نهاد نجيب يرحل وعيناه تذرفان دموعاً على فراق بغداد

374

نهاد نجيب يرحل وعيناه تذرفان دموعاً على فراق بغداد

حلم لم يتحقّق بمغادرة الغربة وإستعادة ذكريات التلفزيون

أنقرة ـ صلاح الربيعي

لقد ترددت كثيرا قبل ان اكتب تلك السطور المتواضعة أمام مكانة احد رموز الاعلام والصحافة العراقية البارزين المتمثل بشخص الفقيد الراحل شيخ المذيعين واسطورة الاعلام الوطني المهني الرصين نهاد نجيب الذي ترك في نفوسنا  فراغا انسانيا ومهنيا فذا لن يشغله أو يعوضه أحد من بعد رحيله الذي افجعنا كمحبين وزملاء كنا بحاجة ماسة له ولمهنيته ودماثة اخلاقه وتواضعه الذي جعل منه قريبا الى قلوب كل الذين عرفوه او عملوا معه على مدى السنوات الماضية  ومنذ فترة طويلة نحن نتابع تلفزيون العراق حيث تطل علينا من خلالهما  الوجوه الوسيمة والكفاءات المهنية المميزة من المذيعين والمذيعات الذين تركوا في نفوسنا أثرا طيبا حتى أصبحنا نشعر بكل من يظهر منهم على شاشة التلفاز بأنه جزء من الأسرة العراقية ولهذا فقد حفظنا أسماء معظم الشخصيات التلفزيونية من مذيعين ومذيعات ومقدمي برامج في ذاكرتنا وان حضورهم وظهورهم المميز وصدى اصواتهم مازال عالقا في أذهاننا بحيث كنا نميز بين  المذيعين واسمائهم من خلال سماع اصواتهم في النشرات الاخبارية او البرامج الحوارية المختلفة قبل النظر الى الشاشة وكان من بين المميزين شيخ المذيعين نهاد نجيب صاحب الصوت الرائع المعروف والغني عن التعريف بكل التوصيـــــفات المهنية التي جذبت المستمعين والمشاهدين الذين عاصروا الاذاعة  والتلفزيون منذ تأسيسهما وحتى عام 2003 الذي كان  بداية خسارة فادحة لكثير من المؤسسات المهنية الرصينة ومنها تلفزيون العراق الذي كان يضم خيرة الاعلاميين والفنانين والفنيين والعاملين المهنيين الكبار سيما المذيعات والمذيعين البارزين الذين تعود الجمهور العراقي على اطلالتهم والاستماع لهم ومشاهدتهم في النشرات الاخبارية والبرامج المنوعة اليومية وقد كان لنجيب الحصة الأكبر في هذه الشاشة لما تميز به من حضور وحب للمهنة الاعلامية التي امضى فيها أكثر من اربعة عقود من العمل التلفزيوني والاذاعي والصحفي اضافة الى اسهاماته الفنية التي لاتنسى في التمثيل ببعض المسلسلات التاريخية والاعمال التلفزيونية المعروفة الأخرى وفي كل سنوات عمله الطويلة التي كانت حافلة بالجد والاجتهاد والنجاحات الرائعة  لم يغير في شخصيته المتواضعة الطيبة التي عرف بها حيث عاش نجيب وسط  زملائه انسانا مهنيا جادا صادقا وقورا مهذبا محبوبا ولم يعرف عنه سوى الخير والمواقف الانسانية الطيبة تجاه المحيطين به في ميدان العمل أو خارجه ما جعله ذلك قريبا من قلوب كل الذين عرفوه  او عملوا معه ..

نشرة اخبارية

وفي عام 2004 ولأول مرة أجد نفسي قريبا منه في استوديو قناة الشرقية التي اعمل بها مراسلا تلفزيونيا للبرامج وقد تملكتني الرهبة والسعادة وأنا أنظر اليه عبر زجاج الاستوديو منتظرا وبكل لهفة  انتهاء النشرة الاخبارية الرئيسة التي كان يقدمها على الهواء مباشرة لكي أحييه وأعبر له عن محبتي واعجابي واعتزازي واحترامي لشخصه ومهنيته وادائه الجذاب وحال انتهاء النشرة  بادرته بالسلام والتحيات وصافحته لكي أعرفه بنفسي حتى تفاجأت بمعرفته لاسمي وطبيعة عملي في الصحافة والتلفزيون مع اشادته بما اقدمه من برامج تلفزيونية مختلفة ومنها برنامج بطاقة تموينية الاسبوعي الانساني الذي بعد ذلك كان للراحل نهاد نجيب نصيب في عدة حلقات منه بتسجيلات صوتية لاعلانات هذا البرنامج الذي كتب نصوصها بكفاءة الاعلامي مجيد السامرائي وانا مازلت احتفظ ببعضها لحد الآن اعتزازا بلحظاتها الطيبة وفي واقع الحال لم أصدق نفسي وانا أقف واتحدث مع رمز اعلامي كبير وهو يشيد بعملي ويثني علي مما جعلني أشعر بسعادة غامرة وكأني أطير فوق السحاب. وبعد هذه الصدفة التي أصفها بالتأريخية ونقطة تحول ايجابية في عملي الاعلامي والصحفي تكررت اللقاءات لسنوات عديدة مع حرصي الشديد بأن اكون قريبا منه لكي أنهل من معرفته وثقافته وانسانيته ومهنيته وفي كل مرة وعند كل لقاء كنت استمع  الى ملاحظاته ونصائحه القيمة حول كيفية نجاح الاعلامي في عمله والحفاظ على هذا النجاح وقد كان الراحل نجيب أستاذا وأخا محبا وناصحا للجميع ولايبخل علينا بأية معلومة تخدم عملنا التلفزيوني او الاذاعي وحتى العمل  الصحفي وهكذا مضت بنا الايام وتغيرت الاحداث وتطورت وساء الوضع  الامني في العراق حيث تسبب ذلك بترك نجيب للعراق واختيارالبعد عن الوطن والاقامة في تركيا مجبرا وليس بطرا وكغيره من الكفاءات العراقية المهنية الوطنية التي خسرها العراق .وبحكم نفس الظروف فقد شاء القدر بان نجتمع مرة أخرى ونعمل سوية في تركيا حيث نقوم بتسجل نصوص البرامج الوثائقية او التسجيلية أو الدينية المختلفة  التي نكلف بها من قبل المعنيين في قناة (الشرقية) حيث يضفي على تلك البرامج نكهة صوته المتفرد لغة ولفظا ونطقا وموسيقى في الأداء وحلاوة التقديم التي تجبر المتذوقين بمتابعته والاستماع له حتى النهاية كان أبرزها دعاء الافطار الذي نسمعه في شهر رمضان من كل عام ( اللهم لك صمنا وعلى رزقك أفطرنا ولصوم يوم غد نوينا .. ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر ان شاء الله تعالى ) وصوته الكروان في دعاء الصلاة الذي نستمع اليه في الاذاعة والتلفزيون منذ سنوات طويلة ( اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت سيدنا محمدا ص الوسيلة والفضيلة وابعثه اللهم المقام المحمود الذي وعدته انك لاتخلف الميعاد ). وكما أمتعنا بتقديمه شارة نشرة الحصاد الاخبارية اليومية في (الشرقية) ونحن نستمع لصوته الرائع حيث يتزامن مع عقارب الساعة وهي تشير الى العاشرة ليلا  بقوله ( العاشرة حسب توقيت ساعة بغداد ) اضافة الى بصمته الصوتية المؤثرة في أبرز البرامج السياسية التي تقدم على شاشة القناة هو اعلان برنامج (طبعة بغداد) الذي كتب نصه وأعده وقدمه الاعلامي عامر ابراهيم حيث جاء فيه ( ثمة نبض متصل .. خيط من عود بخور .. يهيم في سمائها .. يحتضن القباب .. بين الرصافة والجسر أجيال وخطوط  .. الف ليلة من الحكايا .. عصور شقاء ورخاء .. على ضفاف دجلتها .. في مسارحها .. على سحنات التماثيل والساحات والمباني .. عند رصيف المتنبي .. على وقع طرقات الصفارين .. يصوغ الزمان طبعتها .. طبعة بغداد ) .

 درس جديد

وفي كل مرة نلتقي بها لعمل ما او مناسبة خاصة او عامة اتعلم منه درسا جديدا في الحياة والعمل وذلك لما يمتلكه من خبرة على المستوى الانساني والمهني ولقد كان نجيب شخصا مثقفا متفهما متسامحا وضليعا في اللغة العربية وعند كتابتي لأي موضوع أو مقال كنت أقلق من تقييم أو رضا كل الأخوة والزملاء المهنيين سيما رئيس تحرير صحيفة (الزمان) استاذنا الدكتور أحمد عبد المجيد  والراحل  نهاد نجيب الذي وصف قلقي هذا بعامل نجاح وتحفيز في تقديم الافضل والمزيد من العطاء الصحفي والاعلامي حاضرا ومستقبلا .. وفوق هموم الغربة والمتابعة اليومية المتواصلة للاحداث العراقية وتداعياتها عبر وسائل الاعلام المختلفة تراكمت الاحزان على قلوب كل العراقيين الوطنيين في الداخل والخارج اذ  كان الراحل نجيب الأكثر هما وقلقا على حال العراق وشعبه الجريح وأخذ هذا الهم الكثير من راحته وصحته التي تدهورت سريعا بسبب تعرضه لوباء كورونا الذي أجبره دخول المستشفى القريبة  لمحل اقامته في أنقرة حيث رقد فيها لايام قليلة  لغرض العلاج الذي لم ينقذ حياته أو يحسن من صحته مع وصية خصني بها عن طريق نجله نيازي بأن لا اخبر أحدا عن حالته الصحية معللا ذلك بعدم رغبته بازعاج الاصدقاء والزملاء والمعارف وان لايحملهم هما فوق همومهم وبالرغم من العناية المشددة التي أحيط بها من قبل الأطباء والمختصين في المستشفى الا أن ذلك لم يجد نفعا حتى فارق الحياة تاركا ورائه ارثا مهنيا وانسانيا طيبا حافلا بكثير من الانجازات الاعلامية التلفزيونية والاذاعية والصحفية التي شهد بتميزها كبار النقاد والمختصين وبرحيله المفاجىء قد خسر العراق رمزا من رموزه الاعلامية الوطنية والانسانية والمهنية اللامعة وقد كان الفقيد يرحمه الله وهو في وضعه الصحي المحرج لم يكن مهتما لنفسه بقدر اهتمامه بحال العراق وقلقه الدائم على بغداد التي وصفها بالملاذ الروحي له بعد مسقط رأسه كركوك حيث كان يحلم بأن يعود من الغربة ليتجول في شوارع منطقة الصالحية والاعظمية وشارع الرشيد والمتنبي  ويعيد الذكريات الجميلة التي عاشها في الاذاعة والتلفزيون ويلتقي باصدقائه واحبائه وزملائه الذين اشتاق اليهم كثيرا ولكن للأسف لم تتحقق تلك الأمنية  وهكذا رحل نجيب مغتربا وبعيدا عن تربة وطنه التي عشقها وغادرنا محملا بالطموحات والأمنيات والاحلام التي طالما حدثني عنها  بان يرى العراق سالما معافى من كل الاوجاع التي أصيب بها بسبب الاحتلال البغيض وما نتج عنه من دمار  وان يزول الحزن عن بغداد التي كلما سمع باسمها تنهمر دموعه وهو يردد دائما عبارة من يشبهك يابغداد ؟

مشاركة