هكذا عادت مصر وبقيت كامب ديفيد

574

فتوى قمة الحسين بعد قمح فهد ومعرض سلمان

 هكذا عادت مصر وبقيت كامب ديفيد

كان من الطبيعي أن الرئيس أنور السادات بخيار السلام الثنائي مع إسرائيل الذي فاجأ به الأمة بدءاً بالإعلان يوم 9 نوفمبر/ تشرين الثاني 1979 في خطاب أمام البرلمان وبحضور الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات عن أنه مستعد للذهاب إلى القدس وإنتهاءاً بالإتفاقية التي أبرمها يوم 17 سبتمبر/ أيلول 1978 مع مناحيم بيغن برعاية الرئيس الأميركي التاسع والثلاثين جيمي كارتر وعُرفت إتفاقية كامب ديفيد”، أن يحوِّل تقليد القمم العربية إلى وقفات عقابية لمصر بعدما كانت دائماً وقفات إيجابية لمساندتها.. وبالذات في الفترة بين هزيمة 5 يونيو 1967 التي مُني بها عبد الناصر وحرب 6 أكتوبر 1973 التي حقق فيها السادات نصراً نوعياً ما كان لولاه أن يزور القدس يوم السبت 19 نوفمبر 1979 ويخطب في الكنيست ثم يضع لاحقاً توقيعه على إتفاقية السلام إلى جانب توقيع مناحيم بيغن ويعلن أن حرب 1973 هي آخر حروب مصر مع إسرائيل. كان القادة العرب الذين إلتقوا في قمة إستثنائية في بغداد من 2 إلى 5 نوفمبر/ تشرين الثاني 1978 متعجلين في ما إتخذوه من قرارات رداً على الفعل الساداتي وبعضهم وافق على مضض، وقيل نتيجة تلويح ثوري بما هو أعظم. ولم تقتصر القرارات على عدم الموافقة على إتفاقيتيْ “كامب ديفيد” ودعوة الرئيس السادات إلى العودة عنهما، وإنما نقْل مقر الأمانة العامة للجامعة من القاهرة إلى تونس وتعليق عضوية مصر وتطبيق قوانين المقاطعة على الشركات والأفراد المتعاملين في مصر مع إسرائيل. ومع أن القرار ميَّز بين ما فعله النظام وبين الشعب إلاَّ أن الإكتفاء بقرار رفْض الإتفاقيتيْن وترْك مسألة نقْل مقر الأمانة العامة للجامعة إلى قمة لاحقة كان ربما أفضل.

فرصة مناقشة

ونقول ذلك على أساس أنه لم تُترك للرئيس السادات فرصة مناقشة الأمر وربما التوصل مع القادة العرب إلى صيغة ما. كما أن عدم تعبير السادات في تعليقه على قرار تعليق العضوية ونقْل مقر الأمانة العامة للجامعة إلى تونس على النحو الذي صدر عنه، كان هو الآخر بدوره أفضل. وللتذكير فإن تعليقه تمثَّل بعبارة “خدوها. مصر مش عايزه الجامعة هذه”، ثم يضيف مستنداً على وقوف “سودان جعفر نميري” معه عبارة “أنا والسودان نصف الأمة العربية”. وتلك حِسْبة تبيَّن أنها غير ذات جدوى لأن ما إتخذتْه “قمة صدَّام حسين” من قرارات كانت مربكة لمصر إنما ليس بمقدار  الألم الذي أخذ طريقه إلى نفوس أبناء الأمة من المحيط إلى الخليج. بعد “قمة صدَّام حسين” التي كانت التاسعة في  مسلسل القمم العربية توالت قرارات التأكيد على المضمون العقابي والتمني بأن يلغي السادات ما إتخذه من خطوات على رغم أنها باتت من النوع الذي لا رجعة عنه. وفي كل قمة بين التاسعة الإستثنائية في بغداد والقمة في عمان (من 25 إلى 27 نوفمبر 1980) كان القادة العرب يحاولون كل بنسبة متفاوتة ترطيب جفاف قرارات تعليق عضوية مصر في الجامعة العربية ونقْل مقر الأمانة إلى تونس. وجاء قرار “قمة الملك حسين” تستنبط “فتوى سياسية” تريح الجميع عدا ليبيا معمَّر القذّافي وسوريا حافظ الأسد حيث أنهما حرَّما ما أفتت به القمة وتم تثبيته بالنص الآتي: “إن أصحب الجلالة والسيادة والسمو ملوك ورؤساء وأمراء الدول العربية المجتمعة في إطار مؤتمر القمة العربي غير العادي المنعقد في عمان من 8 إلى 11 نوفمبر 1987 قرروا بعد دراسة مستفيضة وأخوية أن العلاقة الدبلوماسية بين أي دولة عضو في الجامعة وبين مصر عمل من أعمال السيادة تقرره كل دولة بموجب دستورها وقوانينها وليست من إختصاصات الجامعة العربية”.

ربما كانت فاجعة الحرب اللبنانية هي الدافع إلى إعادة نظر متدرجة في قرار الإبتعاد عن مصر، وربما الإقتناع بأن ما هو مطلوب من مصر، أي إلغاء إتفاقية السلام مع إسرائيل غير وارد التنفيذ لتعقيدات دولية.. فضلاً عن أن الرأي العام المصري أبدى نسبة ملحوظة من القبول وإن على مضض بخطوة السلام التي إتخذها رئيسهم. ونقول ذلك مع الأخذ في الإعتبار النقطة الأهم وهي أن مسبِّب الخطوة المؤلمة  بات في ذمة الله حيث قضى إغتيالاً يوم 6 أكتوبر/ تشرين الأول 1981 عندما كان يحتفل بذكرى حربه التي إستند إلى إنجازاتها في الجنوح نحو السلام مع إسرائيل. وما دام السادات قضى إغتيالاً فليكن القرار العقابي مقضياً بصيغة ما عليه، ومباشرة التعامل مع الرئيس الوريث حسني مبارك. ومن هنا جاءت “فتوى” القمة العربية في عمان التي تركت لكل دولة سبق أن شاركت في “قمة صدَّام حسين” عام 1978 العودة بموجب “قمة الملك حسين” بعد تسع سنوات عقابية، عما سبق إتخاذه.. وبصرف النظر إذا كان ذلك عن إقتناع أو تحت وطأة مناخ ثوري ثأري ضد مصر الساداتية. رحل السادات في واقعة لم تتضح خفاياها وربما يبقى هذا الوضوح في عِلْم الإضبارات السرية، وبدأت مصر السير على الخط نفسه بعد رحيل السادات وتسلُّم نائبه حسني مبارك مقاليد الرئاسة. وقبْل بضعة أشهر من “فتوى” القمة التي إستضافها الملك حسين، كانت للمملكة العربية السعودية المتفهمة ظروف مصر السادات والمهتمة بإستقرار العهد الوريث، لفتة أخوية المعنى ونخوية التصرف. وهذه تمثلت ببرقية تلقَّاها الرئيس مبارك من الملك فهد بن عبد العزيز “رحمة الله عليه” ونشرتْها الصحف السعودية الصادرة يوم 9 يوليو/ تموز 1986 وذلك بهدف أن يطلِّع عليها أبناء الشعب السعودي بمثل إطلاع الشعب المصري عليها. كانت البرقية بالنص الآتي:”صاحب الفخامة الأخ الرئيس حسني مبارك حفظه الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وتحية أخوية مقرونة بأطيب التمنيات.

وبعد، وبمناسبة إنتهاء الموسم الزراعي في المملكة العربية السعودية لهذا العام، يسرني أن أقدِّم نيابة عن شعب المملكة لجمهورية مصر العربية مائتيْ ألف طن من القمح السعودي وهي هدية تعبِّر عما تكنه المملكة العربية السعودية من تقدير وإحترام لجمهورية مصر العربية بقيادتكم الحكيمة.

ودمتم في حفْظ الله. فهد بن بن عبد العزيز”. كانت الهدية المعنوية جزءاً من محصول المملكة من القمح المحلي في العام 1985 والذي بلغ مليوناً وثلاثمئة ألف طن، منها مئة وخمسين طن إحتياطي. هدية القمح تزامنت مع كلام تبادله الملك سلمان بن عبد العزيز (أمير الرياض زمنذاك) مع الرئيس مبارك وذلك لمناسبة قدومه إلى القاهرة لإفتتاح معرض “المملكة العربية السعودية بين اليوم والأمس” يوم 17 يونيو/ حزيران 1987 وبحيث يدوم 12 يوماً (ضُعف المدة لما كانت عليه خلال دورات المعرض في كل من ألمانيا ولندن وباريس). ففي تصريحه الأول عند وصوله إلى القاهرة قال “إن الشعب المصري في مقدمة الشعوب العربية وإنه من الواجب إعترافاً بدور الشعب المصري ومساهمته الفعالة في إمداد السعودية بالخبرة والأيدي العاملة في كل المجالات، أن يرى الشعب المصري بنفسه إنجازات شقيقه السعودي”.

علاقة ثنائية

وبعد إستقباله للصديق التاريخي العريق لمصر سلمان بن عبد العزيز قال الرئيس مبارك أمام الصحافيين والإعلاميين إنه بحث معه العلاقة الثنائية بين البلديْن والوضع في الخليج. وعندما لاحظ الرئيس أن هؤلاء يريدون منه المزيد وبالذات حول عودة العلاقات المصرية – السعودية إلى دفئها قال لهم “إن العلاقات بين مصر والسعودية علاقات طبيعية أصيلة وجذورها قوية. وطوال عمرنا نتعامل، والسفراء موجودون. نروح ونيجي.. والسفير ربما لا يعرف”. هدية القمح المقرونة بكلام طيِّب وبمفردات من الود تبادلها مبارك وسلمان بن عبد العزيز، لا بد كانت إذا جاز القول التمهيد المتأني لما تم إتخاذه في “قمة الملك حسين”.

وبعد ذلك بدأت الخطوة المتأنية للعودة المتبادلة بين أكثرية الدول العربية ومصر، بإستثناء ليبيا القذَّافية وسوريا الأسدية اللتيْن سجَّلتا إعتراضهما على قرار إعادة العلاقات الثنائية الذي ثبّتْنا نصه وحجتهما في ذلك “أن القضية قومية والقرار قومي والأسباب التي أدت إلى قطْع العلاقات لم تزل قائمة وأن ذلك سيؤدي إلى قيام بعض الدول العربية بإفتتاح سفارات لها في القاهرة الذي يرتفع فيه العَلَم الإسرائيلي فوق سفارة العدو في القاهرة…”.

طُويت صفحة تعليق عضوية مصر في الجامعة العربية. إستأنفت جميع الدول العلاقات بما في ذلك سوريا وليبيا لاحقاً. قد تكون عدم مشاركة حسني مبارك في زيارة القدس وفي محادثات “كامب ديفيد”، من عناصر إعادة النظر العربية، وربما لتفهُّم الجميع وبنِسَب متفاوتة قول الرئيس مبارك لنا نحن عدداً من الإعلاميين والمراسلين الأجانب “لقد قلت للقادة العرب والمسلمين الذين طالما فاتحوني بأمر إلغاء معاهدة “كامب ديفيد” وبذلك ينتهي أمر تعليق عضوية مصر وتعود الجامعة إلى القاهرة وكذلك العلاقات على نحو ما كانت عليه دائماً طيِّبة، أنا لن ألغي معاهدة “كامب ديفيد” لأن إلغاءها يعني إعلان الحرب على إسرائيل. والقادة العرب يتفهمون موقف مصر. سألْتهم هل إذا حاربت مصر إسرائيل تقفون معها؟ كلهم قالوا لي: لا نستطيع. مَن يحارب إسرائيل معنا؟ العراق مشغول بحرب الخليج. وسوريا متآمرة مع إسرائيل(يومها كان هذا رأيه في موقف الرئيس حافظ الأسد). ودول الخليج تعيش خوفاً من التهديد الإيراني. مَن يبقى إذاً؟ الجزائر على بعد ألوف الكيلومترات. لا أحد. لا أحد. حتى المساعدات العربية غير مضمونة. إذاً إلغاء المعاهدة معناه تدمير كل شيء، وهذا ما تريده إسرائيل. أنا مهمتي الآن بالتحديد هي: حل مشكلة الديون وإستكمال خطة إعادة البنية التحتية لمصر، والحفاظ على الديمقراطية والحريات والقانون.

وعندما تتخلص مصر من مشاكلها لنا كلام آخر. أما قبْل ذلك فأنا غير مستعد للإنتحار، وإذا أراد أحدكم إلغاء إتفاقيات “كامب ديفيد” فليبحث له عن رئيس آخر غيري…”. هذا ما حدث لإستعادة مصر إلى مكانها ومكانتها بعد عقاب غير مسبوق كان مؤلماً عند إتخاذه. وكانت إعادة النظر أكثر إيلاماً لأن السبب الموجب بقي على حاله. وفي هذه الحال تتقدم الحنكة والحكمة على مشاعر الغضب ويبدأ التشاور في الذي هو آت. ما يخص سوريا البشَّارية يختلف.

قرار عقابي

هنا مسؤولية الشعب السوري في المحاسبة تبدأ من حيث أعاد القادة العرب النظر في قرارهم العقابي. كما هنا إختبار نوايا الرئيس بشَّار الأسد ومواقفه وهل سيحاسب نفسه لخروجه على المبادرة الحكيمة من جانب الملك عبدالله بن عبد العزيز في القمة الإقتصادية في الكويت (يناير 2009) وبذلك يرى السلامة والأمان في فضائه العربي على نحو ما إنتهجه حسني مبارك طوال ثلاثة عقود من الترؤس. لا إجابة حاسمة قبل الإختبار… والإعتذار من الشعب السوري وبالذات البضعة ملايين الهائمين الذين لا ذنب لهم ولا مطالب سوى أن يتأمل الرئيس الحاكم في ما فعله بسوريا التي باتت خلال خمس سنوات مشروع فريسة بوتينية وجمهورية عربية بملامح فارسية. والله المنجِّي.

مشاركة