

نوزاد محمد مصطفى
في المراحل السياسية المعقدة والحرجة، لا تُقاس قيمة القادة بجمال الخطاب وعذوبة الوعود، بل بقدرتهم على منع الانهيار وفتح الأبواب المشرعة للحلول. وعندما يمتد زمن الفراغ حتى يتحوّل التأخير إلى قلق عام وتزداد الهواجس خوفًا من البلبلة، تصبح العقلانية السياسية حاجة ضرورية ووجودية لا غنى عنها. من هنا، تستدعي الحاجة الملحة في ظل الظروف السياسية التي يعيشها الإقليم والمنطقة اليوم، إلى دور رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني بوصفه عقل الدولة القادر على إدارة التوازنات مع الفرقاء السياسيين، وإيجاد مساحات لتفاهم فيما يخص الفراغ السياسي في الإقليم فضلا عن موقف الإقليم لما يجري في المنطقة من تحولات غاية في الحساسية التي ترتقي إلى الخطورة.
الأمر الذي أصبح أكثر إلحاحا وبحاجة للمعالجة السريعة داخل إقليم كوردستان هو استطال أمد تشكيل الحكومة، وتزايد القلق الشعبي، وألقى الفراغ السياسي بظلاله على الثقة العامة وعلى صورة النظام السياسي بأكمله. السؤال الكبير الذي يتكرر اليوم في الشارع الكوردي بوضوح ومسؤولية: لماذا طال أمد تشكيل الحكومة حتى الآن؟
الصمت أو التهاون، أو اللامبالاة، مهما كانت النوايا حسنة، فإن الأمر لم يعد حيادا في لحظة خطرة تحتاج معالجة سريعة. كما الفراغ لم يعد أمرا إداريا روتينيا، بل تحوّل إلى كلفة سياسية واقتصادية واجتماعية باهظة. ومع مرور الزمن، يصبح الانتظار والترقب مخاطرة، وبات التأخير عامل إنهاك لمكتسبات تحققت بصعوبة.
وعلى الصعيد الدولي يحظى الرئيس نيجيرفان بارزاني بمكانة وحظوة سياسية دولية ولاسيما من قبل الدول الكبرى، تتناسب مع دوره ومواقفه السياسية التي تتوافق مع المعايير السياسية الدولية.
وضمن هذا السياق تلقّى نيجيرفان بارزاني يوم (17 كانون الثاني 2026)، اتصالًا هاتفيًا من رئيس جمهورية فرنسا إيمانويل ماكرون، بحثا عن طريقه الأوضاع في العراق وإقليم كوردستان والشرق الأوسط، مع اهتمام خاص بشأن الأوضاع في سوريا. وقد عبّر الجانبان عن قلقهما العميق إزاء التوترات والصدامات التي تحدث هناك، ودعوا جميع الأطراف إلى تهدئة الوضع، مؤكدين دعمهم للاستئناف الفوري للمحادثات من أجل تنفيذ اتفاق العاشر من آذار بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية، وضرورة حماية السكان المدنيين.
وفي دلالة سياسية بالغة، أشاد الرئيس ماكرون بدور وجهود نيجيرفان بارزاني في التوسط والسعي لتهدئة الوضع في سوريا، ومنع مزيد من التعقيدات، في اعتراف واضح بدور إقليم كوردستان كفاعل عقلاني ووسيط موثوق به في أحد أكثر ملفات المنطقة تشابكًا. وأكد نيجيرفان بارزاني على أن أية تسوية سياسية مستدامة في سوريا تظل منقوصة ما لم تُثبَّت حقوق الشعب الكوردي صراحة في الدستور السوري المقبل، معربًا عن شكره وتقديره لدور ودعم فرنسا في خفض التوترات وحماية الاستقرار الإقليمي.
وضمن هذا السياق رحب نيجيرفان بارزاني بالمرسوم الذي أصدره رئيس الجمهورية السورية أحمد الشرع، والذي اعترف بالكورد كمكوّن أصيل وحمى حقوقهم، لم يكن موقفا بروتوكوليا أو عاطفيا، بل قراءة سياسية وقانونية عميقة لمسار الدولة السورية المقبلة. فقد شدد على أن احترام التعددية والمساواة، بوصفهما مصدر قوة لا سبب انقسام، يشكّل ركيزة أساسية للاستقرار والسلام، لكنه في الوقت نفسه، وضع جوهر المسألة في مكانه الصحيح: لا قيمة حقيقية لأي قرار ما لم يتحوّل إلى قانون نافذ، ويُثبَّت بوضوح في الدستور السوري المقبل، ضمانا لحماية الحقوق واستدامتها بعيدا عن تقلبات السياسة.
هذا الربط بين الاعتراف السياسي والتحصين الدستوري يعكس مدرسة سياسية ترى أن الحقوق لا تُحفظ بالنيات، بل بالنصوص والمؤسسات. ومن هنا جاء تأكيد دعم إقليم كوردستان لأي جهد يرمي إلى بناء دولة سورية تحتضن جميع مكوناتها من دون تمييز أو تهميش، وتكون فيها الحقوق السياسية والثقافية مصانة ومحمية، بما يعزز أمن واستقرار المنطقة بأسرها. كما دعا جميع الأطراف إلى العمل المشترك بعيدا عن العنف، لوضع آليات تنفيذ واضحة تحوّل المرسوم من إعلان سياسي إلى سياسات وممارسات ملموسة على أرض الواقع.



















