هشام الهاشمي وجهوده البحثية

 

 

هشام الهاشمي وجهوده البحثية

إجتهاد في إستكشاف حقيقة  التنظيمات الإرهابية

بغداد – الزمان

بين يدي كتاب يحمل عنوان (بقية الضوء – كتابات في زمن العتمة) سلسلة مقالات 2014-2020 يقول فيه الناشر “المجلس الاستشاري العراقي ” يضم هذا الكتاب بين دفتيه سلسلة مقالات تشكل بقعة الضوء في زمن العتمة كتبها هشام الهاشمي في الشأن السياسي العراقي ..الخبير في شؤون الأمن والجماعات المتشددة ..قبل إغتياله على أيدي مسلحين ليلة الاثنين السادس من تموز 2020 أمام منزله وسط العاصمة بغداد مثيرا موجة استنكار وتنديد محلية واقليمية وعالمية والذي نعتته أوساط أكاديمية ونخب مجتمعية وحكومات ومنظمات وهيئات دولية”الكتاب هو محاولات فكرية وتحليل رصين من اجل استكشاف اتجاه الجماعات الاسلامية المتشددة من اجل القاء الضوء على اسلوب التفكير والقيادة للجماعات الارهابية تمهيدا لأيجاد الطرق المناسبة لمواجهتها. ويقع الكتاب في 399 صفحة ويضم 121 عنواناً في مقالات متنوعة لا تختص فقط بداعش والتنظيمات الارهابية التابعة للقاعدة بل تشمل ايضا كل التنظيمات المتشددة في كافة الفصائل (السنية والشيعية) كما تتحدث عن موقف (عشائر السنة من داعش) في دراسة بعنوان – عشائر السنة تغسل عار داعش- جاء فيه ” عشائر العراق، كسائر مكونات المجتمع، جزء أصيل لا يتجزأ من نسيج العراق وشيوخ العشائر وأمرائها الكرام لهم كل التقدير والاحترام والمحبة لمكانتهم ودورهم الاجتماعي المهم من خلال عشائرهم الكريمة أو من خلال الموروث الاجتماعي الذي يمتاز وينفرد به العراق”ص76 .

عشائر السنة تغسل عار داعش

الراحل هشام الهاشمي من أنصار الثورة الاجتماعية طويلة الامد التي تحقق نموا اقتصاديا وتوزيعا عادلا لثمرات هذا النمو تحتاج الى زمن ، وهو يقر بحدوث التجاوزات في الثورات العنيفة وحتى في الحرب ضد داعش، مما قد يخلط الاوراق ” هناك قليل من شيوخ العشائر وشيوخ الدين كانت أصواتهم شاذة ومتوافقة مع آراء المخابرات الإقليمية، وهي لا تريد لداعش البقاء، ولكنها لا تريد له الهزيمة على يد الحشد الشعبي، معادلة بائسة دفعتهم لتشويه العشائر السنية ووصفها بالعمالة والصفوية، وتضخيم وتهويل الأخطاء التي تقع على أيدي بعض مقاتلي الحشد الشعبي الغاضبين…نصيحة إلى شيوخ العشائر في العراق بالمسارعة في غسل عار (داعش) عن عشائرهم”ص79

ثورة الخدمات الناعمة

يعتقد الكاتب هشام الهاشمي ان العراق لم يصل الى العدل الاجتماعي، فالتناقضات بين العدل الاجتماعي وبين حصول الناس على الرغيف تناقضات واضحة، وفي تحليله في مقال (ثورة الخدمات الناعمة) يتوصل الى ان على الديمقراطية ان تكون على صلة وثيقة بالتطور الاقتصادي وتوفير فرص العمل والخدمات ” لن تكون مظاهرات المحافظات العراقية مالكية ولا كربولية ولا بزازية ولا طائفية ولا قومية ولكن إنسانية عراقية..وما هذه التظاهرات الإ بداية  محاولة لصناعة تحول نوعي في أسلوب الضغط وانتزاع  الحقوق وهي تحتاج إلى العديد من المظاهرات حتى تشكل رأيا عاما عند العراقيين…ويقسم الهاشمي المتظاهرين الى فئات ثلاث:- 1-  فئة للأفراد تحت شعار (تحسين الخدمات) وهم الأغلبية 2- وفئة تتبع جهات حزبية وسياسية لتصفية الحسابات..وهم كل مستأجر من الذين يعرفهم الجميع في كل مناسبة ويصرخون لمن يدفع، وينبغي طردهم. 3-فئة من دعاة التظاهرة الذين ينبغي أن ينتهي دورهم في الإدارة عند تأسيس التنسيقية تحت قيادة واحدة وبطاولة مستديرة وليست هرمية”ص138

داعش ليس ظاهرة اجتماعية

الكاتب  يوضح في هذا المقال فشل داعش في ان يتغلغل في المجتمع السني ليفرض عادات اجتماعية غير اصيلة على المجتمع في نينوى وباقي المناطق الخاضعة له بعد احتلالها ، لأن هناك نظماً سائدة في المجتمع ليس من السهولة تبديلها ، وما يفرضه داعش ما هو الا خطوة كبيرة إلى الخلف في تاريخ التطور الاجتماعي ” أحدث تنظيم داعش تغييرات بنيوية مجتمعية، فالقتل والمجازر الجماعية والخطف والسلب والنهب والتهجير الجماعي القائمة على الفكر التكفيري خلقت قضية المهجرين والنازحين التي فشلت الحكومة بالتعامل معها كما يليق ويجب…يعاني عشرات الآلاف من الأشخاص في غرب العراق من مشكلة سيطرة داعش وتكاد لا تخلو قرية من تلك المنطقة من وجود ظاهر لعناصر داعش في البعاج والقائم والرطبة وفي المناطق الحدودية تحديدا يوجد ما يقارب 40 ألفا من الأهالي الذين يمكن أن نطلق عليهم مصطلح ( المتعايشين تحت سلطة داعش)”ص186 ويعطي الهاشمي نصيحة الى الحكومة بإستغلال حالة عدم قبول الاهالي لحكم داعش مثلا “عسكريا ستكون القيارة منطقة هشة يمكن تحريرها بالتعاون مع أهاليه، ولعلها تكون بوابة تحرير الموصل، سجل مدونو نينوى أن الوجود العسكري والأمني ل(داعش) لم يكن كافيا لأحداث التغيير الاجتماعي والثقافي لدى أهالي مدن وقرى جنوب نينوى، ولم يؤمن إلا القليل من الأهالي بهولاء الذين جاءوا  في ركب داعش وعملوا في خدمته، سوى ما كتبه المدونون عن المنافقين والتكفيريين الذين انضموا ل (داعش)  لحاجات مالية ولتقارب بالأفكار التكفيرية، وقد ظهرت هناك عمليات ثأر عشائرية تسببت بمنازعات واقتتال بينهم”ص188 ان كل التشريعات التي فرضها داعش على تلك المناطق قد فشلت في تكوين مجتمع خاضع ومندمج مع افكار تلك الدولة المزعومة ويرى الكاتب “لل(دواعش) محاولات كثيرة لتغيير عادات وتقاليد أهالي القيارة إلى سمات داعشية في الملبس والتدين والسلوك الشعبي، وما يرتبط بها من تقاليد وممارسات..لكن أهم ما يلفت النظر أنه لا تفاعل حقيقي بين ال(دواعش)  الأجانب (المهاجرين) و(الأنصار)..فأن الثقافة الشعبية لقرى ومدن جنوب نينوى حافظت لنا على الكثير من مفردات العادات والتقاليد الموصلية الأصيلة، وهو ما يعني، في التحليل، انعدام التفاعلات على مستوى العلاقات بين الأهالي الموصليين وبين الدواعش المهاجرين”ص188

الانفجار الشعبي واحتمالية الحل العسكري

في هذه الدراسة هل كان الراحل هشام الهاشمي متشائماً اكثر من اللازم، ام أنه أراد ان يدق ناقوس الخطر؟ قد يكون هذا وذاك، والاهم أنه أجتهد في تشريح مظاهر المرض ووصف له الدواء، وقد يكون في نيته كشف الحقائق للجانبين ” يعتبر الانفجار الشعبي إفرازا لواقع اجتماعي، وهذا الواقع يختلف من محافظة إلى أخرى. لذلك لا يمكن الجزم بأسباب محددة بعينها تتوفر في كل التظاهرات الغاضبة..الهاشمي يرجح كثيرا العامل الاقتصادي ومستوى المعيشة المتدني والفقر والبطالة كأسباب للغضب الشعبي) فالاحتقان والسخط الملتهب والظلم الاجتماعي الناتج عن استئثار القلة باقتصاد البلاد، ونظام الحكم المتحزب الذي يؤدي إلى الكبت والقهر، كل ذلك خلق جوا غاضبا، جعل الشعب يعيش حالة من الخوف الدائم والانفجار بوجه الواقع المؤلم (وبعد استعراض للانقلابات العسكرية منذ عام 1958 مرورا بانقلاب شباط 1963 والانقلاب عام 1968 يرى الهاشمي) هي البيئة السياسية التي دعت هذه الأجيال لأقتراح حل الانقلاب العسكري سواء إن كان ابيض أو دمويا فقد كشفت تظاهرات تشرين السلمية دعوات العديد من أبناء تلك الأجيال لتغيير النظام السياسي بالعنف، وأن البعض من دعاة العنف (الحل العسكري) في العراق لم تتعاف بعد من ظاهرة الانقلابات العسكرية، إذ ما زالت أقلام وعبارات بعض رجالات تلك المواليد لا تؤمن بالديمقراطية ولا بوسائلها التي جاءت أمريكا بها للعراق بعد عام 2003، فعندهم لا بد أولا من إزاحة السلطة الحاكمة عن طريق الانقلاب وإحالتهم للمحاكم العسكرية ثم تعديل أو كتابة الدستور، فهذه دعوة دموية نحو تصفير النظام السياسي بعد عام 2003 وإعلان بداية جديدة”ص335

المواجهة مع الفصائل المهجنة

في هذه الدراسة يتطرق الهاشمي الى معضلة كيفية حصر السلاح بيد الدولة وما هي الطرق المناسبة لأحتواء الفصائل الشيعية المسلحة ، كما يستعرض بالنقد مواقف الحكومات تجاه هذه الفصائل المهجنة كما يصفها ” تكشف التجربة العراقية 2007- 2020 مع الفصائل المسلحة الشيعية، عن إمكانية لجوء الدولة للاستقواء بالخارج- الذي قد يتضرر من تعاظم دور الفصائل المهجنة- من اجل عرقلة توسعها في جسد الدولة.. وتكمن مخاطر اتباع هذه المنهجية العنيفة، وغيرها من المنهجيات الذكية المركبة من القوة الناعمة والقوة الخشنة، التي تتضمن مواجهة أمنية أحيانا… يختلف تعامل الحكومات العراقية مع الفصائل المهجنة من حكومة لأخرى ومن فصيل لآخر داخل الدولة العراقية:

أولا : فترة نوري المالكي 2006-2014

الملاحقة الأمنية والاستهداف العسكري(صولة الفرسان) بعد فشل دائرة المصالحة ودائرة نزع السلاح ودمج المليشيات لا عبر نافذة الحوارلاحتوائها .. كانت خطوات الحكومة انذاك بالتعاون مع القوات الأمريكية، البدء في استهداف الهيئات الاقتصادية الخاصة بالمجاميع الخاصة وقياداتها والحوار المستمر مع جناحها السياسي وملاحقة أفرادها المسلحين الضالعين بعمليت مسلحة بالضد من العراقيين فقط وتصنيف أبرز قيادتها ضمن قانون الإرهاب 4أ لعام 2005 وتشير الأمثلة القائمة كواقع الى أن الفصائل التي انشقت من جيش المهدي ومنظمة بدر وكتائب أبي الفضل العباس اصبحت خلال أعوام 2018- 2020  من أبرز الفصائل المهجنة”

ثانيا: فترة حيدر العبادي 2014- 2018

تعزيز دمج الفصائل المهجنة في الحياة السياسية، وذلك بتشريع قانون 40 لعام 2016 الخاص بهيئة الحشد الشعبي، الذي يفصل بين العمل المسلح والعمل الحزبي السياسي.. وتعميق إشراك الفصائل المهجنة في الحياة السياسية وإشغالهم في مشاكل الحكومة والتشريعات، وتجريدهم من السلاح خارج هيئة الحشد الشعبي.. اصبحت الفصائل المهجنة أقل راديكالية واكثر براغماتية، واكثر قدرة على التحول من عقيدة الحل بالسلاح إلى عقيدة الحل بالحوار، والانشغال ببناء تحالفات من أجل الحصول على حصتهم من الوزارات والهيئات حتى مع الاطراف التي تختلف عنها عقائديا ومنهجيا بما في ذلك خصومهم في السلاح.(هذه المنهجية فرضتها ظروف الحرب ضد داعش وتحرير نينوى)

ثالثا: فترة عادل عبد المهدي 2018-2020

منهجية تمكين الفصائل المهجنة وأحزابها من المشاركة الوظيفية في السلطات التنفيذية والتشريعية، وبحسب نهج عادل عبد المهدي فإننا عادة لا ننجح في تفكيكهم ولا بضبط إيقاع سلوكهم، والأفضل أن نأتي بهم كشركاء لتحمل المسؤولية التضامنية والتشاركية معنا..لكنهم تعاملوا مع إحسانه لهم بطريقة رديئة أنهت فترة حكومته مبكرا وأجبر على الاستقالة بسبب احتجاجات تشرين 2019 ..ان فاعلية هذه المنهجية، كان يعوزها قدر من الحزم والضبط من قبل الحكومة..خاصة أن التشاركية تتطلب تنازلات من الطرفين والابتعاد عن فرض خطوط حمر يضعها كل طرف لنفسه لايقبل التنازل عنها، ولا تتلاقى في حوادث كثيرة.

رابعا: فترة مصطـــفى الكاظمي 2020 ..

منهجية القوة الذكية، وهي مركبة من استخدام القوة الناعمة والقوة الخشنة، واستهداف مصالح الفصائل خارج قانون هيئة الحشد الشعبي وتصنيفها حسب قربها أو بعدها من المعيار الوطني، ومنع تمددها على حساب جسد الدولة العراقية، وتدرك حكومة الكاظمي أن من المبكر خوض معركة تكسير عظام مع الفصائل المهجنة، وأن أي محاولة فرض القانون عليهم يمكن ان تتحول إلى مغامرة معقدة.. ويعتبر تعامل حكومة الكاظمي مع حادثة (البوعيثة) جنوب بغداد في 26 حزيران 2020  نموذجا مستعجلا في تطبيق هذه المنهجية في أنه قد ينتهي بتكرار منهجية عادل عبد المهدي، والخطير إذا ما رأت الفصائل أن هذا الاستهدف يشكل أزمة تهدد بقاءها، وهي تملك من القوة الاقتصادية والعسكرية والإعلامية والمجتمعية ما يجعلها قادرة على ردع كل من يحاول تهديد مصالحها، وأنها تستطيع قطعا الدخول في مواجهة الدولة على نحو يجعل حكومة الكاظمي تقبل بتلك التوازنات.

الخاتمة

يعد هذا الكتاب من وجهة نظر الناشر (وثيقة تاريخية مهمة ومصدرا لا غنى عنه للمهتمين بالشأنين الأمني والسياسي للعراق وجواره الاقليمية).

مشاركة