نهاية عبد المهدي – رافد جبوري

712

رافد جبوري

واشنطن

الاستقالة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬ابدا‭ ‬في‭ ‬جيب‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬العراقي‭ ‬عادل‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬كما‭ ‬اشيع‭ ‬ونقل‭ ‬عنه‭ ‬مع‭ ‬استلامه‭ ‬لمنصبه‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭. ‬لم‭ ‬يقدم‭ ‬استقالته‭ ‬الا‭ ‬بعد‭ ‬ان‭ ‬فقد‭ ‬دعم‭ ‬الجهة‭ ‬التي‭ ‬اوصلته‭ ‬الى‭ ‬رئاسة‭ ‬الوزراء‭ ‬وهو‭ ‬المبتعد‭ ‬عن‭ ‬الحلبة‭ ‬السياسية‭ ‬وغير‭ ‬المرشح‭ ‬اصلا‭ ‬للانتخابات‭ ‬البرلمانية‭. ‬

كتبنا‭ ‬اكثر‭ ‬من‭ ‬مرة‭ ‬منذ‭ ‬استلام‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬لمنصبه‭ ‬بان‭ ‬حكومته‭ ‬ستكون‭ ‬حكومة‭ ‬بلا‭ ‬شهر‭ ‬عسل‭. ‬فعلى‭ ‬عكس‭ ‬سلفيه‭ ‬المالكي‭ ‬والعبادي‭ ‬اللذان‭ ‬تحججا‭ ‬دوما‭ ‬بوجود‭ ‬وضع‭ ‬امني‭ ‬متدهو‭ ‬وحروب‭ ‬واضطرابات‭,‬  ‬اتى‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬هادئة‭ ‬نسبيا‭. ‬لكنه‭ ‬توهم‭ ‬ان‭ ‬هذا‭ ‬الهدوء‭ ‬النسبي‭ ‬الذي‭ ‬ميز‭ ‬فترة‭ ‬رئاسته‭ ‬سيدوم‭ ‬ليبقى‭ ‬في‭ ‬منصبه‭ ‬لاربع‭ ‬سنوات‭ ‬يلوح‭ ‬فيها‭ ‬بين‭ ‬فترة‭ ‬واخرى‭ ‬عن‭ ‬استقالته‭ ‬الجاهزة‭ ‬وزهده‭ ‬المزعوم‭ ‬بالمناصب‭. ‬لكن‭ ‬اندلاع‭ ‬انتفاضة‭ ‬تشرين‭ ‬وتحولها‭ ‬الى‭ ‬ثورة‭ ‬كان‭ ‬هو‭ ‬الاختبار‭ ‬الحقيقي‭. ‬كان‭ ‬بامكان‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬ان‭ ‬يعلن‭ ‬استقالته‭ ‬منذ‭ ‬الايام‭ ‬الاولى‭ ‬للانتفاضة‭ ‬ومع‭ ‬القمع‭ ‬الوحشي‭ ‬الذي‭ ‬تمت‭ ‬ممارسته‭ ‬ضدها‭ ‬لكنه‭ ‬ظهر‭ ‬في‭ ‬سلسلة‭ ‬خطابات‭ ‬بائسة‭ ‬حاول‭ ‬فيها‭ ‬ان‭ ‬يربط‭ ‬بين‭ ‬بقاءه‭ ‬في‭ ‬حكومته‭ ‬وبقاء‭ ‬الدولة‭ ‬نفسها‭. ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬ثار‭ ‬المتظاهرون‭ ‬بحثا‭ ‬عنها‭ ‬وسعيا‭ ‬لاقامتها‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬نظام‭ ‬الفساد‭ ‬والطائفية‭ ‬المتهم‭ ‬بالفشل‭ ‬في‭ ‬اقامة‭ ‬دولة‭ ‬حقيقية‭ ‬يكون‭ ‬اساسها‭ ‬الانسان‭ ‬والمواطنة‭ ‬او‭ ‬حتى‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬ادنى‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬المعايير‭.‬‭ ‬

استمر‭ ‬القمع‭ ‬واستمرت‭ ‬خطابات‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬وغيره‭ ‬من‭ ‬زعماء‭ ‬الطبقة‭ ‬السياسية‭ ‬تشيطن‭ ‬المتظاهرين‭ ‬تارة‭ ‬وتحاول‭ ‬خلط‭ ‬الاوراق‭ ‬باعلانها‭ ‬الزائف‭ ‬تأييد‭ ‬التظاهرات‭ ‬مع‭ ‬التحذير‭ ‬من‭ ‬اخطار‭ ‬المندسين‭ ‬والاجندات‭. ‬تعددت‭ ‬ايضا‭ ‬وعود‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬وخطاباته‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬شوارع‭ ‬بغداد‭ ‬والمحافظات‭ ‬الجنوبية‭ ‬تتلقاها‭ ‬بسخرية‭ ‬وغضب‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬اشتعال‭ ‬التظاهرات‭. ‬

اما‭ ‬خطابة‭ ‬الاخير‭ ‬فيستحق‭ ‬الانتباه‭ ‬لانه‭ ‬كان‭ ‬الاقوى‭ ‬لهجة‭ ‬وكان‭ ‬واضحا‭ ‬بان‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬بات‭ ‬يشعر‭ ‬وهو‭ ‬مخطئ‭ ‬بقوة‭ ‬اكبر‭. ‬فقد‭ ‬تعهد‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الخطاب‭ ‬بالتصدي‭ ‬بحزم‭ ‬لما‭ ‬سماه‭ ‬بالفتنة‭ ‬و‭ ‬تحدث‭ ‬مرة‭ ‬اخرى‭ ‬بتركيز‭ ‬اكثر‭ ‬عن‭ ‬ادعاءات‭ ‬وجود‭ ‬مندسين‭ ‬بين‭ ‬المتظاهرين‭ ‬بات‭ ‬التصدي‭ ‬لهم‭ ‬ضرورويا‭ ‬ووشيكا‭.  ‬جاءت‭ ‬النهاية‭ ‬مثل‭ ‬بداية‭ ‬عائلة‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬شبر‭ ‬المنتفجي‭,‬‭ ‬نسبة‭ ‬الى‭ ‬المنتفج‭ ‬وهو‭ ‬الاسم‭ ‬السابق‭ ‬للمنطقة‭ ‬التي‭ ‬تضم‭ ‬محافظة‭ ‬ذي‭ ‬قار‭ ‬حاليا‭. ‬فقد‭ ‬تحدرت‭ ‬تلك‭ ‬العائلة‭ ‬من‭ ‬الناصرية‭ ‬التي‭ ‬اتى‭ ‬منها‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬المنتفجي‭ ‬والد‭ ‬عادل‭ ‬وجيها‭ ‬ووزيرا‭ ‬في‭ ‬العهد‭ ‬الملكي‭.  ‬فبعد‭ ‬زيارة‭ ‬لعبد‭ ‬المهدي‭ ‬الى‭ ‬الناصرية‭ ‬مركز‭ ‬المحافظة‭ ‬تصاعدت‭ ‬اعمال‭ ‬القمع‭ ‬وحدثت‭ ‬المذابح‭ ‬المعروفة‭. ‬بان‭ ‬تخبط‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬حينما‭ ‬استدعى‭ ‬عزل‭ ‬الجنرال‭ ‬جميل‭ ‬الشمري‭ ‬صاحب‭ ‬السيرة‭ ‬المعروفة‭ ‬في‭ ‬قمع‭ ‬تظاهرات‭ ‬سابقة‭. ‬تصاعد‭ ‬القمع‭ ‬في‭ ‬النجف‭ ‬ايضا‭ ‬وفي‭ ‬بغداد‭,‬‭ ‬لكن‭ ‬صمود‭ ‬المتظاهرين‭ ‬كان‭ ‬دائما‭ ‬قويا‭ ‬ومؤثرا‭ ‬على‭ ‬الاحداث‭ ‬ومساراتها‭. ‬لكن‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ليستقيل‭ ‬لولا‭ ‬النداء‭ ‬الصريح‭ ‬الذي‭ ‬جاء‭ ‬من‭ ‬ممثل‭ ‬المرجعية‭ ‬الشيعية‭ ‬العليا‭ ‬للبرلمان‭ ‬العراقي‭ ‬بان‭ ‬يغير‭ ‬الحكومة‭. ‬ضج‭ ‬انصار‭ ‬المرجعية‭ ‬الشيعية‭ ‬ومن‭ ‬بينهم‭ ‬اولئك‭ ‬المنتقدون‭ ‬بشدة‭ ‬للتظاهرات‭ ‬بالاحتفاء‭ ‬بها‭ ‬وبتدخلها

,‬‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬ضج‭ ‬المتظاهرون‭ ‬ومعظمهم‭ ‬من‭ ‬الشيعة‭ ‬ايضا‭ ‬بالاحتفال‭ ‬فيما‭ ‬اعتبروه‭ ‬نصرة‭ ‬وخطوة‭ ‬مهمة‭ ‬تحققت‭. ‬نفت‭ ‬المرجعية‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬انها‭ ‬ايدت‭ ‬تقلد‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬لمنصب‭ ‬رئاسة‭ ‬الوزراء‭ ‬من‭ ‬الاساس‭ ‬لتكتمل‭ ‬صورة‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬المهزوم‭ ‬المندحر‭ ‬الذي‭ ‬يتخلى‭ ‬عنه‭ ‬الاخرون‭ ‬على‭ ‬عادل‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭.‬‭ ‬اما‭ ‬اسئلة‭ ‬المحاسبة‭ ‬عن‭ ‬مقتل‭ ‬مئات‭ ‬المتظاهرين‭ ‬وجرح‭ ‬الالاف‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬منذ‭ ‬اندلاع‭ ‬الانتفاضة‭ ‬فتبقى‭ ‬مطروحة‭. ‬ليس‭ ‬من‭ ‬المرجح‭ ‬ان‭ ‬تتم‭ ‬اي‭ ‬مسائلة‭ ‬حقيقية‭ ‬لعبد‭ ‬المهدي‭ ‬الا‭ ‬اذا‭ ‬نجحت‭ ‬الانتفاضة‭ ‬في‭ ‬التحول‭ ‬الى‭ ‬ثورة‭ ‬منتصرة‭ ‬وهي‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬طور‭ ‬الثورة‭ ‬المستمرة‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬التحديات‭ ‬والمشاكل‭ ‬وامامها‭ ‬طريق‭ ‬ليس‭ ‬سهلا‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬الدماء‭ ‬التي‭ ‬اريقت‭. 

يقف‭ ‬العراق‭ ‬اليوم‭ ‬على‭ ‬مفترق‭ ‬طرق‭ ‬حقيقي‭. ‬القوى‭ ‬التي‭ ‬ايدت‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬لن‭ ‬تسمح‭ ‬لسقوطه‭ ‬بان‭ ‬يكون‭ ‬سقوطا‭ ‬لها‭. ‬اول‭ ‬ما‭ ‬تعمل‭ ‬عليه‭ ‬تلك‭ ‬القوى‭ ‬هي‭ ‬التدخل‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬بديله‭. ‬هذا‭ ‬البديل‭ ‬الذي‭ ‬يفترض‭ ‬ان‭ ‬يكون‭ ‬رئيس‭ ‬وزراء‭ ‬انتقالي‭ ‬مؤقت‭. ‬سيكون‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬الاتفاق‭ ‬على‭ ‬شخصية‭ ‬تتوافق‭ ‬عليها‭ ‬القوى‭ ‬المؤثرة‭ ‬على‭ ‬الحكم‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬ويرضى‭ ‬بها‭ ‬المتظاهرون‭. 

‬اما‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬اسوأ‭ ‬سياسيي‭ ‬مابعد‭ ‬الفين‭ ‬وثلاثة‭، ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬امامه‭ ‬فرص‭ ‬ليعكس‭ ‬فعلا‭ ‬شخصية‭ ‬رجل‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يجب‭ ‬ان‭ ‬يرتقي‭ ‬لها‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يفعل‭. ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬سيتقلد‭ ‬موقعه‭ ‬البائس‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬مابعد‭ ‬الفين‭ ‬وثلاثة‭ ‬فهو‭ ‬اول‭ ‬رئيس‭ ‬وزراء‭ ‬يسقط‭ ‬في‭ ‬انتفاضة‭ ‬شعبية‭ ‬رغم‭ ‬تعدد‭ ‬التظاهرات‭ ‬التي‭ ‬انطلقت‭ ‬ضد‭ ‬اسلافه‭. ‬كما‭ ‬انه‭ ‬يغادر‭ ‬ويداه‭ ‬ملطختان‭ ‬بالدماء‭ ‬اكثر‭ ‬من‭ ‬اي‭ ‬رئيس‭ ‬وزراء‭ ‬اخر‭,‬‭ ‬رغم‭ ‬ان‭ ‬اتهامات‭ ‬كثيرة‭ ‬وجهت‭ ‬اليهم‭ ‬جميعا‭ ‬بدرجات‭ ‬مختلفة‭. ‬سيقاوم‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬اي‭ ‬فكرة‭ ‬لمحاسبته‭ ‬قائلا‭ ‬بانه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ابدا‭ ‬وحده‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬نظام‭ ‬وسلسلة‭ ‬وشبكة‭ ‬متصلة‭ ‬متواصلة‭. ‬في‭ ‬هذه‭ ‬على‭ ‬الاقل‭,‬‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬على‭ ‬حق‭ ‬فعلا‭. ‬

مشاركة