هل الثروة النفطية لجميع العراقيين ؟- عادل عبد الزهرة شبيب

170

هل الثروة النفطية لجميع العراقيين ؟- عادل عبد الزهرة شبيب

صرح مؤخرا وزير النفط العراقي السيد ثامر الغضبان بأن وزارة النفط العراقية هي لجميع العراقيين .. فهل هي فعلا كذلك؟ , وهل ان النفط العراقي هو ملك لجميع العراقيين ؟

يمكن التأكيد على ان النفط العراقي هو ليس ملكا للشعب العراقي طالما ان الاقتصاد العراقي هو اقتصاد ريعي , وفي الاقتصاد الريعي تعتبر الحكومة هي المستفيد الأول والأخير من الثروة النفطية وعدم استفادة الشعب العراقي من العائدات النفطية الكبيرة بدليل التظاهرات الاحتجاجية للمواطنين التي عمت مدن العراق المختلفة احتجاجا على تفشي البطالة والفقر والفساد الكبير للمسؤولين  وتدهور الكهرباء والتعليم والصحة واشتداد الازمات كالسكن وغيرها, فلو كان النفط ملكا للشعب لما كانت هذه الأزمات.. ولتحسنت اوضاعهم واصبحوا بمستوى معيشي مرتفع كما هو حال دول الخليج على الأقل . ولو كان النفط ملكهم لما خرج آلاف المتظاهرين في مدن العراق المختلفة مطالبين بتحسين اوضاعهم المعيشية وتوفير فرص العمل ومكافحة فساد المسؤولين وتحقيق العدالة الاجتماعية .

غير ان منافع النفط اقتصرت على الكتل المتنفذة الحاكمة والمحيطين بها, وسيبقى الوضع كما هو او سيزداد سوءا طالما بقي الاقتصاد العراقي اقتصادا ريعيا وحيد الجانب يعتمد كليا على تصدير النفط الخام واهمال القطاعات الانتاجية الاخرى من زراعة وصناعة وسياحة وتعدين وغيرها وطالما بقي النظام مبنيا على مبدأ الطائفية  والمحاصصة وليس المواطنة والمؤسسات والقانون. فالاقتصاد الريعي عادة يؤدي الى ظهور مجتمع استهلاكي غير منتج مرتبط بالاستيراد وهو لا يهتم بالزراعة او الصناعة التحويلية حيث تهيمن الدولة على عائدات النفط الكبيرة.

وكما هو معروف فإن الاقتصاد الريعي هو اقتصاد تداولي وليس اقتصاد انتاجي ولذلك يتميز هذا النوع من الاقتصاد بأنه اقتصادا رخوا وهشا لا يهتم بالصناعات التحويلية ولا بالزراعة طالما تأتيه عوائد مالية كبيرة من بيع النفط  فلماذا يتعب نفسه بالإنتاج ومشاكله ؟

الاقتصاد الريعي

اذن الاقتصاد الريعي في العراق وغيره من البلدان لا يوفر العدالة الاجتماعية ولا يؤدي لأن يكون النفط ملكا عاما للشعب وانما يؤدي لأن يكون ملكا للحكومة المستفيد الأول من هذه الثروة  ولذلك لا يمكن الحديث عن ان النفط العراقي هو ملكا للشعب في ظل وجود الاقتصاد الريعي .

ومن الضروري اعادة هيكلة القطاع النفطي ليكون احدى وسائل التنمية الاقتصادية وليس عبئا عليها  , وان تنويع الاقتصاد وايجاد مصادر بديلة لتمويل الموازنة العامة يظلان هدفا مركزيا كشرط للتنمية المستدامة . فالاقتصاد الريعي في العراق يعتبر سببا رئيسيا للتخلف وللأزمات الاقتصادية التي تصيب الدولة لأنها تعتمد في دخلها الوطني على مصدر واحد واي خلل يصيب هذا المصدر كانخفاض اسعار النفط مثلا يؤدي الى عدم قدرة الدولة على مواجهة العوائق التي قد تصيبها, وفي هذه الحالة يكون تأثيرها واضحا على عناصر الدولة وعلى المواطنين في المجتمع. اضافة الى ذلك فإنه لا يمكن اجتماع النظام الريعي والنظام الديمقراطي في آن واحد فهما على طرفي نقيض. ويرى الاقتصاديون ان الاقتصاد الريعي الذي يعتمده العراق هو مصدر تخلف وبطء التنمية. ومن الناحية الاقتصادية عندما تصبح احزابا متنفذة في ادارة شؤون البلاد فانهم يتحكمون بجميع الثروات داخل نطاق الدولة وان هذه الفئة الحاكمة ستنفرد وتبتعد عن المجتمع والحياة الاجتماعية في الدولة وهذا يؤدي الى ان تصبح الحياة الاجتماعية غير مهمة لدى السلطة السياسية وتكون جميع الثروات الاقتصادية بتصرف السلطة السياسية كما في العراق وتتصرف بها من تلقاء نفسها مما يؤدي الى غياب العدالة. وفي حالة وجود الاقتصاد الريعي في اي مجتمع كالعراق فإن ذلك يؤدي الى تراجع الاقتصاد المتعدد وظهور نشط للاقتصاد الاستهلاكي. وفي دولة الاقتصاد الريعي يستحيل تنازل الفئة الحاكمة عن سلطتها ونفوذها ومغانم السلطة لأي فئة اخرى ولذلك نجد في العراق يبذلون جهودا كبيرة لتفصيل قوانين الانتخابات وفقا لمقاساتهم ويعملون بموجبها على تهميش وابعاد القوى الوطنية الاخرى ( التي يسمونها بالصغيرة ). وفي البلدان الريعية مثل العراق تنتشر مظاهر الهدر والتضخم وارتفاع اسعار صرف العملة وتنامي الفوارق الاجتماعية والركود وصعوبة تحقيق الاصلاحات السياسية والاقتصادية وتضخم الأجهزة البيروقراطية واستشراء الفساد. وفي العراق ذو الاقتصاد الريعي تعطلت فيه مفاعيل النمو والتطور, كما ان الاقتصاد الريعي يساعد على انتشار المحسوبية والفساد ويشجع على الميول الاستبدادية للسلطة وتضخم اجهزة الدولة وتغولها, لذا يعتبر الريع عنصرا معيقا للديمقراطية. ومن الناحية الاقتصادية يفترض ان يخصص معظم العائد النفطي العراقي للأغراض الاستثمارية مثل ما حصل في ظل مجلس الاعمار في الخمسينات واوائل الستينات عندما خصص 75 بالمئة ومن ثم 50 بالمئة منها الى الميزانية الاستثمارية , بينما نجد اليوم ان معظم الموازنة هي للأغراض التشغيلية ثلثها يذهب للرئاسات الثلاث وثلثها للرفحاويين وثلثها للفساد.

الدستور العراقي

وفيما يتعلق بالدستور العراقي لعام 2005 فقد  تناول موضوع الثروة النفطية والغازية التي اعتبرها ملكا لكل الشعب العراقي كما ورد ذلك في المادة ( 111) منه والتي نصت على :((النفط والغاز هو ملك كل الشعب العراقي في كل الأقاليم والمحافظات)) , غير ان هذا النص الدستوري بعيد كل البعد عن التطبيق الواقعي. اما المادة (112 /اولا) من الدستور فنصت على : ((تقوم الحكومة الاتحادية بإدارة النفط والغاز المستخرج من الحقول الحالية مع حكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة على أن توزع وارداتها بشكل منصف يتناسب مع التوزيع السكاني في جميع انحاء البلاد مع تحديد حصة لمدة محددة للأقاليم المتضررة والتي حرمت منها بصورة مجحفة من قبل النظام السابق والتي تضررت بعد ذلك بما يؤمن التنمية المتوازنة للمناطق المختلفة من البلاد وينظم ذلك بقانون )). فهل تم توزيع واردات النفط بشكل منصف يتناسب مع التوزيع السكاني في جميع انحاء البلاد ؟ وهل تم تنظيم قانون خاص بذلك منذ2005  والى اليوم ام بقي الدستور مجرد حبر على ورق ؟

تقرير البنك المركزي

في تقرير للبنك المركزي العراقي  ذكر ان عائدات البلاد من تصدير النفط العراقي منذ 2005 بلغت اكثر من 700 مليار دولار امريكي  لكنها لم تنفق لتحسين الأوضاع المعيشية للعراقيين وتطوير اقتصاد البلاد مما ادى الى الاحتجاجات الغاضبة في معظم المحافظات العراقية لنقص الخدمات وارتفاع معدلات البطالة والفقر وتخلف التعليم والصحة والكهرباء  وضياع مليارات الدولارات بسبب فساد  المسؤولين وسوء الادارة. وحتى يكون النفط العراقي لكل العراقيين ينبغي التخلص من الاقتصاد الريعي وحيد الجانب وتنويع مصادر الدخل القومي وتشريع قانون منصف يضمن توزيع حصة من عائدات النفط لكل عراقي داخل العراق والزام السلطة التنفيذية بتنفيذه فالعراقيون لم يشهدوا اي فائدة تذكر من عائدات النفط وحتى لو زادت اسعاره في الأسواق العالمية ولكنهم يتحملون التقشف عند انخفاض اسعاره. لقد استحوذ الساسة الفاسدون على معظم موارد النفط وفقا لتقرير نشرته صحيفة الغارديان البريطانية  والتي اشارت الى اشتعال غضب العراقيين في المدن العراقية لتفشي البطالة ونقص الخدمات .

ضياع الموارد المالية

لقد حصل العراق في الفترات السابقة على عوائد مالية كبيرة نتيجة ارتفاع اسعار النفط الخام، فعلى سبيل المثال بلغت عائدات النفط العراقي المصدر خلال شهر تموز من عام 2012  (7,5) مليار دولار بمعدل  ست وتسعون   دولارا للبرميل الواحد وبكمية مقدارها 77 مليون برميل الا ان زيادة العائدات المالية  لم تسهم في تحسين الدخل الشهري للمواطنين، ولم تحقق التنمية الاقتصادية الاجتماعية ولم تحل ازمة البطالة المستفحلة ، ولا أزمة السكن ولم تحسن تقديم الخدمات ولم تطور قطاع الكهرباء والنقل او تسهم في تنفيذ المزيد من مشاريع البنى التحتية في مختلف القطاعات الاقتصادية والخدمية عموما. بل تم ابتلاع هذه العوائد المالية الكبيرة من قبل مافيات الفساد المنتشرة في معظم مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية وساهم سوء الادارة والمحاصصة وعدم وضع الشخص المناسب في المكان المناسب وغياب الاستراتيجية الاقتصادية الواضحة في ضياع هذه الاموال وبقاء الاقتصاد العراقي متخلفا احادي الجانب خاضعا لتقلبات اسعار النفط وبالتالي فان زيادة عائدات النفط خلال الفترات السابقة لم تحد من الفقر في البلاد وتحسن اوضاع الناس وخاصة الفئات الاشد ضعفا. واشار تقرير مجموعة البنك الدولي الى انه في عام 2012 عاش 20 بالمئة من سكان العراق تحت خط الفقر وكانت نسبة كبيرة من الشعب العراقي عرضة للسقوط في براثن الفقر مبينا ان الفئات الاكثر ثراء من السكان قد حصدت النسبة الاكبر من المكاسب. كما شخص التقرير ايضا وجود((ارث صعب  من العنف والهشاشة والضعف المؤسسي في العراق الذي يواجه تحديات هائلة على المدى البعيد قد تستغرق وقتا طويلا للتغلب عليها)). وأوصى التقرير بتطبيق سلسلة من السياسات والاجراءات ذات الاولوية بهدف تعزيز رفاهية المواطنين, واشار الى ((ضرورة الحفاظ على النمو الاقتصادي وادارة عائدات النفط وتنويع الاقتصاد لصالح الانشطة التي يقودها القطاع الخاص والقطاع غير النفطي وذلك من اجل خلق مناخ مؤات لأنشطة الاعمال والاستثمار وخلق فرص عمل ستشتد الحاجة اليها مستقبلا. ان تحقيق النمو الاقتصادي في العراق بحاجة الى توليد فرص عمل ودخل لمن هم بأشد الحاجة اليه وتطوير ودعم القطاع الخاص وتأهيل وتطوير مؤسسات القطاع العام الانتاجية والخدمية الى جانب تطوير القطاعين المختلط والتعاوني, والادارة الناجحة لعائدات النفط وتوجيهها نحو تطوير الصناعة والزراعة والسياحة والتعدين وغيرها من القطاعات الاقتصادية الاخرى الى جانب اهمية احلال الامن والسلام والقضاء على الارهاب ومكافحة الفساد اينما وجد وتوفير مناخ تجاري واستثماري وتطوير المصارف وتحسين البنية التحتية للكهرباء والنقل وتطوير التعليم بمستوياته كافة والقضاء على الامية وتشجيع البحث العلمي, وهذه كلها شروط مسبقة لتحقيق النمو الاقتصادي وتحسين مستوى المعيشة. لقد فشلت الحكومات المتعاقبة بعد 2003في تحقيق التنمية الاقتصادية/ الاجتماعية وتحقيق نقلة نوعية للبلاد في ميدان التقدم والاستفادة من عائدات النفط الكبيرة في تحقيق هذه التنمية والحد من الفقر وتحسين اوضاع الناس المعيشية والتخلص من السمة الاحادية لاقتصادنا وتنويع مصادر الدخل الوطني. لذا من الضروري استثمار عوائد النفط خلال الفترة القادمة وتوظيفها بالطريقة التي تغير البلاد اقتصاديا وتحقق نقلة نوعية في بنيتها التنموية . فهل يستطيع البرنامج الحكومي للسنوات 2018 -2022 الذي اعلن مؤخرا بمحاوره الخمسة  تحقيق ذلك؟ وهل سيكون النفط العراقي لكل العراقيين وليس للفئة الحاكمة حصرا ؟ أشك في ذلك…

مشاركة