هزيمة الآدمية والتفكير الإستراتيجي – محمد صالح البدراني

599

 

 

 

 

هزيمة الآدمية والتفكير الإستراتيجي – محمد صالح البدراني

في البدء الغرائز والحاجات سيف ذو حدين، فالغرائز تحتاج إلى إشباع والحاجات تحتاج إلى أن تسد وهذا أمر طبيعي، وتتباين درجات الغرائز بين البشر، وقد توقظها الظروف وتوفر الدوافع والمحفزات، فحب التملك وحب السيادة غريزتان غالبا مترافقتان وبضعف فاعلية المنظومة القيمية الإيجابية؛ تصبح هاتان الغريزتان مستعمرتين لعقل الإنسان بكل معنى كلمة الاستعمار ناهيك عن احتلال الفاعلية للجزء العضوي في عملية التفكير، فضعف الإنسان أمام إرهاصات الظلم وفقدان الكينونة يوجهه إلى جسده في إحساس داخلي انه يملك هذا الجسد، بيد انه يسلم عمليا الأمر لغرائزه ويعزل فكره وقيمه وربما يضطر لتبني قيم بلا حدود لكي يبرر فشله والأخير غالبا يحصل مع ارتفاع المعرفة، وقد يبدو الملتزم للناس انه منافق أو متناقض؛ لشطحات سلوكه بينما هو مريض بما يمكن أن نسميه (هزيمة الآدمية).

وحينما لا تكون المنظومة القيمية قد رسخت في الإنسان عن فهم، فمن السهل إن لا تكون القيم ولا الفهم حاكمة للسلوك وهذا مرئي جلي في واقعنا ليس على مستوى الفرد حسب بل على مستوى الجماعة، والدول، إنما غالب (هزيمة الآدمية) تأتي نتيجة الحياة غير المتوازنة والظلم والاهتزاز النفسي نتيجة فقدان التوازن، نجد في واقعنا من يعيب الناس الأحرار الرافضين للعبودية، فقد بلغت هزيمته انه يمارس العبودية بقناعة ويرفع سيده فوق البشر حتى لو كان مثقلا بالعيوب مادام في السلطة، ففي الفترة الأخيرة تجد أناسا يحتجون على من ينتقد الرئيس الأمريكي بينما ينتقده شعبه أو منظمات ومرافق حكومية وغير حكومية، هذا طبيعي في النظام الأمريكي لكن هذا المهزوم لا يرى ذلك بل يهاجم حتى تلك المنظمات ويبدي الاحتقار لأي من قومه يبدي معالم الحرية لأنه لا يتعامل مع الناس إلا من خلال مرضه وهزيمته وفهمه القاصر لأسباب قوة أمته التي وصلت تدني رهيب، وهذا كله بيئة ومخرجات (منظومة تنمية التخلف).

الإنسان والفهم مرتبة أولى في الكينونة الحياتية، فمستويات المسؤولية مثلا من مسؤولية ذاتية وبما فيها رغبة بتحقيق الذات بدافع غريزي أو عقلي، إلى مسؤولية عن امة وناس، كل هذه المستويات من الأولى صعودا إلى الثانية لها درجة من المعلوماتية والفهم للمعنى الذي ينبغي أن يغلب فيه العقل والصواب لتكون منظمة الإنسان فاعلة ضمن منظومة الدولة أو الكيان.

توجيه الفاعلية إبراز للقدرة والكفاءة:

لو افترضنا أن هنالك مجموعة من الهداية وبأحجام مختلفة وكل منها  لفرد واحد؛ وعرضت لسباق أي يحصل على هديته، فهنالك احتمالان:

 الأول أن ينظر الكل إلى الهدية الكبرى ومع انطلاقة المسابقة سيتوجه الكل إليها فيتصادمون؛ ربما يسقطون ويتأذون، وهنا قد يحصل أحدهم عليها فيبقى من في نفسه طعم الخسارة، وقد تكسرت بعض الصناديق في خضم الفوضى.

الثاني أن يتفق الجميع على هدف كل منهم ويجدون طريقة لحصولهم على ذات القيمة، فيتوجهون بهدوء كل لهدفه ثم تجري الأمور وفق الاتفاق المسبق بتفاصيل ممكن أن تكون محض آليات.

قطعة كبيرة

ولو افترضنا أن عند أحدنا قطعة كبيرة من خام الذهب أو قطعا متعددة من الماس، فان بإمكاننا أن ننتج صياغات متعددة من الذهب، ونعيد صياغتها بما يناسب أذواق الزــــــــمن والتغيير الطبيعي والتطور المدني الذي لابد منه في الحياة؛ فإما أن نعتمد الصياغات القديمـــــة فنضعها كحلية وهي لم تعد مناسبة لزمن آخر فتبدو نشازا ولا تفي بغرضها، أو نضعها بيد صائغ عصري لينتج لنا فنا راقيا ومظهرا جميلا والذهب يبقى ذهبا وكذلك الماس يبقى ماسا، هكذا يكون الفهم مستفيدا من ذات المعدن بدل رميه.

من هنا نتعامل مع الدولة والمجتمع كحملة رسالة للإنسان مكلفين يعملون بعقل الأمور وليس تقليدا ما لم يعد مناسبا من صائغ في عصر آخر كان جميلا نتاجه في عصره.

علينا أن نفهم إذن والفهم أولا لميزات المعدن ونسب المضاف وإدارتها ليكون عمليا، فالذهب كخامة لا يصلح للزينة لأنه مرن، وإنما يحتاج إلى تشكيل وصياغة وهندسة فنية بالزخرفة والرسم.

المرونة ميزة لا ينبغي تعطيلها، والقرآن مثاني أي طيات تتضح معانيها مع تقدم الزمن لتنتج حلولا متعددة لازمان مختلفة، لكن المشكلة في الفهم والغريزة، والفهم من الناس ضروري يبني العقلية، والغريزة إن هذبت تبني النفسية فتنتجان شخصية وثقافة تميز الأمة فتكوّن الكينونة العامة، وهذا سيبقى هدفا ربما يحتاج إلى نموج صارخ في التأثير ليرمم الانحدار الحضاري والتخلف المدني للأمة، فهنالك من أبناء الأمة من لا يفهم ولا يريد أن يفهم سواء بالتعصب للدين والإسلام نفى عن المسلم جنس العصبية، أو التعصب ضده لجهل به أو عدم وجود رغبة لتعلمه، أو للكسل عن البحث وتلاعب حب الظهور.

مشاركة