نكبة الرسالة وغياب النماذج – جليل وادي
لا نحتاج الى أدلة وشواهد للقول : ان الشارع العراقي يشهد تراجعا واضحا في الذوق العام ، وان مساحة العنف بأشكاله المختلفة في اتساع متزايد ، بدءا من العدوان اللفظي والجسدي وانتهاء بتقطيع الاطفال للأغصان المتدلية على الاسيجة او اتلاف أثاث المدرسة ، وان البعض لم يستح من التلفظ بما يخدش الحياء ، ولم تقف مرافقة الأب او الزوج او الاخ حائلا أمام الانظار الجائعة للفتيات في الاسواق والأزقة وغيرها ، ويندر ان يمر يوم دون ان تتعرض لمن يريد استغلالك ماديا او معنويا ، هذا الذي نرى ، وما خفي كان أعظم كما يقال ، هذه هي الكارثة وكل ما عداها يهون ، ومن يجد في ذلك مبالغة او تعظيما فانه يجافي الحقيقة او يعيش خارج الواقع ، لم تعد مثل هذه السلوكيات حالات بل صارت ظواهر تتزايد يوما بعد آخر ، فتقلق البال وتعكر المزاج وتضعف ثقتنا بالمستقبل ، فهل يعقل أن يكون صناع التاريخ بهذا الحال ؟ أليس غريبا أن تغدو منارة العالم مثار تندر من كنا نستحي ان نقارن بهم ، ما الذي حدث ؟ ما حدث ان مؤسساتنا التربوية الرسمية والدينية والأسرية والأعaلامية فشلت فشلا ذريعا في تأهيل مجتمع يحافظ على أصالته ويتوافق مع روح العصر ، أسباب الفشل شتى ، وسبل المعالجة معروفة ، لكن أصحابها لا يريدون الأعتراف بهذا الفشل ، ماقيمة هذه المؤسسات وما جدوى وجودها وزيادة أعدادها التي يطالبون بها في محافلهم وفعالياتهم ؟ أي تناقض مذهل هذا الذي نرى فيه تراجعا للمجتمع بينما البلاد متخمة بأصحاب الشهادات ورجال الدين والأعلام وممن يعدون أنفسهم نخبا . ما يجري نكبة للرسالة النبيلة ، وبدل ان نفكر بالارتقاء بها صرنا نعمل لأستحداث مؤسسات جديدة لاستيعاب الاعداد المتزايدة من أصحاب الشهادات الحقيقية والمزورة والوهمية ، والذين يدعون حرصا على المجتمع بينما المراد باب للثراء والوجاهة والسلطة ، والذين لا يمكن وصفهم الا بالطارئين الذين استمدوا قوتهم مما يندى له الجبين وليس من الكفاءة والنزاهة والمسؤولية التاريخية لمجتمع يتمزق وبلد يوشك على الانهيار .
وثمة حيرة تنتاب الأسر المتنورة ، بأي ثقافة تثقف الأبناء ، بالثقافة النبيلة والأخلاق الرفيعة والذوق الراقي أم بتلك التي تسود الشارع الذي تعرفون ، أيمكن لمثل هؤلاء الأبناء التعايش وأخذ الحقوق في وسط تغلب عليه ( الفهلوة ) و ( التقفيص ) و ( الهمبلة ) ؟ وهيمنة الأنا وليذهب الغير الى الحجيم ، ام يطلقون لهم العنان لاكتساب مهارات الشارع وقيمه لكي لايسحقون ، هذه مشكلة ومن حق الناس ان تقلق ، ومع ان مساحة الخير مازالت هي الأوسع ، الا ان بقاء الحال على عواهنه قد يذهب بالمجتمع الى وجهات لن ينفع بعدها عض الأصابع .
تطرق المسامع عبارات تحمّل الأسرة مسؤولية بعض ما يحدث ، وجانب مما يقولون صحيح ، بالفعل للأسرة دور بالغ الأهمية ، لكن علينا أن نذكّر ان هذا مرهون بالأسرة المتنورة ، ولكن من الأسر ممن لا تتوافر على مثل هذه الثقافة التي تؤهلها لممارسة أدوار تربوية سليمة ، لذلك فالأفتراض يذهب الى ان مسؤولية التربية تقع على عاتق المؤسسة الرسمية ، والمدرسة تحديدا ، فالوظيفة الأولى لها يتمثل بالتربية والتعليم ، أما المؤسسات الدينية والأعلامية وغيرها فلها وظائف عديدة من بينها وظيفة التربية ، لكنها وظيفة لا تمضي على وفق سياقات منهجية كما هو الحال في المدرسة ، لذلك لا يعول عليها في التخطيط لمثل هذه المهمة الا بحدود ضيقة .
أكثر ما يخلف غصة في القلب عندما ينتهك بعض رجال الدولة العاملون في الشارع منظومة الأخلاق والنظام والسلوك القويم ، فمن هؤلاء يتعلم الناس كبارا وصغارا ، لابد ان يكونوا نماذج للاحتذاء ، فالناس لن تحترم النظام عندما يكون اول منتهكيه المسؤولون عن تطبيقه ، علينا ان نختار للشارع ممن يرسمون صورة مشرقة للدولة ، لأنها كفيلة باشاعة الأمل ، ما أحوجنا للأمل .

















