هكذا مات الدكتور معن جاسم – جليل وادي

349

كلام أبيض

هكذا مات الدكتور معن جاسم – جليل وادي

(لا أستطيع المقاومة بدون اوكسجين)، هذه هي العبارة الأخيرة التي تفوه بها الدكتور معن جاسم قبل أن يلفظه أنفاسه الأخيرة، كان يظن ان بمقدوره البقاء على قيد الحياة عندما قرر حجر نفسه في منزله، لكن الهواء شح عليه برغم بنيته الشبابية وسلامة جسده، فتقرر نقله الى المستشفى بالرغم من ضعف الثقة المتنامي لدى الناس بمستشفياتنا مع انها تزدحم بالكوادر الطبية الكفوءة والعناصر الوطنية المخلصة والمستعدة للتضحية من أجل صحة المجتمع وسمعة البلد، ولكن ما يفعل طبيب عندما لا يجد أبسط الأدوات التي تمكنه من التصدي لوحش كاسر يسرق الأبناء من بين الأحضان بيسر وسهولة ؟، ويمحو تاريخا، وينكب المئات، ويخلف الصدمات، ويهدر جهدا ومالا ووقتا لطالما أنفقته الدولة لتأهيل شبابها ليكونوا بمرتبة العلماء والمفكرين، ويحرم أجيالا من خبرتهم وحصيلتهم المعرفية.

مَنْ المسؤول عن هدر ثرواتنا البشرية التي تحصد أرواحها الحروب العبثية والايديولوجيات الظلامية والأوبئة القاتلة والنظرات القاصرة والانفعالات الطائفية ؟، كل من يتصدى للمشهد السياسي مسؤول عما نمر به من كوارث، والا من غير المعقول أن يقتل 700 شاب لمطالبتهم بدولة مدنية لا مكان فيها للفاسدين والاميين والمتطفلين على السياسة والادارة، وضعفهم في مجزرة (سبايكر) جراء عدم التحسب، والآلآف في المحنة الطائفية عندما أهملنا شبابنا ليذهبوا ضحية التضليل والأوهام، والملايين الذين تنهش البطالة في أجسادهم وعقولهم.

وكان عارفون قالوا منذ لحظات التغيير الاولى ان الدولة المدنية هي الحل، فهي التي بمقدورها توفير الاوكسجين لكي لا يموت دكتور معن جاسم وأحمد راضي وغيرهما من الذي أفنوا أعمارهم في خدمة هذه الدولة التي فشلت في توفير الاوكسجين، لتستجديه من بلدان لم يخطر في بال أحد من العراقيين أن يأتي يوم أسود يتحول فيه العراق من العطاء الى الاستجداء. ويستجدي رواتب موظفيه، وتُكبل أعناق الأجيال اللاحقة وترهنها لديون الصناديق الدولية.

ومع ان الكل مسؤول، لكن الكل يرى نفسه غير مسؤول، وبحماس تراهم يصدرون البيانات ويملأون الفضائيات بكلام يظنونه نيرا، وما هو كذلك أبدا، ومن فشل الى آخر، ورغم ذلك يشدون الأحزمة استعدادا لانتخابات مبكرة، وماذا ستقدمون وقد تشابكت اللحى بأفعالكم حتى لم يعد بالمقدور التركيز لمعرفة المسالك الآمنة للخروج من مستنقعات آسنة.

تعرفون ونعرف انكم غير قادرين على اصلاح الخراب الذي مضى عليه ما يقرب العقدين من الزمن، وتدركون حجم التعقيد الذي بلغته مصيبتنا، فإلى ماذا يتطلع الراغبون بالفوز في انتخاباتنا القادمة، وهم أنفسهم الذين فشلوا في تصويب المسارات والارتقاء بأحوال الناس والوطن فيما مضى، فلا يفوز غيرهم طالما السلاح منتشر في عرض البلاد وطولها.

 أكاد اجزم ان الجميع ذاهب لتأمين المصالح الشخصية، وتمتين المتاريس لحماية النفس من تقلبات الأوضاع، اما الاصلاح فيراد له قادة بمواصفات مختلفة تماما عما هو موجود أمامنا، وأولها الاستعداد للتضحية بالنفس، والعراقيون والتاريخ يستحقان ذلك، لكن الفاسدين ومن ارتمى في أحضان الغرباء لا يعني لهم التاريخ شيئا على الاطلاق.

لست بخاسر يا دكتور معن، ففيك أرى جميع الراقدين في المستشفيات والبيوت، والذين ينهشهم القلق، فدائرة الموت تتسع يوما بعد آخر، فما عليك قمت به وزيادة، لا يمكن لطلابك وزملائك أن ينسوا وطنيتك التي جسدتها بأفعال ملموسة وليس بشعارات كما يفعل الذين يصفون أنفسهم بــ(القادة)، لقد حُرمت الاستمتاع بنهاراتك، كان الليل يأتي بك ويأخذك من البيت الى الكلية وفي أقسى الظروف وأعقدها، مضحيا بنفسك وراحتك من أجل طلابك، ولم تشتك يوما او تتذمر، وبابتسامة هادئة تستقبلهم، فاتصلوا بهاتفك برغم انهم متأكدين من خبر وفاتك، لكنهم لا يريدون التصديق، وللأسف لم يأت رد، كنت الدرس الذي يقول (ان الأوطان تبنى بالهدوء وليس بجعجعة السلاح) كما يفعلون.

ديالى

مشاركة