نقد الخطاب الأنثوي – عيسى الصباغ

نقد الخطاب الأنثوي –  عيسى الصباغ

تتداول الدراسات النقدية الحديثة مصطلح ” الأدب النسوي ” بوصفه غطاء لما تكتبه المرأة الأديبة ، وقد بدا للعيان أن هناك كاتبات يتحمسن لهذا المصطلح ، إذ وجدن فيه منفذا لإضفاء الخصوصية على ما يكتبن ، كما وجدن فيه ظهيرا لتعزيز مكانة المرأة الاجتماعية ، بما يفيد أنها لا تقل شأنا عن الرجل ، ولاسيما في مضمار الكتابة الاإبداعية ، وقد بالغ بعضهنّ ( أو بعضهم ) في خلق حدود وفواصل  بين أدب النساء وبين ما يكتبه الأدباء الرجال  من أدب على مختلف أشكاله وأجناسه . إن مصطلح ” الأدب النسوي ” يفترض نقيضه الذكوري ، والحقيقة أن موضوعة المرأة كانت من الموضوعات الاثيرة في أدب الرجال شعرا وسردا ، وغالبا ما كانت تظهر المرأة بوصفها حبيبة أو زوجة أو غير ذلك من الادوار النسائية ، إلا أنها ، وبصريح العبارة ، كانت من الشخصيات الثانوية ، وفي أحسن صورها كانت توضع في إطار رمزي يمثّل الوطن المقهور أو الشعب المستلب ، أو الثورة المغتصبة ، كما كتب الروائي فؤاد التكرلي في روايته الرائعة ( الرجع البعيد) حبث بدت “منيرة ” فيها رمز الثورة التي اغتصبها الحرس القومي أو البعثيون في 1963 . وكرّس القاص محمد سعدون السباهي أيديولوجية السلطة الذكورية في مجموعته (طيور القيامة) ، فقد استحضر الرجل بوصفه قامعا ومتسلطا ولكن بثياب العاشق المفعم بأسرار الحنين والحرمان مرة وبثياب المعشوق الغارق بالليمون مرة أخرى . وبدت المرأة في كتابات الراحل عبد الستار ناصر ذات قيمة استعمالية ، ولم تُفلح محاولات الدفاع عن وضعها الاجتماعي في إخفاء تلك القيمة أو التخفيف من وقعها ، هكذا بدت المرأة – في الأعم الاغلب – في الادب (الذكوري) ، ولم تبدُ على صورتها الحية الفاعلة إلا في الكتابات التي انسابت من أنامل الأديبات أنفسهنّ ، فقد خصّصت الروائية العراقية عالية ممدوح مساحة واسعة للمرأة في روايتيها ( الولع ) و ( المحبوبات ) ، وحاولت تجسيد ما لحقهن من مظالم متوالية طويلة الأمد ، إذ امتازت شخصياتها النسائية بالقوة والكبرياء والتعالي على الألم ، ونهجت في إظهار ألفتهنّ فيما بينهنّ من جانب ، وهزئهنّ بالرجال من جانب آخر، وهو ردّ فعل طبيعي على غلبة العالم الذكوري وقيمه المتسلّطة . في حين أن الساردات لطفية الدليمي في مجموعتها ” سيدات زحل ” وابتسام عبد الله في (الآخر في المرآة) وإرادة الجبوري  في (أسرى) عالجن موضوعة المرأة وهي تواجه شراسة الحروب ووحشيتها ، فقد عكس نتاجهن مكابدات المرأة إزاء الفقد ، بوصفها أمّا وزوجة وأختا وحبيبة ، فهي حينما وجدت نفسها  تواجه تلك الظروف القاسية كانت  شاهدة على فقدان الابن والزوج والأخ والحبيب ، وكما تقول الباحثة أنعام عبد الرزاق في أطروحتها ( أدب الحرب الروائي العراقي النسوي المعاصر ) عن الأديبة العراقية : كانت المرأة شاهدة على محاولات محو الذاكرة ومحو التاريخ ، وقد أسهمت بحق في تدوين شهاداتها للأجيال القادمة . وأعود فأقول :هل يكفي أن تكتب الاديبة عن معاناة المرأة في المجتمع جاعلة منها الشخصية الرئيسة في أعمالها ، لكي نصف أدبها بانه نسوي ؟ ولو افترضنا أن أديبا جعل شخصيات قصصه من النساء تحديدا، هل يصنّف أدبه نسويا ؟ وهل الأدب النسوي ما تكتبه المرأة تحديدا ؟ في الحقيقة أن ما تخبرنا به الكتابة النقدية في هذا الصدد هو أن الادب النسوي ما تكتبه المرأة. حسنا يبدو هذا الجواب غير كاف ، فهناك سؤال يضغط على الذهن ، ومفاده أهناك مميزات أسلوبية تتميّز بها الكتابات التي تقع تحت الادب النسوي ؟ ويمكننا أن نعيد صياغة السؤال على النحو الآتي :  أيُفصِح مصطلح ( الأدب النسوي) عن الإنجاز النسوي من الناحية الفنية والاسلوبية ؟ هذا السؤال يضعنا في مواجهة المصطلح ، ويرتّب على الناقد مسؤوليات علمية ، بمعنى آخر أن التوصيفات النقدية يجب أن لا تُلقى على عواهنها أو كيفما اتفق، فهي ليست مسؤولية  نقدية حسب وإنما أخلاقية أيضا ، فالناقد ينبغي عليه أن يبرهن على ما يقول ، وأن يُثري إجاباته بما لا يدع مجالا للشك . إن مصطلح ” الادب النسوي” يثير العديد من الإشكالات كما أثار التساؤلات التي ذكرت آنفا ، وقد حاول بعض النقاد مقاربة هذا المصطلح دراسة وتحليلا ، كما أن هناك من حاول تأصيله دونما طائل ، ذلك أن التأصيل يتطلب محاضن نوعية تختلف كما ونوعا عن تلك التي ينمو من خلالها الأدب الذي يكتبه الرجال ، مما يشير الى استنباط خصائص أسلوبية وفنية يتسم بها الادب النسوي .  وقد جهد الناقد سعيد يقطين في دراسة له عن الرواية النسائية العربية والمنشورة في مجلة الأقلام سنة 1998 ? أقول جهد في رصد السمات الشكلية التي يختص بها الادب النسوي ، وشخّص بعضها في قوله ” يلحّ التنظير المتصل برواية الأطروحة النسائية على أن خصائصها الكبرى حضور الكتابة العفوية والحدسية والاستعمال العادي للكلمة ”  إلا أن هذا الحضور الذي استنبطه من دراسته لرواية الكاتبة العربية رجاء عالم – طريق الحرير – يتراجع ويكاد ينعدم ليتحول الى غياب مطلق في روايات نسائية أكثر نضجا  – احلام مستغانمي مثلا – مما يعني أن هذا المؤشر الفني والأسلوبي غير صالح للتطبيق على جميع النتاج النسوي ، بل هناك مما يكتبه الرجال يتسم بالعفوية والاستعمال الاعتيادي للكلمة . مجمل القول أن مصطلح ” الادب النسوي” في كتابات النقاد يشير الى خصائص مضمونية فقط، وهذا لا يميّز أدبا عن آخر ، فما اصطلح عليه بالادب النسوي لا يخلو من سيولة تصب في الأدب الآخر، فهو إذن ، فيه حاجة الى دراسة علمية متأنية جامعة لكي تُستنبط  خصائصه الأسلوبية والفنية المميزة والتي ينفرد بها عن الأدب الذكوري ، وعند ذاك يمكن أن يكون المصطلح ثريا بدلالاته النقدية.