نقمة الإستكبار ونعمة الإستقرار – فؤاد مطر

664

نقمة الإستكبار ونعمة الإستقرار – فؤاد مطر

لأن ظاهرة الإستكبار أخذت الحيز الأكبر من تفكير بعض أُولي الأمر في لبنان، فإن نعمة الإستقرار تتراجع يوماً بعد يوم عن هذا الوطن المبتلى بحالات حزبية وحركية وتيارية تمعن إنتهاكاً للحيوية التي طالما كانت إحدى صفات شعبه.

الظاهرة المشار إليها ليست حديثة التوطين في بعض مناحي المجتمع السياسي. تم تصديرها قبْل عقديْن من الزمن من جانب النظام الإيراني الذي مُني بحالة من الخذلان في مشروعه الذي إستهدف به العراق ومن دون أن يأخذ في الإعتبار الحس الوطني والعروبي العميق للشعب العراقي وبالذات الشيعة الذين كانوا صفوة القوات التي واجه بها النظام الصدَّامي المحاولة الخمينية العنيدة لوضع اليد على النجف وكربلاء بما فيهما من مراقد ومرجعية عروبية، وبما يكون وضْع اليد نقطة إنطلاق لاحقاً في إتجاه مكة المكرمة والمدينة المنورة. فتلك كانت مضامين الإستراتيجية الخمينية.

بعد رحيل الخميني محزوناً على ما أصاب مشروعه وما إنتهت إليه إيران، بدأت الخلافة الخمينية معاودة السعي نفسه. وجاء سعيها إستكبارياً بإمتياز ثم تلا ذلك وضْع اليد على القرار العراقي وعلى توظيف العراق سوقاً بالإكراه لصادراتها التي تخفف عوائدها بعض الشيء من المتاعب المعيشية الناشئة عن العقوبات الأميركية التي بدأت تتوالى وتصيب مفاعيلها مؤسسات وأشخاصاً بعضهم في مفاصل الصف الأول من السلطة. وفي الوقت نفسه كانت تحاول بتعظيم شأنها وتطلعات سطوتها الإقليمية بالمواقف الحادة لفظاً غير المجدية مضموناً تجاه السياسة الأميركية ومعها بعض العمليات غير المسبوقة والتحرشات في بعض الدول، الإيحاء بأن عدم رد هذه الدول بالمثل هو التخوف منها بدليل أنه حتى الدولة العظمى الولايات المتحدة لم تتجرأ على تنفيذ تهديداتها التي صدرت عن الرئيس ترمب نفسه الذي طالما أوحى بإستعمال القوة وحرَّك قوات برية وبحرية وقِطَع أسطول لهذا الغرض.

هذا التوجه جعل أهل الحُكْم في العراق يبالغون في الإنحناء غير الأخوي للنظام الإيراني وجعل بالتالي هذا النظام لا يكتفي بالحضور المتميز له في مؤسسة الحُكْم وإنما برسم خرائط طريق للدولة العراقية من بينها إلغاء شأنها العسكري بإحلال “الجيوش” الشعبية وبمسميات ثوحية (أي ثورية وروحية). وإلى ذلك رسْم خرائط سكانية تثير الإستغراب في مجتمع ذي جذور عشائرية. وبإختصار عمل النظام الإيراني، الرافع اليد كورقة ذات شأن له مقاومته اللفظية للولايات المتحدة، على جعْل بلاد الرافديْن تلك الصرح العروبي حديقة خلفية خليجية له يستكمل بها تثبيت إستقرار أسوار الحديقة البحرية المتوسطية في لبنان وجعْلها أقوى قاعدة عسكرية له من خلال المزيد من تقوية الثنائية الشيعية غير المكتملة والفرادية المسيحية المارونية بالنسبة الثلثية لها في الطائفة.

فرض عقوبات

وإفترض الممسكان بمفتاح الحديقة الخلفية اللبنانية السيد حسن نصرالله الأمين العام  (حزب الله) ورئيس الجمهورية الحالي ميشال عون أنه ما دامت الدولة العظمى أميركا لا تجرؤ على أن تفعل أكثر من فرْض عقوبات على مرجعيتهما إيران فإنهما بذلك قادران على أن يديرا الوضع اللبناني على نحو ما يرضي المرجعية في شخص المرشد خامنئي وحرسه الثوري، آخذاً كل منهما، السيد حسن والعماد عون، في الإعتبار أن أحدهما غير قادر وحيداً تنفيذ مشروعه. وهذا بدا واضحاً من خلال إبرام “حلف مقدس” بينهما جديد من نوعه ودوافعه على المجتمع السياسي اللبناني وعلى قاعدة أن  (حزب الله) الشيعي مظلة مارونية وبذلك يقلل من نسبة التشكيك بلبنانيته ومذهبيته وأن للعماد عون النسبة الأعلى من الطائفة الشيعية تتقبل الحلف الذي عقده مع السيد حسن إكراماً لزعيمهم المقاوم وليس إقتناعاً بأن جمهور العماد عون يتجانس مع جمهور “حزب الله” في معظم رؤى الحزب وبالذات إنخراط الجمهور المسيحي في المقاومة التي هي ورقة كل المواسم السياسية في يد نصرالله.

من هنا لفْت الإنتباه إلى أن الحلف الذي تم بين السيد حسن والعماد عون هو الذي حقق ترئيس العماد للجمهورية وهو الذي إستناداً إليه أعلن نصرالله بأعلى نبرة أن الحراك الشعبي مهما علا شأنه لا يستطيع، أو بالأحرى غير مسموح له، إسقاط الرئاسة العونية. كما أن هذا الحلف الثابت دون غيره من تحالفات حدثت وأهمها حلف العماد ميشال عون والدكتور سمير جعجع الذي يوحِّد الطائفة المارونية بنسبة كبيرة لم يصمد فيما حلف نصرالله – عون ثابت لا تهزه الرياح السياسية المسيحية والإسلامية السُنية – الدرزية.

نعمة الاستقرار

ومن أجْل ذلك تشتد الأزمة اللبنانية تعقيداً، وليس في فضائها ما يشير إلى أن لعودة نعمة الإستقرار فرصة تحل محل الإستكبار الذي تمارسه السلطة الثورية الإيرانية وصدَّرته كأسلوب في التعاطي مع الشأن العام إلى كل من العراق ولبنان حيث الأول ما زال يعيش حالة التصدي بشجاعة وتضحية تعكسها التطورات في معظم مناطق العراق وبالذات بغداد والنجف وكربلاء والبصرة، وحيث الثاني لبنان على أهبة حالة مماثلة إذا كان القطبان المتحالفان لن يستبدلا نقمة الإستكبار بنعمة الإستقرار، ولن يتأملا في قول الإمام علي(رض) “موت الصالح راحة لنفسه وموت الطالح راحة للناس” وفي قول شاعر شعبي فلسطيني “عُمْر الأسى ما ينتسى وأنتم أساكم زاد.. كانت حبيبتي حمامة وكنتم الصياد”.

والحمامة هنا بالذات في لبنان هو الاستقرار من خلال النأي بالنفس وحكومة خبراء يخافون الله وتستمر تعالج أكوام التجاوزات الناشئة عن الفساد والإستكبار إلى أن تنتهي السنوات الثلاث المتبقية من الحقبة الإستكبارية العجافية. والله يهدي إلى سواء السبيل مَن يريد وقبْل أن يحين الأجل إرضاء ربه وتعويض شعبه عن عبث بإستقراره وآماله.

مشاركة