
فارس السرّدار
من معالم أي مجتمع إستحق توصيف (مجتمع حضاري)، الالتزام بالنظام بالمقام الأول ووُفق سعي دؤوب غير متكلّف، متجدد، حريص، نسيجي، وهذا الانضباط سيفتح ابواب واسعة باتجاه مسارات داعمة، مؤازرة تسند وتوطئ وتدفع لضبط الاتجاه. كالبوصلة التي تأخذ وضع البؤرة في كابينة القبطان للسفينة. لا يغفل عنها القبطان رمشة عين. والمجتمع الساعي للتحضر لا يتصدر كابينة قبطانه أياً كان. لذلك استأثر القبطان بصفة قائد السفينة، ربانها، وقد يتسع التوصيف بلقب ملهمها، اذا ما استطاع أن يخرجها يوماً من ظلمات عاصفة أو اعصار سالمةً متماسكةً. وما أكثر ما تتعرض إليهِ الأمم المتسلقة نحو صرح الحضارة لما هو عاصف ومزجر. واختيار النظام والالتزام به، بل الايمان به، لا يمكن أن يتحقق ما لم يكن للأمة هدف واضح ورغبة حقيقية بالارتقاء. هذا يعني أن الأمة تكون قد نقدت نفسها حدّ التعنيف وإلا لن تكون قد وصلت الى الاقتناع بأهمية التغيير. الذي يقتضي التخلي أو التراجع عن نهج سابق جعلها تبرك على الرغم من ارادتها. فاستحق الأمر كسراً للقوانين الماضية التي ما عادت تلبي الحاجة، أو المعرقلة للمسيرة. وحقيقة الأمر فالعالم من الأساس لم يصل الى ما هو عليه من رقي إلا بعد تكسير القوانين. لأن وجود الأمة بات مقترناً اساساً بهدم القديم والارتكاز على ما تبقى من أسس صالحة. بغية الانطلاق الى فضاءات أوسع، وغالبا ما كانت ملابسنا تضيق علينا، ما لم نستبدلها بين حينٍ وآخر لأن نمو الأجساد يشبه نمو معارفنا وقابليتها على التوالد بعد أن تذهب بعيدا الى حيث تجذرها. من أجل أن تتسع قاعدة الارتكاز أكثر لتتمكن شجرة بقاء الأمة على مواجهة لحظة التزعزع والارتباك من هنا لا بد أن نعرف أن البوصلة ( أية بوصلة) لا تستطيع أن تنحرف عن مسلماتها الفيزيائية المرتبطة بأقطاب الكرة الارضية المغناطيسية شمالية كانت أم جنوبية. تحت تأثير فعل ما يحكمها من خارج القوانين.
أما حرفها بدعوة المصالح والمحاباة والمحاصصة أو ما يتوافق ورؤى القبيلة فهذا لا يفضي الى ما هو نافع بأي معنى. لأن أقطاب المغناطيس في البوصلة لا تتحرك الا بجوهر طاقتها الصرفة، وعكس ذلك يعني الوقوع في قلب الدوامة. بهذا المعنى فللحضارة ثمة وجوه كما الشجرة، اذا ما امتصت معادنها الأصيلة عبر جذورها المتوزعة على الجهات كلها. المتغلغلة الى اعماق التربية بشرط ملاءمتها لما يحيط مجموعتها الخضرية مع البيئة الطبيعية المتوافقة مع شروط انباتها التي اختارت أن تورق فيها وهكذا فأية حضارة لأية أمة لا بد أن يكون لها قواسم مشتركة مع اية حضارة اخرى، لارتباطها بتلاقحات ثقافية وانسانية سابقة. بمعنى أن النظام الذي تحدثنا عنه منذ البداية يعني فيما يعنيه الايمان بأن يكون الصدق، الاخلاص، والأمانة واحترام الجهد البشري، تقديسه، والتنافس الشريف، والدقة، والمواظبة، ونكران الذات، والاحساس بالآخر، والاهتمام بالعلم والمعرفة والثقافة والفنون. ما هي إلا فروع لهذه الشجة التي من الواجب الحرص على وصول الماء اليها، والحرص على تثوير تربتها، وتسميدها كشروط اساسية لبقائها زاهية وارفة الظلال نظرة تؤتي أُكلها كل حين . والا فكل شيء الى زوال ما لم نحرص على الاعتناء بها. إذن الأمر ليس بالسهل، لأنه فعل قائم على الاستمرار. بهذا النهج نحتاج الى الكثير من الدأب والمطاولة وإلا فلا فرصة لأيّ منا على انتشال احد اذا غرقت السفينة. كلنا شاهدٌ على غرق سفينة تايتانيك حيث لم يمنح المحيط بزمهريره الفرصة للأزواج والاحبة والأبناء بالأخذ بأيدي بعضهم البعض لأن الجميع وضعوا في فضاءٍ يتحدى امكانيات الضحايا كبشر في تقديري أهمية الفلم تكمن هنا، وما توصيفاته بالغريبة عن ثقافتنا، فنحن نعرف مشهداً من أعماق تراثنا يصرخ فينا كل حين مذكراً يقول: يوم يفر المرء من امه وابيه .. فهل حقاً لا فرق بين أن نكون متحضرين ام غير متحضرين !؟ فالحياة تستمر، والفوز في خاتمة الأمر لا ينظر الى من كان متحضراً أو غير متحضر في منحنيات عقلنا الغيبي، لكننا ننسى أننا سنسأل عن أعمارنا فيما أفنيناها، وأصابعنا فيما أبلت، والسنتنا فيما نطقت، وأبصارنا فيما انهكت. فهل يعتقد احد ان سائلا بهذا الاتساع وهو الخالق طبعا ستكون بوصلته معطوبة (حاشاه) بل هي منصوبة وفقا لكلية علمه بعد ان يبدل الأرض غير الأرض والسماوات وهو قاصد بعمق أن الوجود المتحضر العارف والمكافح والمجتهد أكثر زهوا وبريقا عن اي وجود مرَ مرور الكرام لم يتفاعل ويثابر أمام فرصة الحياة وامتلاك بطاقة ركوبه لسفينة الفضاء (أمنا الأرض) المتنقلة في فضاءاته الواسعة يكابد ويكتشف ويعمر ويبني ويمحص ويتأمل ويكتشف ما في ملكوته من ادهاش ليقل في نهاية المطاف هاكم كتابيَّ.



















