هل أتاك حديث المتنبي مع الصابّي ؟ – حسين الصدر

هل أتاك حديث المتنبي مع الصابّي ؟ – حسين الصدر

-1-

هناك فارق كبير بين حالتيْن :

حالة السخاء في بذل الأموال لتحصيل المدائح الشعرية من شعراء عمالقة لهم أوزانهم المتميزة في دنيا الشعر والأدب والزهو والافتخار الشخصي بها ،

وحالة أخرى يُقدّم فيها الممدوح الهبات والعطايا والجوائز لمادحيه من الشعراء حُبّاً وتكريماً وإشعاراً لهم بوافر التقدير .

الحالة الأولى :

لا تصدر إلاّ مِنْ نرجسيٍّ مفتون بنفسه ، ولا يبالي بالانفاق في مضمار تحصيل المدائح مهما كانت الأرقام .

وهذا مما لا يحمد عليه احد .

انّ النرجسية من أعظم ما تُمنى به الذات مِنْ  ضيق ومحدودية .

أما الحالة الثانية فهي منقبة يُشكر عليها المنفقون لمن أحسن اليهم ورددوا على تحيته بأحسن منها .

ومقابلة الاحسان بالاحسان لا يحيد عنها أصحاب المكارم الحسان

-2-

ووفق هذا المعيار يمكن أنْ نَفّهم ما انطوت عليه النفوس من سجايا وصفات :

انّ ( القائد الضرورة ) المقبور ولفرط نرجسيته واعجابه بنفسه كان يُوزّع الأموال الطائلة على أصحاب الأقلام الماجورة في شرق الأرض وغربها، يشتري بها مدائحهم، وكل ذلك لم يكن الاّ من المال العام، وعلى حساب المواطنين العراقيين، الذين أفقرهم بمغامراته الطائشة وحروبه العبثية الظالمة، حتى بلغ الحال بالكثيرين منهم ان يبيعوا أبواب غرفهم من أجل تأمين لقمة العيش لعوائلهم …

ان النرجسية تعني في مثل هذه الحالة السفالة والنذالة وانعدام المروءة ولا تعني شيئا آخر .

وقد قرأّت خبراً جعلني أضع (أبا اسحاق الصابي) في هذا الصف النرجسي من الناس ، حيث جاء في الخبر :

إنّ الصابي راسل المتنبي راغبا في أنْ يمدحه بقصيدتيْن على أنْ يُقّدم له خمسة آلاف درهم، وكان الوسيط بين الرجليْن تاجراً معدوداً في الوجوه منهم ، وحين فاتح (المتنبي) بما أراد ” الصابي ” منه قال له :

قل لابي اسحاق الصابي :

واللهِ ما رأيتُ بالعراق مَنْ يستحق المدح غيرك ، ولكنْ إنْ مدحتُك تُنَّكَرَ لك الوزير أبو محمد المهلبي ،

وتغيّر عليك لأنني لم أَمْدَحْهُ فان كنتَ لا تُبالي بهذه الحال فأنا أجيبُك الى ما التمستَه مني، وما أريد منك مالاً .

وكان هذا الجواب كافياً في اقناع ( الصابي ) بخطل وخطأ ما أراد

أقول :

في جواب المتنبي مبالغة كبيرة ، ومجاملةٌ خطيرة دعتْه الى اعتبار ( الصابي ) الرجل الوحيد الجدير بالمدح، وتزول الغرابة اذا حملنا هذا على المجاملة وجبر الخواطر ..!!

والمهم :

انَّ الكثير من أصحاب المواقع السلطوية العالية يغضبون إنْ مُدِحَ غيرُهم ممن يرونه دونهم، ولا يحظون من المادح الشهير بمديح ..!!

وقد تشتعل في نفوسهم نيران الحسد … وَيُنكِّلون بالممدوح …

وأخيراً :

فانَّ المتنبي أوصد باب المقايضة بين المال وبين القصيد

ولقد  رفض العرض المقدّم اليه رفضا قاطعاً ،

وأظهر حنكة وفطنة اجتماعية يشكر عليها ، فقد غفل عنها الصابي

وهكذا أصبح ( المتنبي ) رائدا من روّاد تنزيه الأدب من الانحدار الى مستوى جَعْلِه سلعَةً تباع وتشترى ..!!

وهنا يكمن الدرس البليغ، الذي لابُدَّ أنْ يتعظ به اللاهثون وراء المال ممن سخّر الأقلام لصالح الأقزام من الحُكّام وأصحاب الثروات الضخمة لا لشيء الاّ طعماً بجوائزهم في حين يعاني الكثير من المبدعين الوحشة من قلة المحتفين بهم على الصعيدين الرسميّ والشعبي .

مشاركة