نهج العلمانية المكروه – جليل وادي

192

كلام أبيض

نهج العلمانية المكروه – جليل وادي

الامم التي تريد لنفسها مستقبلا زاهرا، لابد أن تتأمل في ماضيها، ولكن عندما يصيبها هوس بذلك الماضي، وتضفي عليه من التقديس ما هو مبالغ فيه، وتقمع كل من ينتقده، او يتحرر من قيوده، ويرفض أن يكون سجين حيطانه، فانها تعود بنفسها لعصور الظلام، وتتخذ من الكهوف مسكنا، وستكتشف خطأها لاحقا، ولكن بعد فوات الأوان، في وقت يكون فيه الآخرون قد بلغوا شأوا بعيدا في التقدم، وستجد نفسها عالة على غيرها، تستهلك أكثر مما تنتج، وربما بلا انتاج .

ثمة فرق كبير بين أن تفخر بماضيك وبين أن تعبده، بين استلهامه، وبين التعلق بأوهامه ،والظن ان لا طريق للغد الا به، وبين أن تنظر له نظرة فاحصة، وبين أن تجتزء منه حوادث بعينها، بين أن تصوغ منه هوية تتميز بها عن الغير ، وبين أن تكون انت الماضي نفسه، فتنقطع عن العالم، وكأنك لا تنتمي اليه، ولست جزءا من حركته الفاعلة.

من الغرائب ان نقدس ماضينا كل هذا التقديس، بينما لا نحرص على قيمه ، ونحافظ على شواهده ، نحن نعيش في الماضي ولا يربطنا بالمستقبل سوى أمان فارغة، فلم نتمكن من مراجعة تراثنا مراجعة موضوعية ليتسنى توظيفه في الحاضر ونستشرف به المستقبل .

لقد ظلت مراجعة التراث حبيسة نفر ضئيل من النخبة، وبرع فيها مغرب الأمة أكثر من مشرقها، وبرغم قلتهم فقد طالتهم من الشتائم أغربها، ومن النعوت أقذرها، حتى وصفوا بالاستغراب وتذويب الشخصية وتزييف الهوية ، مع ان الكثير منهم أحرص على التاريخ من اولئك الذين اعتلوا المرتفع من المنابر، وامتلكوا الرفيع من الحناجر، لكنهم في لحظة التناقضات هدّموا بمعاولهم كل ما هو عامر . ولم تمتد تلك المراجعات برغم أهميتها الى الوسط الاجتماعي، فظلت النخبة في واد والوسط الاجتماعي في آخر ، يتخبط في دروبه، ولذلك أسباب شتى، فرجال السلطة (الأشاوس) عادوا النخبة باستثناء المرتزقة منهم، وقربوا من رجال الدين من يرغب الاقتراب، واجزلوا لهم العطاء، واحتواء من تلمسوا فيه تمردا، فالحفاظ على السلطة تستدعي ضروراته سلوك هذه المسالك ، ومنها توظيف الذين ظنوا انهم المدافعون الوحيدون عن الله جل في علاه ، فنصّبوا أنفسهم أوصياء على الناس، واختاروا العاطفي من التاريخ وأكثره تأثيرا وأقدسه في نظر العامة، ولم يكن المبتغى استثماره في بناء الحاضر وتأمين الدخول الى المستقبل، بل لترسيخ أقدام الوصاية لما فيها من وجاهة وما تدره من ربح وفير، ونفوذ كبير، ومثل هؤلاء، تهمة الارتداد جاهزة في جيوب (جببهم) لكل من تسول له نفسه المساس بمشروعهم الاقتصادي القائم على الوصاية .

فانحدار الامم ليــــــس رهنا بالاحتلال الاجنبي فحسب، بل عندما تحتل الامة نفسها بنفسها، وكل يمضي في طريق، وعندما يفتقد أصحاب الأمر لرؤية ثاقبــــــة لماضيها وحاضرها ومســــــتقبلها، عند ذاك لن يكون بمقــــــدورنا بث الحماس في النفــــوس، فالتـــــــقديس المفرط كفيل بخلق روح التمرد، خصوصا عندما يفشل دعاة التقديس في بناء الحاضر، وفي لحظة حاسمة يغدو الماضي بكل ما فيه من رموز سامية محط تندر واستهزاء .

في كتابه (عصر الانحدار) الصادر عن دار الاندلس في بيروت عام (1963) يصف الاستاذ محمد أسعد طلس حال الامة قبل احتلال المغول لبغداد على النحو الآتي (( لم تكن حالة الشعب أفضل من حالة الخليفة ورجالات قصره ،فقد كان عامة الناس على جانب كبير من التفسخ الخلقي والفساد الاجتماعي … حتى انقسموا على أنفسهم شيعا، كل شيعة تناصر احدى الدول الاجنبية المجاورة او الأحزاب والفرق الداخلية))، حقا التاريخ يعيد نفسه، واعادة التاريخ لنفسه يعني اننا لم نفعل شيئا أبدا لتطوير المسيرة، بالرغم مما يدعيه البعض من بطولات يحاول ايهام الناس بها، نحن بفضل المعممين وغير المعــــممين لسنا في مرحلة انحدار، بل في حالة اغتراب وضياع اذا لم نطّهّر منظورنا للحياة من القوالب الجامدة ، بحاجة لاعادة صياغة علاقتنا بماضينا بمنظور مستنير، وذلك لن يكون من دون نهج علمي وعلماني .

مشاركة