هل أتاك حديث الحريري ؟ – حسين الصدر

هل أتاك حديث الحريري ؟ – حسين الصدر

-1-

مقامات الحريري كانت محل تداول وتدارس عند جمهور المتأدبين غير أنَّ انخفاض مناسيب الاقبال على الأدب ، والعناية بالكتب الادبية الشهيرة، أدّى الى أنّك اذا ذَكرتَ الحريري اليوم انصرفت الأذهان الى رفيق الحريري او ابنه سعد الحريري، وهكذا اصبحت الأذهان تنصرف الى رجال المال بعد أنْ كانت تنصرف الى رجال العلم والأدب والثقافة والبراعة والمهارة في شتى الفنون .

-2-

قال الزمخشري (جار الله) صاحب تفسير الكشاف في (مقامات الحريري) :

أقسم بالله وآياتِه

ومشعرِ الخيفِ وميقاتهِ

انّ الحريريَّ حريُّ بأن

نكتبُ بالتِبر مقاماتِه

-3-

جاء في التاريخ :

إنّ القاسم بن على الحريري صاحب المقامات الشهيرة كان دميماً –والدمامة هي القبح في الشكل – ولكنّ دمامته لم تمنعه مِنْ أنْ يكون واحداً من مشاهير رجال الأدب .

وقد جاءه أحدُهم لينهل شيئا من ينابيع أدبه، فما رآه دميماً صَغُر في عينه وازدراه …

وأحس الحريري بذلك ، وحين سأله الرجل أنْ يُمْلي عليه شيئا من الشعر والأدب ، قال الحريري أكتب عني :

ما أنتَ أوّلُ سارٍ غَرّهُ قمرٌ

ورائدٍ أَعْجَبَتْهُ خُضرةُ الدّمَنِ

فاخترْ لِنَفْسِكَ غيري إنّني رجلٌ

مثل المعيديّ فاسمعْ بي ولا تَرَنِي

وفي البيتين نَقَد الحريريُّ ذاته، ووّجه رسالة واضحة الى الرجل مفادها:

انصرف وابحث عن غيري مادمتَ مزدريا لشكلي .

وهنا كانت المفاجأة ، فقد دهش الرجل لما راى مِنْ سُرعة بديهة الحريري وقوة فراسته فقال :

كانت مُساءلةُ الركبان تُخْبرني

عَنْ ( قاسمِ بن عليٍّ ) أطيَب الخَبَرِ

حتى التقينا فلا والله ما سمعتْ

أُذُني بأحسن مما قد رآى بَصَري

واعتراف الرجل بألمعية الحريري وأنه ملء السمع والبصر كفيلٌ بتأكيد الحقيقة القائلة :

الرجال مخابر لا مظاهر

ومن هنا :

تعظم أهمية العناية الفائقة بالعلم والأدب ، حيث أنهما العمود الفقري لكل الطامحين الى ان يكونوا ملء الأسماع والأبصار،

وقد أحسن المتنبي حينما قال :

ترُيدينَ لقيانَ المعالي رخيصةً

ولابُدَّ دُونَ الشَهْدِ مِنْ إبَرِ النَحْلِ

والعلم والأدب ليسا مما يُنال بالتمنيات، ولابُدَّ من خوض غمار المعاناة الصعبة في رحلة الوصول الى امتلاك شيء من البراعة فيهما .

وهنا تكمن العظة .

مشاركة