نقار في النهار وعازف عود في الليل؟!

قيس الدباغ

لا أدري كيف تذكرت اليوم الأخ المسيحي”عبد” الذي كان زميلا لي في الدراسة الجامعية. كان شخصية غريبة الأطوار؛ قد اكتسب حرفة نقر الأسماء والتواريخ على شواخص الأموات من أقاربه، وكان فنانا في النحت والنقر على الصخور، ومبدعا في زخرفة شواخص الموتى.

أما الذين يدفنون في سراديب الكنائس العتيقة، فكان عبد النقار يتولى تجهيزهم في توابيت الدفن، وقراءة نصوص من الكتاب المقدس على أرواحهم، وهو آخر من يدفع التابوت المصنوع من الخشب الفاخر إلى فوهة الدفن.

ورغم أنه موظف في دائرة البريد ويعمل ليلا في وظيفته، فكان ملازما لإكمال دراسته في كليتنا نهارا. ورغم حالته المادية المتواضعة، كان يرتدي أبهى وأغلى البذلات الجامعية الخاصة بالزي الموحد المفروض علينا بصرامة، والذي يشتق ألوانه من اللون الأزرق النيلي ومتدرجات الرمادي. وكان دائما ما يرتدي كل أسبوع لباسا جديدا وأنيقا.

ذات ليلة، دلفت مع مجموعة من الأصدقاء لتناول العشاء في أحد المطاعم الليلية الفاخرة، وفجأة لمحت على المسرح الصغير في نهاية باحة المطعم السيد عبد جالسا على كرسي، محتضنا آلة العود الشرقي، وهو يعزف مقطوعات موسيقية غاية في الروعة.

في البداية لم أصدق عيني، ولكن بعد التمحيص تأكدت أنه عبد زميلي في الكلية، وما عزز يقيني تلويحه لي بكفه أكثر من مرة مع ابتسامة رقيقة. ثم جاء النادل ليقدم لنا ضيافة قائلا: “هذه من الفنان عبد، عازف العود، تحية لكم”. فوقفت مبتسما، وحيت الرجل رافعا يميني ثم أعود لضمها إلى صدري عرفانا له.

بعد انتهاء فقرة العزف، نزل من المسرح الصغير وجاء يحينا. طلبت منه الجلوس فاعتذر بشدة قائلا: “يا أخي، تعرف أن لي دواما ليلا في البريد، وأخذت ساعة من الوقت لأقدم فقرة العزف، ولا بد من العودة سريعا. حساب الطاولة واصل من قبلي”. ثم غادر.

ذهبت إلى مدير المطعم وسددت الحساب، رافضا أن أثقل كاهل الفنان بهذا الحساب الثقيل.

عند الصباح التقي زميلي عبد في الكلية وقلت: “عبد، بس فهمني: كيف تنظم حياتك هذه؟”

أجاب: “يا عزيزي، في الليل أقسم وقتي بين الدوام في الوظيفة وبين العزف في النادي الليلي. وعند المغادرة، أصطحب معي عشاء مجانيا من المطعم مع قنينة مشروبات كوكيل، مما يتبقى من موائد الزبائن، والذي يخلط بعناية من قبل المختص بالمشروبات. أعود مع الفجر إلى أمي وأستلقي لساعتين، ثم أغادر إلى الكلية. وفي أوقات الفراغ، أستعمل إزميلي لنحت شواخص القبور للمتوفين من المسيحيين والمسلمين على حد سواء، لأن عند الموت يتساوى البشر، ولا توجد فروقات مذهبية أو دينية أو طائفية. وعند حدوث حالة وفاة ودفن في الكنيسة لأحد الموسرين، لا بد من حضوري لأساعد في مراسم الدفن في السرداب، وأتابع جثة المتوفى؛ إذا كان مقياس جسده مثلي، أحرص على النزول إلى السرداب لأستبدل سترته الراقية وذات المنشأ العالمي بسترتي القديمة، بشرط أن يكون لون سترته متوافقا مع الزي الجامعي. وهكذا تمضي الحياة”.

ضحكت وقلت: “يا عبد، أين تجد نفسك في كل تلك المواضع؟ هل في قرع جرس الكنيسة، أم في النقر على شواخص القبور، أم في العزف مع العود، أم في عملك الوظيفي، أم في الكلية؟”

توقف قليلا ثم أجاب: “إني أبحث عن عمل آخر أجد فيه نفسي، فإلى الآن لا أزال أبحث عنها”.

الأخ عبد أضاف إلى كل صفاته السابقة صفة الفيلسوف، فعلا، لله درك يا عراق كم تحوي من المبدعين.