هذيان في لحظة نحس

647

هذيان في لحظة نحس
محمد الأحمد
قبل ان تأتي زخة الاخبار بالأخبار في لمحة واحدة انقطع التيار الكهربائي فباتت اللحظة الواحدة تنشطر الي اثنين وثلاث، وأربع في الظلام الدامس، والطقس الحانق بينما هو يقول لي وينظر في قدح شاي يتناثر منه بخار في عتمة نهار كابي:
-»لا مكان لنا في حضارة يحضرها حاسب بلا كهرباء، اذ تضيق به الأرض والمجرّة الجارة.. قالوا وما الحاسب يا ذاكر السوء، قلت الحاسب هو الذي يذكرنا بأننا بحاجة الي حاجة، وهو الذي انتقل به عصرنا الي سرعته القصوي وصار عصراً لاصدرات جديدة او لنقل اجيال جديدة، تصور يا صاحب صاحب السوء حتي الانقلابات علي الدكتاتورية جاءت من الحاسب، وصار الطب ينسخ رجلاً يصير يشبهك دون ان تنجبه او ينجبك، فصدقني كما صدقت انا فكرة فليم بان الحاسب سوف يتمرد علي الإنسان بل ويحتل عقله فيكون العقل مركوب والحال مقلوب«.. اشرب في صمت تقطعه صوت امعاء منفلتة من ماء تضخّه انهرنا بكامل الاسن. رحت ارتب حالي بانفصال العصر عن مسيرة قوامه الفتّان، فمصباح الوطنية لا يعمل علي مصباح اللاوطنية.. كلمة وراء كلمة تجول بذهني والانتظار لا يحرك مفاتيح الحاسب. حتي موسيقي طيبة كانت تملا الفراغات سكتت وأحدث فراغها ما يفوق الفراغات. ويلّ للفالس الذي نرقصه عميانا يقطع عنا الدرب المستقيم، وبلل ملبسنا بالعرق، والسهد. فالوقت الطويل ينحلّ بالانتظار كخلايا تنسلخ منه وتتطاير موجة اثر موجة عبر الفراغ الاسن الذي ولد فيه حنيناً ذكره ايام كانت ساعات عمره الغالي تنهدم علي خط نار وهمي فصل بين حربين، وحصارين، واحتلالين، وجلجلة اقليمية قد تقلب الكون.. بقي يتحسس جسده، وعمره، ومساحة ضيقة لا يعرف فيها إلا معدة غير خاوية، ونفس هادر، وقلم لا يجرؤ علي التأشير:
– »القرية زحفت الي المدينة وأغرقتها بحممها التي لا تقبل التغيير.. انها لصدمة، فالقرية تحمل سيفاً لا احد ينتزعه من قبضتها، فالسيف لا يناسب المدن.. كونها هرّت فغرقت بدم ابنائها الغُرّ الميامين.. اخر المدن رأيناها عندما كانت الشوارع خالية من الكونكريت، والأشجار عالية تظلل علي انحناءات الشوارع، وكان الليل يرش عباءته بعبق الشبوي البلدي، والناس يتوقفون للسؤال في اية ساعة عن اتجاه الطريق، وكانت العصافير تجد متسعا علي الأشجار وليس علي اسلاك كهرباء عشوائية لمولدات ثانوية تعتمد عليها الوطنية في استراحتها«، يبقي التساؤل جارياً ان كان تعريف البلاغة »مطابقة الكلام لمقتضي الحال مع فصاحته«، فأي جواب انفع من سؤال تؤرقك تفريعاته ولا يجعل يستقر بك الحال، ابداً، فدوام الحال من المحال، الكهرباء عجلة تجري بلا توقف، نريد اللحاق بها، ان نلحق اعمالنا المؤجلة إليها ساعة تجيء فلا نجيد التنفس، ولا نجيد اي عمل من اعمالنا المتزاحمة، ففي لحظة واحدة تنقطع كالحياة وتريد منك ان تنتظرها بصبر نافذ. او مواجهة هدير عجلات نهارية تقتحم الخلوة لتنزع عنه لذة النص: »افترض باني احد اعضاء الاكاديمية السويدية، فارفض بتشدد ترشيح روايتك للجائزة بصفتك الصديق اللدود، فانا اتنصل من ان احمل اسمي ما لا طاقة لي به.. فهل ذلك يقلل من احترامك لي او ينسيك باني من يعرف ما علي اية رواية ان يكون اريد ان اقول لك شيئا مهما بان الروايات العظيمة وحدها هي ما اعرف فقد قرأت الكثير منها وخاصة الفائزة بالجائزة.. هل تذكر اولاد حارتنا للعظيم »نجيب محفوظ«.. هي مكتوبة بالعربي، وهي تحوي سردا نظيفا يؤدي الي حكاية يعيد فيها بناء قصة الخليقة بهيئة بشرية، وقد جعلها المؤلف بأنها اكثر واقعية من حكايتها في الكتب المقدسة.. لقد البسها ثوبا من الصدق وبدت كأنها اشبه بحدث يستحق الوقوف عنده لأكثر من مرة: بل ان نحاكم كل الموجودين في حبكتها فإذا سبق لك ان كنت قرأتها فان بيت الجبلاوي بعد ان هُدم، قد اكتشفوا وبعد فوات الاوان بان البيت العظيم كان فارغا منذ الأزل ولكن صديقي انفضّ عني وطلب مني ان اعيد له نسخة روايته التي اهداها إلي وقتها ندمت علي قولي وفعلي وتمنيت ان احيّه لأنه كتب شيئاً غير مترابط في ظرف كهربائي غير مترابط«.. تراجعت عن الكرسي الذي جلست عليه وأنا اكرر ما قاله الفيلسوف برتراد راسل »كل الحركات تذهب إلي أبعد مما أرادت«، بينما ظلي يزاد قتامة كلما مرّ ضوء عابر، يتنشلني من ركودي. فاكرر »ما من فضيلة تلقي في أيام الانقسام التعسة هذه إهمالاً أكثر مما يلقاه التعقل والتدبر«- كما كان يقولها السيد »جان جيرسين« ذو اللحية والعمامة والجبة والابتسامة الباهتة، فـ»انتظار الكهرباء«.. قد تأتي له بفتاة اثغاث احلام مليحة الوجه ولها صوت أخاذ كأنه يشرق من ضوء صدرها البلوري المترفع بأنفه وحسّ رفيع، يمسح من العين طرفتها.. تهدل اليه منها كحبيبة بألوان القرح وتخرق بخار الشاي المتصاعد الي السماء وكأنه ارجوحة يتهادي عليها خيال متمرد لا يقدر علي مصارعة الملل.. بقي ينتظر ضيف يعزُّ عليه البقاء، ويعزُّ عليه ان يواجه اساطين التوهان.. »ان الحب في العالم العربي سجين و أنا اريد تحريره، اريد تحرير الحسّ و الجسد العربي بشعري أن العلاقة بين الرجل و المرأة في مجتمعنا غير سليمة كما يقول قباني« الوقت يموت في دوران ساعة او اخري لا يلتوي فيها العقرب بالعقرب الآخر كالتفاف الساق بالساق.. قلت لنفسي في لحظتها باني ساترك الاشياء المضيئة وامسك بالأشياء الاخري »الوهم في يومنا لا يعادله وهماً« ساعة بساعة فحياة بلا لحظة انقطاع عن الحياة لا تدرك فيها مدي حاجتك للحياة.. اتراك يا حاج »مارك توين« قد كنت علي حق عندما قلت لي: »المرء صاحب الفكرة الجديدة هو مجرم حتي يكتب للفكرة النجاح«.. فطالما جلست وحيداً في باحة الخيال, اكتب بلا هدف اتلذذ بفاكهة منتزعة بشغف غامر, من الماضي. اذ تيقنت بان صورة زمانّ كزماننا ليس فيه امتداد لحاضر لا يحضر عصره، لن تعده العدادات بين الارقام الانسانية. فثمة فكرة تطاردني حيث لا يمكنني كتابتها إلا بشكل يشبه زماننا.. فأين اصبحنا يا ذاكر السوء بهذا الحال الذي يشبه المحال..
/2/2012 Issue 4124 – Date 17- Azzaman International Newspape
جريدة »الزمان« الدولية – العدد 4124 – التاريخ 17/2/2012
AZP09

مشاركة