نقص الإشراف على المحتوى الرقمي يخلّف تداعيات خطيرة

اديس‭ ‬ابابا‭ (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬تعرّضت‭ ‬الناشطة‭ ‬النسوية‭ ‬ليلا‭ ‬ميسيكير‭ ‬التي‭ ‬يتصفّح‭ ‬منشوراتها‭ ‬ملايين‭ ‬الأشخاص‭ ‬في‭ ‬إثيوبيا،‭ ‬لمضايقات‭ ‬عبر‭ ‬الإنترنت‭ ‬وتهديدات‭ ‬بالقتل،‭ ‬مما‭ ‬أجبرها‭ ‬على‭ ‬الفرار‭ ‬إلى‭ ‬كينيا،‭ ‬وهو‭ ‬وضع‭ ‬مؤلم‭ ‬تعزوه‭ ‬إلى‭ ‬النقص‭ ‬في‭ ‬الإشراف‭ ‬على‭ ‬المحتوى‭ ‬باللغات‭ ‬المحلية‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬تيك‭ ‬توك‭ ‬في‭ ‬بلدها‭. ‬بدأت‭ ‬قضيتها‭ ‬في‭ ‬22‭ ‬تشرين‭ ‬الأول‭/‬أكتوبر،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬نشرت‭ ‬مقطع‭ ‬فيديو‭ ‬عبر‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬تدعو‭ ‬فيه‭ ‬النساء‭ ‬ضحايا‭ ‬العنف‭ ‬إلى‭ ‬الفرار‭ ‬من‭ ‬المعتدين‭ ‬عليهنّ،‭ ‬وهي‭ ‬رسالة‭ ‬وصفتها‭ ‬إحدى‭ ‬المؤثرات‭ ‬الإثيوبيات‭ ‬بأنها‭ “‬حملة‭ ‬كراهية‭ ‬ضد‭ ‬الرجال‭”.‬

اتُّهمت‭ ‬ليلا‭ ‬ميسيكير‭ ‬بأنّها‭ ‬مؤيدة‭ ‬لمجتمع‭ ‬الميم،‭ ‬وهي‭ ‬تهمة‭ ‬خطرة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬المحافظ‭ ‬الذي‭ ‬يعاقب‭ ‬القانون‭ ‬فيه‭ ‬على‭ ‬العلاقات‭ ‬المثلية‭ ‬بالسجن‭ ‬لمدة‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬15‭ ‬عاما‭. ‬تشير‭ ‬الناشطة‭ ‬النسوية‭ ‬البالغة‭ ‬32‭ ‬عاما‭ ‬إلى‭ ‬إنشاء‭ ‬مجموعة‭ ‬عبر‭ ‬تطبيق‭ ‬تيك‭ ‬توك‭ ‬تحرّض‭ ‬على‭ ‬العنف‭ ‬ضدها‭ ‬وقتلها‭.‬‭ ‬في‭ ‬تشرين‭ ‬الثاني‭/‬نوفمبر،‭ ‬وخوفا‭ ‬على‭ ‬حياتها،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬أمامها‭ ‬خيار‭ ‬سوى‭ ‬الفرار‭ ‬إلى‭ ‬كينيا‭. ‬تقول‭ ‬باكية‭ ‬في‭ ‬مقابلة‭ ‬أجرتها‭ ‬معها‭ ‬وكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬من‭ ‬بُعد‭ “‬اضطررت‭ ‬إلى‭ ‬ترك‭ ‬عائلتي‭ ‬وعملي‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬أملك‭ ‬في‭ ‬إثيوبيا‭ ‬بسبب‭ ‬هذه‭ ‬التهديدات‭”. ‬وتضيف‭ “‬أنا‭ ‬مدمَّرة‭”‬،‭ ‬مؤكدة‭ ‬أنها‭ ‬تعاني‭ ‬حاليا‭ ‬من‭ ‬مشاكل‭ ‬نفسية‭ ‬ومالية،‭ ‬اذ‭ ‬باتت‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬موارد‭ ‬بسبب‭ ‬رحيلها‭ ‬المفاجئ‭ ‬إلى‭ ‬نيروبي‭.‬

يتحمل‭ ‬موقع‭ ‬تيك‭ ‬توك‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬المسؤولية‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الوضع،‭ ‬لأنّ‭ ‬المنصة‭ “‬فاشلة‭ ‬تماما‭” ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬المحتوى‭ ‬باللغة‭ ‬الأمهرية،‭ ‬وكذلك‭ ‬باللغتين‭ ‬التغرينية‭ ‬وأفان‭ ‬أورومو،‭ ‬وهما‭ ‬لغتان‭ ‬أخريان‭ ‬يتحدث‭ ‬بهما‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬إثيوبيا،‭ ‬على‭ ‬قولها‭. ‬وتضيف‭ “‬لقد‭ ‬شاهدت‭ ‬مقاطع‭ ‬فيديو‭ ‬كثيرة‭ ‬عبر‭ ‬تيك‭ ‬توك‭ ‬لرجال‭ ‬إثيوبيين‭ ‬يتلفظون‭ ‬بتعليقات‭ ‬فظيعة‭ ‬عن‭ ‬النساء،‭ ‬ولكن‭ ‬لم‭ ‬يُتَّخَذ‭ ‬أي‭ ‬إجراء‭”.‬

ردا‭ ‬على‭ ‬سؤال‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس،‭ ‬أشارت‭ ‬إدارة‭ ‬تيك‭ ‬توك‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المنصة‭ “‬لا‭ ‬تتسامح‭ ‬مطلقا‭ ‬مع‭ ‬كراهية‭ ‬النساء‭ ‬وخطاب‭ ‬الكراهية‭” ‬وتزيل‭ “‬92%‭ ‬من‭ ‬المحتوى‭ ‬الذي‭ ‬ينتهك‭ ‬هذه‭ ‬القواعد‭ ‬قبل‭ ‬تلقّي‭ ‬أي‭ ‬بلاغ‭ ‬عنه‭”.‬

ودافعت‭ ‬المنصة‭ ‬في‭ ‬رد‭ ‬مكتوب‭ ‬قائلة‭ “‬نستخدم‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والإشراف‭ ‬البشري‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬70‭ ‬لغة،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الأمهرية،‭ ‬لإزالة‭ ‬المحتوى‭”.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬يُعتمَد‭ ‬الإشراف‭ ‬بشكل‭ ‬كبير،‭ ‬بحسب‭ ‬وركينه‭ ‬ديريبسا،‭ ‬وهو‭ ‬أستاذ‭ ‬في‭ ‬الصحافة‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬جيما‭ ‬الإثيوبية‭. ‬ويعتبر‭ ‬أنّ‭ ‬تيك‭ ‬توك‭ ‬هي‭ ‬أرض‭ ‬خصبة‭ ‬للمحتوى‭ “‬الخطير‭ ‬جدا‭”.‬

ويقول‭ ‬إن‭ “‬التسجيلات‭ ‬الصوتية‭ ‬لعمليات‭ ‬اغتصاب‭ ‬جماعي‭ ‬لتلميذات‭ ‬مدارس،‭ ‬ومشاهد‭ ‬تظهر‭ ‬قطع‭ ‬رؤوس‭ ‬وتعذيب‭ ‬على‭ ‬أيادي‭ ‬متطرفين‭ ‬عنيفين،‭ ‬تُبث‭ ‬مباشرة‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان،‭ ‬مصحوبة‭ ‬بلغة‭ ‬بذيئة‭”.‬

ويشير‭ ‬وركينه‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المؤثرين‭ ‬عبر‭ ‬تطبيق‭ ‬تيك‭ ‬توك‭ ‬في‭ ‬الدولة‭ ‬الواقعة‭ ‬في‭ ‬شرق‭ ‬إفريقيا‭ ‬يكتسبون‭ ‬شعبية‭ ‬أيضا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬نشر‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬المحتوى،‭ ‬مما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تفاقم‭ ‬الصراعات‭ ‬وتفريق‭ ‬المجتمع‭.‬

وبحسب‭ ‬دراسة‭ ‬نشرتها‭ ‬أخيرا‭ ‬منظمة‭ “‬سنتر‭ ‬فور‭ ‬إنفورمايشن‭ ‬ريزيلينس‭” ‬البريطانية،‭ ‬يشكل‭ ‬تصاعد‭ ‬خطاب‭ ‬الكراهية‭ ‬على‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الإثيوبية‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬التوترات‭ ‬السياسية‭ ‬والإثنية‭ ‬والدينية‭ ‬التي‭ ‬تشهدها‭ ‬البلاد‭.‬

تقول‭ ‬فيليسيتي‭ ‬مولفورد،‭ ‬وهي‭ ‬باحثة‭ ‬في‭ “‬سنتر‭ ‬فور‭ ‬إنفورمايشن‭ ‬ريزيلينس‭”: “‬في‭ ‬إثيوبيا،‭ ‬كانت‭ ‬لخطابات‭ ‬الكراهية‭ ‬عبر‭ ‬الإنترنت‭ ‬عواقب‭ ‬مميتة‭ ‬أصلا‭”‬،‭ ‬خصوصا‭ ‬خلال‭ ‬الحرب‭ ‬بين‭ ‬الحكومة‭ ‬الإثيوبية‭ ‬والمتمردين‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬تيغراي،‭ ‬والتي‭ ‬خلفت‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬600‭ ‬ألف‭ ‬قتيل‭ ‬بين‭ ‬تشرين‭ ‬الثاني‭/‬نوفمبر‭ ‬2020‭ ‬وتشرين‭ ‬الثاني‭/‬نوفمبر‭ ‬2022،‭ ‬بحسب‭ ‬الاتحاد‭ ‬الافريقي‭.‬

في‭ ‬أوائل‭ ‬نيسان‭/‬أبريل،‭ ‬أعلن‭ ‬القضاء‭ ‬الكيني‭ ‬أنّ‭ ‬من‭ ‬اختصاصه‭ ‬البت‭ ‬بدور‭ “‬ميتا‭” ‬المُتّهمة‭ ‬بالفشل‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬المحتوى‭ ‬الذي‭ ‬يروّج‭ ‬للكراهية‭ ‬والعنف‭ ‬بشكل‭ ‬كافٍ،‭ ‬مما‭ ‬مهّد‭ ‬الطريق‭ ‬أمام‭ ‬إجراء‭ ‬محاكمة‭.‬

ومن‭ ‬بين‭ ‬المدّعين‭ ‬في‭ ‬القضية،‭ ‬يؤكد‭ ‬ابراهيم‭ ‬ميريغ‭ ‬أنّ‭ ‬والده،‭ ‬وهو‭ ‬أستاذ‭ ‬جامعي،‭ ‬قُتل‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬محتوى‭ ‬على‭ ‬فيسبوك‭ ‬نُشر‭ ‬في‭ ‬تشرين‭ ‬الثاني‭/‬نوفمبر‭ ‬2021‭ ‬وتضمّن‭ ‬اسمه‭ ‬وصورته‭ ‬وعنوانه،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬ينضم‭ ‬إلى‭ ‬حركة‭ ‬التمرد‭ ‬في‭ ‬تيغراي‭.‬

وفي‭ ‬حين‭ ‬أعلنت‭ “‬ميتا‭” ‬في‭ ‬كانون‭ ‬الثاني‭/‬يناير‭ ‬عن‭ ‬نهاية‭ ‬برنامجها‭ ‬لتقصّي‭ ‬الحقائق‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬ثمة‭ ‬مخاوف‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬تطبيق‭ ‬إجراءات‭ ‬مماثلة‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬وتحديدا‭ ‬في‭ ‬افريقيا‭.‬

وثمة‭ ‬شراكة‭ ‬بين‭ ‬وكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬و‭”‬ميتا‭” ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬توفير‭ ‬خدمات‭ ‬تقصّي‭ ‬الحقائق‭ ‬وخصوصا‭ ‬في‭ ‬أفريقيا‭. ‬ترى‭ ‬فيليسيتي‭ ‬مولفورد‭ ‬أن‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ “‬التراجع‭” ‬من‭ ‬جانب‭ ‬المنصات‭ “‬قد‭ ‬يكون‭ ‬له‭ ‬عواقب‭ ‬مدمرة‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬مثل‭ ‬إثيوبيا،‭ ‬حيث‭ ‬تتضاعف‭ ‬الانقسامات‭ ‬السياسية‭ ‬والتهديدات‭ ‬عبر‭ ‬الإنترنت‭”.‬

في‭ ‬حين‭ ‬أنّ‭ ‬الوضع‭ ‬في‭ ‬تيغراي‭ ‬يبقى‭ ‬غامضا،‭ ‬تتعرّض‭ ‬أوروميا،‭ ‬أكبر‭ ‬منطقة‭ ‬وأكثرها‭ ‬اكتظاظا‭ ‬بالسكان‭ ‬في‭ ‬إثيوبيا،‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2018‭ ‬لحركة‭ ‬تمرّد‭ ‬مسلح‭ ‬وعمليات‭ ‬قتل‭ ‬طائفية‭ ‬لم‭ ‬تُحدَّد‭ ‬فيها‭ ‬هوية‭ ‬الجناة‭.‬

ومن‭ ‬المقرر‭ ‬أن‭ ‬يتوجه‭ ‬السكان‭ ‬البالغ‭ ‬عددهم‭ ‬130‭ ‬مليون‭ ‬نسمة‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬يواجه‭ ‬توترات‭ ‬متزايدة‭ ‬مع‭ ‬إريتريا‭ ‬المجاورة،‭ ‬إلى‭ ‬صناديق‭ ‬الاقتراع‭ ‬عام‭ ‬2026‭ ‬لإجراء‭ ‬انتخابات‭ ‬برلمانية‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يشير‭ ‬الخبير‭ ‬الإثيوبي‭ ‬في‭ ‬القانون‭ ‬الرقمي‭ ‬ميغدلاويت‭ ‬جيتاهون،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ “‬فشل‭ ‬الإشراف‭ (‬في‭ ‬شبكات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭) ‬لا‭ ‬يسمح‭ ‬فقط‭ ‬بازدهار‭ ‬الكراهية،‭ ‬بل‭ ‬يساعد‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬استمرار‭ ‬العنف‭ ‬وانتهاكات‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬دون‭ ‬رادع‭”.‬