هدم الأضرحة أم بناء العشوائيات؟

127

هدم الأضرحة أم بناء العشوائيات؟
حسن حنفي
مما لا شك فيه أن بناء الأضرحة، المساجد فوق قبور الأولياء الصالحين غير شرعي. فقد حذر الرسول من اتخاذ قبور الأنبياء مساجد لا تتخذوا من قبور الأنبياء مساجد بالرغم من أنه قال أيضا قبري روضة من رياض الجنة . وقد سارت الحركة الوهابية، أولى الحركات الاصلاحية الحديثة، في هذا الاتجاه. ومازال سائدا في بعض البلدان وأهمها الحجاز، خوف من الاشراك بالله. وهو امتداد للاسلام السلفي والأثر السعودي في مصر بعد زيادة العمالة المصرية المتخصصة واليدوية فيها. وعادت بالذقن والجلباب والسبحة والطاقية، والتركيز على الشعائر والمحرمات. وهو اسلام حرفي انتقائي لا يأخذ من الاسلام الا الشكل دون المضمون. ويغير نظام الأولويات فيه بدلا من الدفاع عن المصالح العامة واشباع حاجات الناس في الغذاء والكساء والايواء والتعليم والصحة والرياضة البدنية. يتمسك بالمظاهر. فهي الطريق السهل والذي يحشد الناس، ويصعب الاعتراض عليه لا من الفقهاء ولا من العلماء المثقفين ولا من عامة الناس. وما الفرق بين الولي وغير الولي؟ ألا يعزوا الناس للولي الكرامات التي تجعله قادرا على ما لا يقدر عليه الآخرون في الحياة وفي الممات؟ وهو نوع من الاشراك بالله، بالتوكل والاعتماد عليه، والدعاء له، وطلب المساعدة منهم.
وبالرغم من صحة الموقف الشرعي الا أنه اجتماعيا قد يسبب بعض ردود الفعل. والرسول لم يهدم الكعبة بل نظفها من الأصنام. وصرح لعائشة أنه لولا أن قومها حديثو عهد بالكفر لهدمها لأنها في النهاية حجر مهما يكون بانيه، ابراهيم أو غيره، ومهما يكن من جدده، ومهما يكن من وضع الحجر الأسود فيه، من السماء أو من الأرض. فقد أصبحت الأضرحة مكانا للموالد والأسواق والفنون الشعبية ولتجمع الطرق الصوفية التي هي أيضا في شرعيتها شك طبقا للحركة السلفية الاصلاحية. فهي ليست ظواهر دينية، شرعية أم لا، بل ظواهر اجتماعية خالصة أصبحت جزءا من تاريخ مصر مثل مساجدها. وأصبحت تعرف القاهرة وغيرها من المدن بأنها مدينة الأضرحة وأولياء الله الصالحين. يزورها السياح لهذا السبب. ويدرسها المستشرقون ومؤرخو العمارة والفنون.
وماذا سيفعل أنصار الحكم الشرعي من الحركة السلفية الاصلاحية بالحسين في مسجده وبالسيدة زينب في مسجدها، وبالسيدة نفيسة في مسجدها؟ ماذا سيفعلون في قبور الشافعي من الفقهاء، والسيد البدوي والرفاعي من الصوفية وأصحاب كرامات شهد لهم الناس بقدرة الرفاعية السيطرة على الأفاعي واخراجهم من الجحور وتخليص الناس منهم؟ ولا يمكن تصور القاهرة بدون أضرحة آل البيت الذين لجأوا اليها هربا من اضطهادهم في الشام من بني أمية؟ وما العمل في أضرحة القديسين النصارى داخل كنائسهم مثل سانت تيريزا؟ لو هدمت لكان تعصبا. ولو تركت لكان معيارا مزدوجا، الرحمة بالنصارى والقسوة على المسلمين. وقد لا يكون أحد من عباد الله الصالحين، فقيها أو وليا أو راهبا بهذه المساجد أو الكنائس بل هكذا اعتقد الناس. وكثير من عقائدهم التاريخية لا تطابق الأبحاث التاريخية الحديثة سواء على النصوص أو على الأنبياء أو على القديسين وذلك مثل رأس الحسين وكسيف علي البتار الموجود في كل مساجد الهند وباكستان، وفي كل منها شعرة للرسول.
وماذا لو قامت العامة واتهمت من يقوم بالهدم أو من حكم به بالكفر والالحاد، وبدلا من خدمة الايمان الصحيح قام الناس ضده بعد أن رسخت العقائد الشعبية وأصبح من الصعب تخليصهم منها بسهولة الا بعد جهد عدة أجيال؟ الخطأ لا ينقض الخطأ بل يثبته. ومجموع الخطأين لا يكوّن صوابا. والتعصب لا يواجه بتعصب مضاد بل يزيد التعصب حدة ويقويه. والبديل هو اعادة بناء المقابر، واخراجها خارج المدن، والصحراء واسعة، وتحويل أماكنها الى مساكن شعبية آدمية تبتلع الأضرحة داخلها. البديل هو اعادة بناء العشوائيات وعشش الصفيح الى مدن عمالية كما حدث في الستينات، وداخلها كل الخدمات الممكنة من مدارس ومستوصفات وساحات رياضية لأطفال الشوارع. البديل هو مشروع قومي للاسكان الشعبي بدلا من المقابر والعشوائيات التي أصبحت مرتعا لتجارة المخدرات وأماكن لهروب المجرمين أو مقالب للقمامة. ويساعد ذلك على ايجاد فرص عمل للعمال العاطلين ولتحديث أطراف المدن، مداخلها ومخارجها. وتوضع مكان الأضرحة ميادين عامة وحدائق بها تماثيل الزعماء الوطنيين أو رموز الطبقة العاملة، العمال والفلاحين أو الطلاب بناة المستقبل للحث على التعليم ومحو الأمية كما كان يصدح الشيخ امام في ثورة الشباب في 1972 في أغنية شيد قصورك ع المزارع ، عمال وفلاحين وطلبة ، استعادة للهتافات الوطنية في الأربعينيات يحيا الطلبة مع العمال . وما أسهل من فرض ضرائب تصاعدية على قصور التجمع الخامس وأشباهه من الأحياء ومساعدة الأغنياء في اسكان الفقراء. ما أسهل من فرض ضرائب عقارية على أصحاب الشقق التمليك تتصاعد تدريجيا حتى أصحاب القصور السكنية والفيلات الترفيهية على سواحل مصر الشمالية والشرقية. ما أسهل تحصيل ضرائب على أصحاب الدخول المرتفعة لمساعدة أصحاب الدخول المنخفضة. ويمكن معرفة الحد الأعلى والحد الأدنى للأجور عن طريق تقسيم الدخل القومي على مجموع المواطنين بالتساوي لمعرفة نصيب كل مواطن نظريا من الدخل القومي بصرف النظر عن طبيعة عمله وخبرته وأجره المرتفع اذا عمل في الخارج. وما أسهل من توزيع الخدمات على الأحياء في المدن الكبرى بالتساوي. لكل نصيبها من الدخل القومي وليس فقط الأحياء الراقية التي يسكنها علية القوم أو الأجانب في خطة عامة للتنمية القومية تبدأ بالمناطق الأكثر تضررا والأحوج الى الخدمات العامة مثل سيناء، والواحات، والصعيد، والريف، والأحياء الشعبية.
هذا هو الشرع العملي، وذلك هو تطبيق الشريعة، لا فرق بين اسلامية ومسيحية. وهذه هي الخدمة الوطنية، لا فرق بين دينية وعلمانية، بين سلفية وليبرالية، بين أصولية وحداثة. فالشريعة للبناء وليست للهدم، للأحياء وليست للأموات، للايجاب وليست للسلب، للواجب أو الفرض وليست للحرام أو المحظور. حينئذ يشعر الشعب بأن القضية ليست هدم الأضرحة ولكن بناء العشوائيات، وأن التشريعات ليست فقط للتحريم بل أيضا لأداء الواجب، وأن الاسلام ليس فقط موضوعات نظرية كالولاية والكرامة ولكن موضوعات عملية تتعلق بحياة الناس وبمصالحهم العامة.
الهدم دون البناء، هدم الأضرحة دون بناء العشوائيات، قد يثير الناس الذين تعودوا على تقديسها وزيارتها، وتفريغ همومهم فيها. فالثقافة التقليدية مازالت تقوم على تقديس الأولياء والقديسين وعزو الكرامات لهم، ودعوتهم لقضاء الحاجات. أما البناء، بناء العشوائيات، فانه يوجد البديل للثقافة الشعبية التقليدية في قضاء حاجات الناس، ورعاية المصالح العامة. وأن الولي لا يستطيع أن يطعم جائعا أو يعلم أميا أو يشفي مريضا أو يأوي مشردا أو يربي أطفال الشوارع، ويحميهم من تجارة أعضائهم. انما يأتي ذلك على الأمد الطويل بالتعليم والوعي الذاتي، والقدرة على تحليل الواقع ومعرفة العناصر المكونة له وعوامل تغييره. وهو آت لا محالة.
ودون انتظار تستطيع الثورة حاليا على الأمد القصير أن تقوم بدور التعليم على الأمد الطويل. فالثورة تغير فجائي بعد طول ثبات، بركان بعد طول هدوء، وحركة بعد طول سكون. تستطيع أن تجرف الموروث الشعبي وتعيد صهره بعد أن تصلب وتحجر. فقد كان نتاج التاريخ والصراعات الاجتماعية والسياسية فيه. لا يوجد موروث شعبي دائم وأبدي اذ أنه نتاج كل زمان، وافراز كل عصر. ويحدث انتقال نوعي من موروث الى آخر. من موروث تقليدي ضار استغله السلطان وفقهاؤه لتسكين المجتمع وابقائه على حاله الى موروث حركي جديد قادر على تغيير السلطة ورجالها، يحمي مصالح الناس. ويتحول المقدس من موروث الى آخر. ويهتز ثباته، ويقضي على أبديته حتى يبدد التعليم المفهوم ذاته. ويتحول المجتمع كله من مجتمع الخرافة الى مجتمع العلم.
AZP07

مشاركة