماضي لا نريدها أن تتكررَ في الحاضر والمستقبل يجب أن نجتاز هذه العقبة ونتقدمُ خطوةً سريعةً الى الأمام؛ وإلا فإن الحال سيبقى على ماهو عليه وسنبقى نخوضُ في ذاتِ النفق الموحل بالدماء والصراعات والفتن.

 خالد عبد الكريم – سامراء

مشاركة