نيران المخيم.. توهجات صغيرة ترفع حرارة هالة الشمس

1030

باريس‭ (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬مجموعة‭ ‬مصادر‭ ‬سبب‭ ‬حرارة‭ ‬هالة‭ ‬الشمس‭ ‬التي‭ ‬تتجاوز‭ ‬حرارة‭ ‬سطحها‭ ‬بأشواط‭ ‬وتشكل‭ ‬لغزاً‭ ‬فيزيائياً‭ ‬يحيّر‭ ‬العلماء‭ ‬ويحاول‭ ‬المسبار‭ “‬سولار‭ ‬أوربيتر‭” ‬فك‭ ‬رموزه‭.‬

وأقرّ‭ ‬عالم‭ ‬الفلك‭ ‬فريدريك‭ ‬أوشير‭ ‬من‭ ‬معهد‭ ‬الفيزياء‭ ‬الفلكية‭ ‬الفضائية‭ ‬الفرنسي‭ ‬في‭ ‬تصريح‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬بأن‭ “‬لا‭ ‬تفسير‭ ‬متماسكاً‭ ‬لهذه‭ ‬الظاهرة‭” ‬إلى‭ ‬الآن‭.‬

نشأ‭ ‬هذا‭ ‬اللغز‭ ‬قبل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬70‭ ‬عاماً،‭ ‬عندما‭ ‬أدرك‭ ‬العلماء‭ ‬أن‭ ‬حرارة‭ ‬الهالة‭ ‬الشمسية‭ ‬–‭ ‬أي‭ ‬الغلاف‭ ‬الجوي‭ ‬للشمس،‭ ‬الذي‭ ‬يُسخِّن‭ ‬قرصُه‭ ‬الأبيض‭ ‬كوكب‭ ‬الأرض‭- ‬تتجاوز‭ ‬المليون‭ ‬درجة‭ ‬مئوية،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يقتصر‭ ‬الحد‭ ‬الأقصى‭ ‬لدرجة‭ ‬حرارة‭ ‬سطح‭ ‬الشمس‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬5500‭ ‬درجة‭.‬

وقال‭ ‬أوشير‭ ‬الذي‭ ‬شارك‭ ‬في‭ ‬إعداد‭ ‬دراستين‭ ‬عن‭ ‬الموضوع‭ ‬ستنشران‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ “‬أسترونومي‭ ‬أند‭ ‬أستروفيزيكس‭” ‬العلمية‭ “‬عندما‭ ‬نبتعد‭ ‬عن‭ ‬الهالة،‭ ‬تنخفض‭ ‬درجة‭ ‬الحرارة‭ ‬قليلاً،‭ ‬مثل‭ ‬جهاز‭ ‬التدفئة‭ ‬الذي‭ ‬يسخن‭ ‬بدرجة‭ ‬أقل‭ ‬عندما‭ ‬نبتعد‭ ‬عنه‭”‬،‭ ‬ولكن‭ ‬درجة‭ ‬الحرارة‭ ‬هذه‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ “‬الارتفاع‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬بسرعة‭ ‬فائقة‭”.‬

وهنا‭ ‬يكمن‭ ‬دور‭ ‬المسبار‭ “‬سولار‭ ‬أوربيتر‭” ‬التابع‭ ‬لوكالة‭ ‬الفضاء‭ ‬الأوروبية‭ ‬و‭”‬ناسا‭”‬،‭ ‬الذي‭ ‬التقط‭ ‬العام‭ ‬الفائت‭ ‬صوره‭ ‬الأولى‭ ‬للشمس‭ ‬خلال‭ ‬عملية‭ ‬رصد‭ ‬لخمس‭ ‬دقائق‭ ‬كانت‭ ‬تهدف‭ ‬ببساطة‭ ‬إلى‭ ‬التحقق‭ ‬من‭ ‬الأداء‭ ‬السليم‭ ‬لأدواته‭.‬

والتقط‭ ‬المسبار‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬من‭ ‬بُعد‭ ‬نحو‭ ‬77‭ ‬مليون‭ ‬كيلومتر‭ ‬من‭ ‬الشمس،‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬منتصف‭ ‬المسافة‭ ‬بين‭ ‬الأرض‭ ‬ونجمها،‭ ‬وكشفت‭ ‬ظاهرة‭ ‬جديدة‭ ‬هي‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬توهجات‭ ‬شمسية‭ ‬صغيرة،‭ ‬منتشرة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭ ‬على‭ ‬السطح،‭ ‬أُطلِقَت‭ ‬عليها‭ ‬تسمية‭ “‬نيران‭ ‬المخيم‭”.‬

وتمكن‭ ‬فريق‭ ‬من‭ ‬العلماء‭ ‬الأوروبيين‭ ‬والأميركيين‭ ‬والروس‭ ‬مذّاك‭ ‬من‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬البيانات‭ ‬المُعايرة،‭ ‬أي‭ “‬النظيفة‭”‬،‭ ‬المأخوذة‭ ‬بواسطة‭ ‬أداة‭ ‬المسبار‭ ‬التي‭ ‬تلتقط‭ ‬الصور‭ ‬بواسطة‭ ‬الأشعة‭ ‬فوق‭ ‬البنفسجية‭ ‬الشديدة‭.‬

وشرح‭ ‬أوشير‭ ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬الأداة‭ ‬أتاحت‭ ‬للباحثين‭ “‬رؤية‭ ‬هياكل‭ ‬دقيقة‭ ‬جداً‭ ‬في‭ ‬الغلاف‭ ‬الجوي‭ ‬للشمس‭” ‬تبيّن‭ ‬لهم‭ ‬أنها‭ “‬نسخ‭ ‬مصغّرة‭ ‬لظواهر‭ ‬أكبر‭  ‬معروفة‭ ‬اصلاً‭”.‬

ويستطيع‭ ‬المسبار‭ ‬رصد‭ ‬تفاصيل‭ ‬يتراوح‭ ‬حجمها‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬400‭ ‬و4000‭ ‬كيلومتر‭ (‬وهي‭ ‬صغيرة‭ ‬قياساً‭ ‬إلى‭ ‬الشمس‭) ‬،‭ ‬وتنبثق‭ ‬هذه‭ ‬التوهجات‭ ‬على‭ ‬ارتفاع‭ ‬يراوح‭ ‬بين‭ ‬ألف‭ ‬وخمسة‭ ‬آلاف‭ ‬كيلومتر‭ ‬فوق‭ ‬سطح‭ ‬الشمس‭- ‬الغلاف‭ ‬الضوئي‭. ‬وهي‭ ‬سريعة‭ ‬الزوال‭ ‬،‭ ‬تظهر‭ ‬لفترات‭ ‬قصيرة‭ ‬جداً،‭ ‬تتراوح‭ ‬بين‭ ‬عشر‭ ‬ثوان‭ ‬و200‭ ‬ثانية،‭ ‬لكنها‭ ‬تصل‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬الزمنية‭ ‬القصيرة‭ ‬جداً‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬حرارة‭ “‬إكليلية‭” ‬تزيد‭ ‬عن‭ ‬مليون‭ ‬درجة‭ ‬مئوية‭.‬

واستنتج‭ ‬العلماء‭ ‬أن‭ “‬الغلاف‭ ‬الجوي‭ ‬يسخن‭ ‬بفعل‭ ‬هذا‭ ‬العدد‭ ‬الهائل‭ ‬من‭ ‬الومضات‭ ‬الصغيرة‭ ‬التي‭ ‬تحصل‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭” ‬،‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬افاد‭ ‬أوشير‭ ‬الذي‭ ‬أجرى‭ ‬دراسته‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬ديفيد‭ ‬بيرغمانز‭ ‬من‭ ‬المرصد‭ ‬الملكي‭ ‬البلجيكي‭ ‬وديفيد‭ ‬لونغ‭ ‬من‭ ‬مختبر‭ “‬مالرد‭” ‬لعلوم‭ ‬الفضاء‭ ‬في‭ ‬بريطانيا‭. ‬وفي‭ ‬دراسة‭ ‬ثانية،‭ ‬تولى‭ ‬العالم‭ ‬الصيني‭ ‬ياجي‭ ‬تشين‭ ‬والبروفيسور‭ ‬هاردي‭ ‬بيتر‭ ‬من‭ ‬معهد‭ ‬ماكس‭ ‬بلانك‭ ‬الألماني‭ ‬نمذجة‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬باستخدام‭ ‬نتائج‭ ‬الرصد‭ ‬الذي‭ ‬أجراه‭ ” ‬سولار‭ ‬أوربيتر‭”. ‬وتوصلت‭ ‬الدراسة‭ ‬إلى‭ ‬نتيجة‭ ‬مماثلة‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ “‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬تساهم‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬تسخين‭ ‬الهالة‭”.‬

لكن‭ ‬جميع‭ ‬الباحثين‭ ‬يقرّون‭ ‬بضرورة‭ ‬انتظار‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬عمليات‭ ‬الرصد‭ ‬التفصيلية‭ ‬لتأكيد‭ ‬سيناريو‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬منطقياً‭ ‬للوهلة‭ ‬الأولى،‭ ‬إذ‭ ‬هو‭ ‬اشبه‭ “‬بمحاولة‭ ‬تسخين‭ ‬الغلاف‭ ‬الجوي‭ ‬لهذا‭ ‬النجم‭ ‬الكبير‭ ‬بواسطة‭ ‬أعواد‭ ‬كبريت‭”‬،‭  ‬وفق‭ ‬التشبيه‭ ‬الذي‭ ‬استخدمه‭ ‬أوشير‭ ‬لتلخيص‭ ‬المسألة،‭ ‬علماً‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الغلاف‭ ‬الجوي‭ ‬موجود‭ ‬على‭ ‬ارتفاع‭ ‬ملايين‭ ‬الكيلومترات‭ ‬عن‭ ‬سطح‭ ‬الأرض‭.‬

واصاف‭ “‬نسعى‭ ‬إلى‭  ‬معرفة‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬ثمة‭ ‬ما‭ ‬يكفي‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الانفجارات‭ ‬الصغيرة‭ ‬وما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬تحمل‭ ‬طاقة‭ ‬كافية‭ ‬لرفع‭ ‬درجة‭ ‬حرارة‭ ‬الهالة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬عليه‭”.‬

‭ ‬لكنّ‭ ‬الأمر‭ ‬يتطلب‭ ‬بعض‭ ‬الصبر،‭ ‬إذ‭ ‬أن‭ “‬سولار‭ ‬أوربيتر‭” ‬لن‭ ‬تستخدم‭ ‬كل‭ ‬إمكاناتها‭ ‬التقنية‭ ‬قبل‭ ‬الخريف،‭ ‬عندما‭ ‬يصبح‭ ‬ممكناً‭ ‬تشغيل‭ ‬كل‭ ‬أجهزتها‭.‬

ومن‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬يتيح‭ ‬مطياف‭ “‬سبايس‭” ‬الذي‭ ‬يتولى‭ ‬فريديريك‭ ‬أوشير‭ ‬إدارته‭ ‬علمياً‭ ‬إجراء‭ ‬قياسات‭ ‬دقيقة‭ ‬لدرجة‭ ‬حرارة‭ ‬الغلاف‭ ‬الجوي‭ ‬الشمسي‭ ‬وكثافة،‭ ‬وبالتالي‭ ‬لـ‭”‬نيران‭ ‬المخيم‭”.‬

أما‭ ‬مقياس‭ ‬الاستقطاب‭ “‬بي‭ ‬إتش‭ ‬آي‭” ‬فسيرسم‭ “‬خرائط‭” ‬سريعة‭ ‬الزوال‭ ‬للمجالات‭ ‬المغناطيسية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬حصر‭ ‬لها‭ ‬التي‭ ‬تعبر‭ ‬السطح‭ ‬ويُرجَّخ‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬تفاعلها‭ ‬القوة‭ ‬الدافعة‭ ‬وراء‭ “‬نيران‭ ‬المخيم‭”. ‬وتقع‭ ‬هذه‭ ‬التفاعلات‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬التوهجات‭ ‬الشمسية‭ ‬الأكبر‭ ‬حجماً‭. ‬

وينبغي‭ ‬الانتظار‭ ‬حتى‭ ‬شباط‭/‬فبراير‭-‬آذار‭/‬مارس‭ ‬المقبل،‭ ‬حين‭ ‬يتقدم‭ ‬المسبار‭ ‬إلى‭ ‬مسافة‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الشمس‭ ‬مرتين‭ ‬مما‭ ‬كان‭ ‬خلال‭ ‬مروره‭ ‬الأول،‭ ‬بما‭ ‬يوفّر‭ ‬له‭ ‬رؤية‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحاً،‭ ‬ورصد‭ ‬تفاصيل‭ ‬أصغر،‭ ‬ابتداء‭ ‬من‭ ‬حجم‭ ‬يبلغ‭ ‬200‭ ‬كيلومتر‭ ‬فقط‭ ‬مقابل‭ ‬400‭ ‬اليوم‭. . ‬وقد‭ ‬يتمكن‭ ‬عندما‭ ‬من‭ ‬اكتشاف‭ ‬نيران‭ ‬أصغر،‭ ‬وربما‭ ‬أكثر‭.‬

مشاركة