هل اتاك حديث الأوفياء ؟ – حسين الصدر

476

هل اتاك حديث الأوفياء ؟ – حسين الصدر

-1-

حين تُذكر المناقب والصفات الحميدة يكون (الوفاء) واسطة العقد في تلك المنظومة الأخلاقية .

وليس ثمة من خلاف او نقاش في أنَّ الاوفياء محبوبون مكرّمون، ولن تغيب مواقفهم عن الاذهان ، وكفاهم ذلك مفخرا ..

-2-

ونطاق الوفاء لا ينحصر في اطار العلاقات الشخصية وانما يمتد ليشمل قضايا خطيرة مهمة في طليعتها :

الوفاء للرسالة ،

والوفاء للوطن ،

والوفاء للقيم الأخلاقية الأصيلة …

-3-

وعلى هذا فان الشهداء هم سادة الأوفياء لانهم ضحوا بأرواحهم مِنْ أجل مبادئهم وأوطانهم .

ومن هنا احتلوا موقعاً متميزاً من القلوب، ومما قلناه في الشهيد :

جعل الموت للحياة سبيلا

ومضى ناصعَ الجبين نبيلا

ويشعّ الشهيدُ في الأفق شمساً

وضياءً على المدى موصولا

وتموت الأجساد والنهجُ باقٍ

يتحدى الطغاة جيلا جيلا

انّ خير الرجال من جاد بالنفس

وأبقى في الناس ذِكراً جميلا

-4-

وضرب أصحاب الامام الحسين (ع) أروع الأمثلة في الوفاء حتى قال فيهم (عليه السلام ) :

{ فاني لا أعلم اصحابا اوفى ولا خيراً من أصحابي }

ان عمرو بن قرظة الانصاري جاهد يوم الطف جهاد الواله المستميت، وجعل أضلاعه ترساً للحسين يتلقى دونه سهام (العدو) ويستقبل بصدره الحراب والاسنة .

ورغم ذلك كله ساوره الشك في وفائه فقال للحسين :

يا ابن رسول الله :

هل وفيتُ بالعهد ؟

فقال الحسين (ع) :

نعم

لقد وفيتَ وأحسنت

راجع كتابنا : كربلاء الملحمة الخالدة والمدرسة الواعدة ص 74-75

-5-

ولم تكن منازلة الابطال العراقيين للداعشيين الاوغاد الا فصلاً جديداً من فصول الفداء والوفاء الخالديْن .

-6-

وقد وقفت على لون جديد من ألوان الوفاء … وهو الوفاء للمكان …

قرأت ذلك في الكتاب النفيس الممتع الذي كتبه الاستاذ الدكتور ابراهيم العاتي عن الشاعر الشهير المرحوم السيد احمد الصافي النجفي والذي اسماه (غربة الروح ووهج الابداع) حيث جاء في الصفحة  53 قوله :

” لابد من الاشارة الى ان تمسك الصافي بالسكن في غرفته القديمة في جامع ومدرسة الخياطين بدمشق القديمة رغم حالتها المزرية التي وضعها في شعره هو نوع من الفته للاماكن الموحشة .

وقد نقل لي الشاعر انّ وزير الأوقاف السوري قد استقبله مرة قبل عقود وأخبره ان الوزارة راغبة في اعطائه بيتا مريحا في احد املاكها المنتشرة بدمشق تقديراً لمكانة الشاعر الأدبية وانقاذا له من تلك الغرفة البائسة التي يقطنها والتي لا تليق بامثاله قال فأجبته :

اني سكنت هذه الغرفة مدة اربعين عاماً وكتبتُ فيها ثلاثة عشر ديواناً فهي (كغار حراء) بالنسبة لي وليس من الوفاء بعد تلك العشرة الطويلة ان افارقها او ارحل عنها ..!! “

راجع غربة الروح ووهج الابداع ص 53

واذا كان هذا الوفاء للمكان غريباً في بابه ، فالغرائب في حياة الصافي كثيرة ، وقد كشف الدكتور العاتي النقاب عنها في سفره الفريد عن الصافي .

ويعدّ كتاب الدكتور العاتي عن الصافي مِنْ أهم المصادر ، لانه كتب بعد معايشة طويلة جعلت المؤلف محيطاً بالكثير من الاسرار والاخبار عن الصافي النجفي .

مشاركة