

نوزاد محمد مصطفى
بعد أشهر طويلة من الجمود الذي كبّد العراق خسائر مالية ضخمة وحرم الأسواق العالمية من أحد مصادر الطاقة الحيوية، عاد النفط الكردي ليتدفق مجددًا عبر خط أنابيب كركوك–جيهان إلى البحر المتوسط. وعلى الرغم من أن الإعلان الرسمي جاء من بغداد، فإن الحقيقة التي يتداولها المراقبون هي أن رئيس إقليم كردستان، نيجيرفان بارزاني، كان اللاعب الأكثر تأثيرًا خلف الكواليس في صياغة هذا الاتفاق التاريخي.
فمنذ بداية الأزمة، اتخذ بارزاني موقع “رجل التوازن”، رافضًا الانجرار إلى سياسة القطيعة أو المواجهة، ومؤكدًا أن كردستان لا يمكن أن تزدهر بعيدًا عن العراق، مثلما لا يمكن للعراق أن يستقر من دون شراكة حقيقية مع الإقليم. هذه القناعة الثابتة دفعته إلى أن يجعل من ملف النفط – الذي طالما كان محور نزاع – جسراً للتفاهم والتكامل، بدلًا من أن يبقى أداة صراع وانقسام.
لقد تحرك بارزاني بعقلية رجل دولة، واضعًا المصلحة الوطنية فوق الحسابات الحزبية الضيقة. لم يكن همه تسجيل نقاط سياسية آنية، بل صياغة تفاهم طويل الأمد يُعيد الثقة بين بغداد وأربيل. وبصفته رجل دولة، أدرك أن الثروة النفطية يجب أن تكون أداة لبناء الشراكةلا لتقويضها، وأن القيادة تُقاس بالقدرة على إنتاج حلول عملية في لحظات الأزمات الكبرى.
مصادر سياسية مطلعة أشارت إلى أن بارزاني تحرك عبر قنوات غير معلنة، جامعًا بين الدبلوماسية الهادئة والضغط الداخلي، لإقناع الأطراف الكردية بضرورة تقديم تنازلات واقعية، وفي الوقت نفسه تطمين بغداد إلى أن أربيل شريك موثوق. وفي لحظة حرجة، لعب دور الوسيط بين شركات النفط الأجنبية والحكومة الاتحادية لتقريب وجهات النظر بشأن العقود والديون المعلقة، وهو ما ساعد على تذليل واحدة من أعقد العقبات أمام استئناف التصدير.
هذا الدور لم يمر مرور الكرام في بغداد. فقد أشاد رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، علنًا بالروح التوافقية التي أبداها رئيس إقليم كردستان، مؤكدًا أن الاتفاق لم يكن ليتحقق لولا جهوده المستمرة. إشادة السوداني لم تكن مجرد لفتة دبلوماسية، بل إقرارًا بأن بارزاني مارس قيادة صامتة لكنها فعّالة، مكّنت العراق من استعادة شريان نفطي حيوي في وقت حساس.
ومع أن الاتفاق لا يزال يواجه تحديات تتعلق بتنفيذه على الأرض، خصوصًا في ما يتعلق بآليات دفع الديون للشركات الأجنبية، فإن بصمة بارزاني تبدو واضحة في إعادة صياغة العلاقة بين أربيل وبغداد على أسس أكثر براغماتية. فهو لم يكتفِ بإعادة تصدير النفط، بل سعى إلى ترسيخ فكرة أن الثروة النفطية يجب أن تكون ركيزة للوحدة الوطنية، لا وقودًا للانقسام.
بهذا الدور الخفي، وبعقلية رجل الدولة، يثبت نيجيرفان بارزاني أن القيادة الحقيقية لا تُقاس بمقدار الظهور الإعلامي، بل بقدرة القائد على بناء الجسور في أحلك اللحظات. وبينما تتجه أنظار الأسواق العالمية إلى عودة النفط العراقي، يبقى الأثر الأعمق هو تكريس شراكة جديدة بين أربيل وبغداد، قوامها الحوار والتعاون، وهي الرؤية التي عمل بارزاني بصمت وإصرار على تجسيدها.



















