نيابة عن جبل – احمد عبد المجيد

418

ahmad abdelmegaad

نيابة عن جبل – احمد عبد المجيد

يحمل العراق أثقالاً تنوء بها الجبال ، ويتحمل الشعب معاناة تعجز بقية شعوب الأرض عن تحملها ، وكأنما أصبح قدر هذه البلاد أن تواصل أوضاعها المزرية جيلاً بعد جيل، فإذا تولى شؤونها محتل أو غاصب كانت هي الضحية ، وإذا  جاء الى دفة حكمها من يوصفون بأبناء جلدتها تكون هي الضحية أيضاً.

في السر والعلن هناك معاناة ، في أسواق الشعر على عهد الخلافة الإسلامية ، كان فحول العمود يطلقون العنان لصرخاتهم كي تصل الى اصحاب السطوة والجاه ، وفي عصور الإنحطاط  والتراجع ، كان بعض الكتبة يحاولون ممارسة دور بديل برغم ضغط الولاة وقسوة الظروف ، وفي بقية الحقب ، كان الأدباء ومن ثم المشتغلون بالصحافة يواكبون مسؤولية نقل هذه المعاناة التي تكبر وتكبر وتتكاثر وتتناسل نتيجة عوامل الفقر والأمية والتبعية والإضطراب الداخلي وسوء الإدارة ،  وفيما تتقدم الحقب تزداد الأوجاع والآلام وتتسع مساحة المعاناة وتتنوع بتنوع المتطلبات وإتساع فجوة العلاقات والأواصر . وإني لأستغرب من أناس غالباً ما يقارنون فيقولون . لم نكن كذا وأصبحنا كذا ، ولم تكن هناك طائفية ومحاصصة فيما جاء من جاء فأسسها وختم الاحتلال اصابعه عليها ، فتفاقمت وتحولت الى عنف ودم أوجبا طرح مشاريع للتسوية السياسية واخرى مضادة لها . واني أيضاً لأستغرب من منطق أولئك الذين يرون  الأمور على غير حقيقتها ، فيشتمون الساسة واصحاب القرار وينكرون أو يتنكرون لدورهم في مساعدة الساسة أو تأمين الدوافع والأسباب اليهم لكي ينهشوا جسد الشعب ويستحوذون على المنافع ويواصلون أكل النطيحة على مرأى الرأي العام ومسمعه .

ودعونا نكون صريحين جداً ولنقل الحق ولو على أنفسنا ، ونتساءل من جاء بهؤلاء الساسة الى دفة الحكم ؟ من أوصلهم الى أوضاعهم الراهنة وأجلسهم فوق كراسيهم وشجعهم على أن يتفرعنوا علينا ؟ من يمشي اليهم ويستجيب لنداءاتهم ، التي غالباً ما تعطل المصالح العامة وتقطع أوصال المناطق والمدن ؟ من يردد هتافاتهم الدالة على شحن الأحقاد واطلاق النيران من ألسنة البعض على البعض ؟ من يقاتل بالنيابة عن أولئك الذين يمضون لياليهم الحُمر في دولة ويقضون عطلات البرلمان والحكومة في دول الجنسية المزدوجة ؟

ويأتي دور الإعلام كي يزيد الطين بلة . فمعظمه يصور الأوضاع وكأن الجميع في العراق لصوص . الكل فاسد والكل متواطئ والكل أمي ومقصر في العمل وكسلان وعديم الخبرة . والكل خارج التغطية لا يعلم ولا يريد أن يعلم . كما يصور حياة البلاد ، كأنها معركة أو غابة لا يسلم منها أحد . النزيف اليومي بلا إنقطاع والبطالة لا مجال للقضاء عليها ، وينسى ان العراق بلد نفطي بل يعوم على بحيرة من النفط ، وان ارادة عراقية وطنية حقيقية تستطيع ان تعالج مشاكله وتمضي به الى مصاف بلدان البحبوحة والخير .. ارادة كعزم رئيس وزراء ماليزيا السابق مخاتير محمد يمكن أن تخلق معجزة اسيوية جديدة . هناك من يتجاهل الحقائق فيزيد معاناة الناس وبدلاً من أن تكون لدينا وسائل إتصال جامعة نذهب الى خطاب مفرق محرض دموي مجزئ يسهم في تعجيل التقسيم الجغرافي ويوفر الذرائع للآخرين كي يصفوننا بأننا شعب مكونات متصارعة لا مجال لتوحيدها أو تعزيز معالم مستقبل لها تحت خيمة واحدة . أنا أؤمن بالحديث الشريف (كيفما تكونوا يولى عليكم ) وقول الباري تعالى (ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) . إننا نحتاج الى قلوب نظيفة حقاً وألسنة تعلن الباطل باطلاً والحق حقاً ونحتاج الى عمل وعمل وعمل بدلا من الثرثرة والشكوى، وبخلافه ستظل معاناتنا واوجاعنا تكبر وتكبر فننوء بها ونترحم على من يتحملها نيابة عن الجبال .

مشاركة