قصة قصيرة (2)
هربت بها إلى ليلة العمر
وكانت زيارات سوسن لنا متباعدة.. والبيت الوحد الذي كانت ترتاح به وتتنفس الصداء هو بيتنا.. وخلال زيارتها لنا لم اكن اجد فرصة لمحادثتها او لقائها.. وكنت قد طلبت منها العمل على ان تبقى عندنا يومين او ثلاثة.. وفعلا جاءت بعد ان طلبت من امها ذلك.. وصادف في تلك الايام تحتفل بغداد بايام النصر في ساحة الاحتفالات وفي شوارع بغداد واخرجتهم بالسيارة لنطوف في شوارع بغداد والتفرج على الاحتفالات.. ولدى عودتنا الى البيت.. انقسمنا نصفين انا وسوسن واطفالي الاثنان عدنا الى البيت بينما زوجتي بقيت مع اختها في الاحتفالات ونام الاولاد.. وبقينا لاول مرة لوحدنا بعد فراق طويل وكانت لحظات من العمر.. حيث تشابك كل شيء فينا.. وامتزج الرحيق وحبات العرق.. وغاص كل منا في صاحبه.. وكان اندفاعنا كبيرا وبتلك اللحظات انتقلت سوسن الى صنف السيدات.. وكأننا كنا في ليلة الدخلة التي كانت من اروع الليالي في ذاكرتنا.. وفي قلوبنا وكأن الامر طبيعي.. وكنت قد حادثتها عن زواجي منها وكنت واياها متفقين ان ذلك لم يحصل ومن المستحيل لانه سيواجه بالرفض والقطيعة بيننا.. ووجدنا ان كل الابواب مقفلة الا باب واحد.. وهو باب الأمر الواقع بأن آخذها واعقد كتابي عليها بالمحكمة وهي تملك زمام نفسها لبلوغها السن القانوني ومواجهة الجميع بهذا التحدي وليكن ما يكون.. واتفقت معها اعطائي فرصة لافرش لها سكنا حتى اتمكن من نقلها اليه خلال مدة شهر.. وبعد هذه الحادثة لم التق بها الا بعد اسبوعين تقريبا ولم استطع من محادثتها.. الا اني كتبت لها قصاصة بأني اريدها ان تجهز نفسها في الاسبوع القادم لتنفيذ ما اتفقنا عليه.. وكنت قد رتبت نفسي بتأثيث شقة صغيرة وحرصت على تأثيثها جيدا لانها حتما ستكون جنتي.. ثم سنحت لي الفرصة ان القاها عند الخياطة مع خالتها وكانت زوجتي عند الخياطة ايضا.. وانا جالس في السيارة جاءت سوسن لتأخذ القماش من السيارة واتفقت معها على موعد لخروجها من البيت حيث سأكون بانتظارها على ناصية الشارع القريب منهم.. وتم تحديد الموعد بعد يومين.. الساعة العاشرة صباحا.. وفي اليوم الموعود كنت بانتظارها وقلبي يخفق بشدة فأنها مغامرة كبيرة قررت ان ادخل فيها مهما كانت النتائج ورأيتها قادمة وهي ترتدي العباءة وكانت تسير بخطى سريعة.. وفتحت لها باب السيارة وصعدت وكادت انفاسها تنقطع وانطلقت بها بعيدا.. الى حيث شقتنا وجنتنا الجديدة.. ولأول مرة اشعر بارتياح عميق.. بعد ان انقذت حبيبتي من كل معاناتها وعذاباتها.. ومددت يدي لامسك بيدها فالتفت نحوي وهي تبتسم ابتسامة عميقة وقالت: ها انا اترك كل العالم من اجلك.. حتى اهلي.. فقلت لها: وتأكدي انا لك كل العالم وكل اهلك.. فقالت: انا واثقة من هذا تماما.. وما ان وصلنا الى الشقة واغلقت الباب علينا.. حتى ارتمت على صدري وضممتها الى احضاني وامطرتها بوابل من القبلات وكان عناقا عذبا عنيفا بكل مجرياته وتناثرت ملابسنا هنا وهناك ونحن نقطف الثمار من شجرة الحب ما شاء لنا.. وتناولنا من الرحيق ما يطفئ تلك النار المتأججة في قلوبنا.. وهدءت النفوس بعد ان ناأ كل منا ما يصبو وما يريد.. من ثمار ذلك الحب الكبير.. وافترشنا الارض ووضعت رأسها على صدري.. واحسست ببكائها.. وتركتها تبكي حتى ترتاح.. وسألتها: اهو ندم ام فرح.. فقالت: لا يا حبيبي انه فرحا.. فان الله حقق لي امنيتي.. فانا لا يهمني من الدنيا سواك.. وبقينا على هذا الحال لساعة تقريبا.. ثم طلبت منها دخول الحمام.. حتى نخرج لشراء بعض متطلبات الشقة من المواد الغذائية وايضا لشراء ما يلزمها من ازياء وحاجيات فقد تركت وراءها كل شيء وكنت قد جهزت لها بعض الاثياب وكثير من قمصان النوم..
وعند خروجها من الحمام وهي تلف نفسها بالمنشفة.. فكانت بحد ذاتها اسطورة الجمال.. وفاجأتها بما جهزته لها من ازياء.. وقالت: ومتى اشتريت كل ذلك؟
فقلت: منذ اسبوع وانا اشتري كل يوم ما يصادفني وما يعجبني ولم اغفل شيئا من المكياج او الاحذية والحقائب حتى الاكسسوارات كنت قد اشتريت بعضها.. اما سوسن فلقد جاءت بكامل الحلي الذهبية الخاصة بها.. وتركتها تجهز نفسها ودخلت انا الحمام على عجل.. وما ان انتهيت حتى وجدت السيدة سوسن وهي ترتدي بنطلون جينز وتي شيرت ووضعت مكياج السيدات ولاول مرة اراها بمثل هذا المكياج وكانت ملكة قلبي ممرا منيرا ساطعا.. خرجنا من الشقة وتجولنا في الاسواق واشترينا الكثير من الاغراض والملابس لي ولها.. وقد تناولنا طعام الغداء خارجا ولم نعد للشقة الا عند الغروب.. وبعد ان رتبنا الاغراض في الشقة ووضعنا كل شيء في مكانه طلبت مني ان اجلس لمشاهدة التلفاز حتى تجهز طعام العشاء.. وانا اشاهد التلفاز قد غفوت ونمت نوما عميقا وكأنني لم اعرف النوم طيلة حياتي.. وايقظتني سوسن.. فوجدت انها ترتدي ثوبا احمر قصيرا يبرز كل مفاتن جسدها ويبان كل شيء من وراء شفافية ذلك الثوب.. وكانت قد جهزت العشاء على المنضدة.. فقلت: ماذا جهزت لنا الملكة فقالت: بعض النواشف والسلطة واللبن.. فقلت: رائع.. وجلسنا على المائدة وسوسن تحادثني وتحذرني من اكتشاف امر علاقتي بخروجها فقلت لها: لا تشغلي بالك بهذا الامر.. انا سأرتب الامور.. وانا اتناول طعامي كانت عيناي لا تفارق ذلك الجمال الرباني الذي اكرمني الله به.. فقلت لها: سوسن صباحا جهزي نفسك للذهاب للمحكمة لعقد الزواج.. انا سأذهب الى البيت وانت اقفلي الشقة ونامي.. ولا تفتحي الباب لإحد.. وليعتقد الجميع انها فارغة لا احد فيها مفهوم.. فقالت: طيب.. ولكن لا تتأخر علي صباحا.. فقلت: وهل استطيع ان افارق هذا الجمال.. وضحكت.. ذهبت الى البيت.. وكأنني لا اعرف ما جرى وما كان.. فوجدت الوجوه ليس على بعضها وام سوسن عندنا في البيت.. فقلت: خير ماذا بكم.. فقالت زوجتي: لا شيء.. اجلس ارتاح قليلا.. وجلست وانا اعيد السؤال عليهم مرة ثانية واخبروني ان سوسن خرجت ولم تعد لحد هذه الساعة.. فقلت: طبعا هذا ما كنت اقوله دائما لام سوسن.. ان الضغط عليها واستغلالها مخادمة سيولد عندها انفجار ثورة وتهرب حتى تتخلص مما هي فيه..
وسألوني اين اتوقع ان تكون قد ذهبت: فقلت: ربما عند صديقة من صديقاتها.. او عند احد من معارفها مثلا فقالت ام سوسن: ليس عندها لا صديقة واحدة اسمها نعمت وذهبنا لها ولم نجدها عندها.. كما انها لا تعرف احدا من بيوت اقاربنا لتذهب لهم.. فقلت: اصبروا قد تعود بعد يوم او يومين عندما لا تجد ملجأ لها.. فقالت ام سوسن: لا لن تعود لانها شربت الحنظل هنا.. كان قلبي يقطعني على ام سوسن.. ولكن ماذا اقول لها وكيف.. ثم قالت زوجتي: هل يمكن ان تكون تحب احدا وهربت معه.. فقلت لها: لا اعتقد ذلك.. ومن اعطاها الفرصة حتى تحب.. وبقينا نتحدث حتى ساعات متأخرة من الليل وطلبت منهم النوم وترك الأمر لله سبحانه وتعالى.. في صباح اليوم التالي كانت الاجتماعات بين ام سوسن واخواتها جارية من دون انقطاع والاحاديث والاجتماعات كثيرة.. وتركتهم صباحا وخرجت الى جنتي.. الى حبيبتي الهاربة وما ان وصلت الشقة حتى وجدتها قد جهزت الافطار وجالسة بانتظاري للذهاب الى المحكمة.. وكانت متلهفة لسماع الاخبار.. ونقلت لها الأخبار وقالت: انا لم يؤلمني شيء سوى امي فأنها ستتألم كثيرا.. ويا ليت استطيع إخبارها بأنني في جنات ونعيم.. فقلت لها بسيطة يمكنك ذلك اكتبي لها رسالة وانا اتركها عند بابهم من دون ان يراني احد.. وتناولنا الفطور على عجل وذهبنا الى المحكمة وكنت قد اتفقت مع اصدقاء لي للحضور والشهود على ورقة الزواج وتم عقد زواجنا في محكمة الاعظمية.. ولأول مرة احسست اني اتزوج للمرة الاولى.. واني ملكت العالم بهذا الزواج اما هي فقالت: الحمد لله ان كل الذي كان بيننا اصبح حلالا امام الله والناس اجمعين.. وقلت لها: ومتى ستكون ليلة دخلتنا.. فضحكت وقالت: عندما ارتدي ثياب العروس.. فقلت لها: والله ما طلبت الا حقك.. واعتبري اليوم هو يوم دخلتك.. واخذتها من المحكمة الى محلات تأجير بدلات الاعراس وانزلتها عنوة بعد ان رفضت الفكرة.. الا اني بقيت مصرا عليها وقلت لها: سوسن ان هذا فعلا يعجبني واحب ان اراك عروسة امام ضميري فأرجوك ان لا تحرميني من ذلك.. فقالت: حقيقة انا اتمنى ذلك.. ولكن ما اردت ان اكلفك كل هذه المصاريف.. فقلت لها: سعادتك تساوي عندي كنوز الدنيا.. وفعلا استأجرنا بدلة وملحقاتها كافة وذهبنا لتناول طعام الغداء في احد المطاعم.. وقلت لها سأذهب بك الى الصالون.. وسأذهب انا الى البيت.. حتى اعطيهم حجة لغيابي.. ثم اعود لآخذك من الصالون وطلبت منها كتابة رسالة لوالدتها واعطيتها ورقة وقلما وامليت عليها ما تكتب.. واخذت منها الرسالة ثم خرجنا ونحن نلف في المحلات القريبة ومشاهدة معروضاتها.. واشتريت لها بعض ثياب النوم.. وكذلك بعض الازياء التي تحتاج لها لخارج البيت.. ووضعت كل ذلك في صندوق السيارة.. وتركتها في الصالون وقالوا لي ان امر عليها الساعة السابعة.. وكان هذا الوقت مناسباً لي جدا.
محمد عباس اللامي – بغداد


















