هل تطيح أسعار النفط بالأسد ؟ – عصام فاهم العامري

هل تطيح أسعار النفط بالأسد ؟ –  عصام فاهم العامري

حينما سقطت الموصل في بداية الصيف الماضي  بيد ” داعش ” وليتبع ذلك سيطرتها على ثلث مساحة العراق ، ولتتعزز أيضا  سيطرتها على ثلث الاراضي السورية، أعلنت ” داعش ” دولة الخلافة .. وصارت تهدد بالتمدد في مناطق اخرى من المنطقة العربية بما فيها السعودية والكويت والاردن .    وقد تسبب هذا التطور بالارتباك والقلق  بين اوساط صناع القرار في المنطقة والعالم ، واتخذت واشنطن ومعها 40 دولة من بينها دول الخليج وعلى راسها السعودية قرارا بتشكيل تحالف دولي لمواجهة ” داعش ” والقضاء عليها . وقد كان دائما يوجد نقاش بين اوساط دول التحالف من أن ” داعش ” ؛ هذا الغول الذي تغول في المنطقة ؛  ليس سوى ناتج عرضي عن الازمة السورية واستمرارها ،  وعن سياسات المالكي رئيس الوزراء العراقي السابق الطائفية والاقصائية المدعومة من ايران . وبناء على ذلك النقاش كان يجري الحديث من  أن القضاء على ” داعش ” يتطلب معالجة الازمة السورية وانهاء نظام بشار الاسد ، والاطاحة بالمالكي ليس فقط كشخص وانما كمنهج وسياسات . ويبدو أن الجزئية المتعلقة بالعراق وبالمالكي كان عليها اتفاق واجماع  ، وكانت سهلة التحقق لاسباب تتعلق بوجود اجماع عراقي من جهة ولحصول انتخابات في العراق قبل اشهر من سطوع نجم ” داعش ” من جهة ثانية ، فحدث ما حدث وتم تغيير المالكي وانتخاب العبادي بدلا عنه الذي تعهد واتفق مع الفرقاء السياسيين بالابتعاد عن سياسات المالكي في التفرد والطائفية والاقصاء والتهميش .. وبدأت العملية السياسية تنطلق مجددا على أسس تحظى بقبول عراقي عام ، وبدأت خطوات التغيير.. ورغم  ان التغيير ما زال في بداياته ، فيبدو أنه أتى أكله – كما يقال – ، اذ انتقلت العمليات العسكرية من الدفاع لمواجهة ” داعش ” الى الهجوم على مواقعها وتحرير المناطق التي سيطرت عليها ، وقد تحقق في هذا الاطار انجازات مهمة معروفة والبقية آتية على الطريق .

أما فيما يتعلق بالشق السوري ونظام بشار الاسد ، فيبدو ان العملية معقدة ،، لاسباب عديدة اهمها ثقل وحجم  الدعم الخارجي الذي يتلقاه نظام بشار الاسد من ايران وروسيا . وصار التفكير لدى دول التحالف  يتجه بتحويل كلف الدعم الذي تقدمه ايران وروسيا لنظام الاسد يجب ان يزيد كاهله على كلا الدولتين الداعمتين له . وهكذا جاءت العقوبات الغربية على موسكو ليس فقط بسبب اوكرانيا حتى – وان كانت هي السبب المباشر- وانما ايضا بسبب سوريا . كما ان التصلب الغربي في المفاوضات النووية مع ايران وعدم رفع العقوبات عليها من دون ابرام اتفاق نهائي كان ايضا سببه ليس الملف النووي بحد ذاته فحسب ، وانما ايضا السياسات الايرانية في المنطقة ولاسيما في سوريا والعراق واليمن . وتصادف ان اسعار النفط تراجعت لاسباب اقتصادية ، ولما كانت الدولتان ( روسيا وايران ) من الدول المصدرة للنفط ، فقد جرى التفكير ان يتم استغلال موضوع أسعار النفط لزيادة الضغط على روسيا وايران . فقد كان هناك قرارات سياسية بالعمل على خفض اسعار النفط  أكثر لتكثيف الضغط على الدولتين فكيف حدث ذلك ، وماهي النتائج المتوقعة من ذلك ؟

فمع انخفاض أسعار النفط الى نحو (95) دولاراً لأسباب متعلقة بالعرض والطلب في السوق العالمية للنفط ( أي لاسباب اقتصادية ) ، اتخذت المملكة العربية السعودية قرارا بزيادة كميات الانتاج ، الامر الذي أدى الى المزيد من التدهور في اسعار النفط ، بل وذهبت الرياض أبعد من ذلك بأن خفضت أسعار النفط الخفيف المصدر إلى السوق الأسيوي خلال 3 شهور متتالية ( وفق مؤشر دبي وعُمان )   كما أنها خفضت أسعار النفط الثقيل الذى يتم تصديره إلى أمريكا الشمالية ليصبح أقل من (مؤشر أرجوس) بنسبة 10 بالمئة . و”أرجوس” هو مؤشر أسعار النفط الثقيل والمتوسط في أمريكا الشمالية والخاص بنفط المكسيك والسعودية على سبيل المثال. أما مؤشر دبي وعمان فهو مؤشر أسعار الخام الخفيف في الأسواق الأسيوية.وقد بررت الرياض زيادة انتاجها بأسباب اقتصادية في مقدمتها : ان النفط هو مصدر أساس في دخل الاقتصاد السعودي وبالتالي تراجع أسعاره قد تسبب في انخفاض هذا الدخل ، وكان لابد من زيادة الانتاج لتعويض النقص  وبهدف تحقيق الاستقرار في اقتصاد البلد . وكان ايضا من بين الاسباب رغبة المملكة في المحافظة على عملاءها أو كسب عملاء جدد في السوق ، فضلا عن رغبتها في  أن تُخرج مستثمرين كبار يعملون بقطاع الغاز الصخري من السوق، بحيث يصبح الاستثمار في هذا الميدان غير مجدي مع انخفاض الاسعار .

ولكن يبدو ان الاسباب السياسية هي الاقوى في قرار المملكة بهذا الصدد بهدف زيادة الضغط على ايران وروسيا . ويقول في هذا الصدد ( جون ألين جاي ) ، مؤلف كتاب ” الحرب مع إيران : العواقب السياسية والعسكرية والاقتصادية”، أن الرئيس الإيراني حسن روحاني يشعر بعدم الارتياح إزاء انخفاض أسعار النفط الحالي ، حيث قد وعد إبان حملته الانتخابية  بتحقيق “الازدهار الاقتصادي”، وخفض التضخم، وأن تكون إيران واحدة من أكبر 10 اقتصادات في العالم خلال 30 عاما. وأشار تحليل ( جاي )  الذي نشرته مجلة ” ناشيونال انترست” الأمريكية، إلى أن إيران وضعت ميزانية العام الحالي على أساس أن سعر النفط 100 دولار للبرميل، وصادرات النفط 1.5 مليون برميل يوميا، وتفاءلت بعد أن وصلت أسعار النفط ذروتها في يونيو/ حزيران الماضي، عند 113 دولارا للبرميل. وبالتالي أن روحاني سيجد صعوبة في الوفاء بوعوده، وذلك من شأنه إضعافه في الداخل،  بينما تكثف العناصر المحافظة في مجلس الشورى انتقاداتها، وقد ينضم المحافظون الأكثر اعتدالا إلى المعركة. وأضاف التحليل، أن تراجع سعر النفط يزيد من تكلفة الفرصة البديلة في حالة عدم التوصل إلى اتفاق، لأن هذا يقلل نفوذ إيران على طاولة المفاوضات، ومن وجهة نظر المتفائلين، فمن المرجح التوصل إلى اتفاق بشأن الملف النووي بعد تمديد المفاوضات الى حزيران المقبل  وأن يكون مناسبا للغرب.

وفي إعتقادي ان المهم بالنسبة للسعودية ودول الخليج الاخرى هو ان تشعر ايران من خلال انخفاض اسعار النفط بوطأة تكلفة دعمها لنظام بشار الاسد ، وان استمرار هذا الدعم من شأنه ان يفقر ايران . وهو أمر ينطبق الى حد ما على روسيا التي صارت عملتها تتهاوى وصار اقتصادها يشعر بضرر بالغ نتيجة العقوبات الغربية بسبب اوكرانيا ، ثم جاء انخفاض اسعار النفط ليزيد من كاهل المصاعب الاقتصادية ويفاقمها . والحقيقة ان سؤالا يطرح بهذا الصدد ، هل ان السعودية ودول الخليج لم تتضرر من انخفاض اسعار النفط ، او انها اعتمدت الخيار الشمشوني ؟  بالمنطق الاقتصادي، السعودية والدول الخليجية أول المتضررين من تراجع أسعار النفط ، ولكن التكلفة الاقتصادية على كلا من روسيا وإيران جراء خفض أسعار النفط أكبر كثيرا من تكلفته على دول الخليج. ولاسيما ان للسعودية ودول الخليج فوائض نقدية كبيرة تحققت لها خلال الفترة السابقة نتيجة ارتفاع اسعار النفط . ويبدو لي ان سياسة الضغط هذه من شأنها ان تحقق نتائجها ، وقد برز ذلك خلال زيارة الامير سعود الفيصل الى موسكو الجمعة الماضية ، اذ طلب الجانب الروسي التنسيق بضرورة خفض كميات المعروض من النفط في الاسواق العالمية بغية رفع الاسعار ، وقد تم الايحاء من الجانب السعودي  ان التعاون يجب ان يكون في هذا المجال والمجالات الاخرى في المقدمة منها الازمة السورية والتعاون في مجال مكافحة الارهاب والاوضاع الاقليمية الاخرى أي الوضع في العراق واليمن وليبيا والصراع الفلسطيني الاسرائيلي وايضا الوصول الى اتفاق نووي مع ايران بشكل مرض لجميع الاطراف الاقليمية ، فضلا عن تفعيل العلاقات الاقتصادية بين البلديين . وفي الصدد السوري ألمحت موسكو بأنها لا تمانع من الاطاحة برأس النظام السوري على ان يتم الابقاء على مؤسسات الدولة والنظام في المرحلة الانتقالية بما يحقق الحفاظ على وحدة وسيادة الأراضي السورية وذلك على أساس ” جنيف 1″. وقد أبدت موسكو لاول مرة تفهما واسعا للمطالب العربية التي تحملها السعودية بخصوص الازمة السورية .  وفي رأينا ان التراجع الروسي في سوريا من شأنه ان يحفز التراجع الايراني ايضا ، خاصة مع زيادة الضغوط  الدولية عليها ومع زيادة الضغط النفطي اكثر فأكثر عليها . وهذا ربما يسهم الى الوصول الى تسوية من شأنها ان تتخلى فيها  روسيا وايران عن الأسد.

مشاركة