نعم إنها جريدة جديدة – سعد البزاز

1225

نعم إنها جريدة جديدة – سعد البزاز

في كل الأزمنة سيبقى هناك من يجلس على الاريكة ومقاعد القطارات في زوايا المقاهي ليغطي رأسه بجريدة فلا ترى الا بعض اطراف أصابعه. لتخمن من يجلس خلفها وقد غدت مثل ستائر تعزله عن الضوضاء والثرثرة والنميمة وسيأتي من يقول انك تذكرني بالمرات التي رأيت فيها صحفا ترصف على الموائد وأخرى تمسح بها القيعان لا بل ان الناس حين يهرعون الى جثة ملقاة على الأرض ويبحثون عن شيء ما يغطون به.. لن يجدوا عندئذ غير جريدة.. لم تكن صلتهم بها ان يقرأوها وحسب اليس في كل هذا ما يدل على ان الجريدة ما تزال جزءا من منشآت المشهد اليومي للإنسان وانها في كل هذه الدقائق ضيف يومي مألوف متداول وستستمر كذلك مادامت ثمة عيون تقرأ وايد تشرع صفحاتها وكأنها تفرد اشرعة البحر.. ثم تدعكها وترمي بها في الفضاء.. وبعد هذا تسألني هل ما زال للجريدة دور او لا يكفي ما لدينا من صحف؟ لماذا هذه الجريدة وفي هذا الوقت بالذات والى أي مدى تريد ان تمضي وإزاء هذا التساؤل وانني لا اتردد لحظة في البوح بان هذه الجريدة تولد حتى تحيا زمنا طويلا وطويلا جدا فهي لا تقترن بحاجة ظرفية عابرة وليست من مخاض الاحلام القتيلة.. ومن يعرفنا يدرك تماما ان احلامنا لم تكن يوما بلا اقدام تحملها فوق الارض لم يبق للصحافة الا ان تكون صحافة. سقطت جرائد الايديولوجيا واوراق الشعارات ونزل معتلو المنابر وبقيت الحاجة الى المعلومات الصحيحة التي لا تتحرج في الظهور، وحيال هذه المعلومة تتكون شرعية الفكرة ونزعتها في الاجتهاد.. واذا كان هناك من طموح لهذه الجريدة فهو ان تكون صحافة معلومات قبل ان تكون صحافة تنظير واستطراد ودوران في الاحراش لان القارئ العربي اتخم بما يكفي من النظريات والافتراضات ومازال متعطشا لمعلومات صحيحة وكاملة تقلل على الأقل من درجة شغفه بالبحث ما بين السطور عن المعاني والاجزاء المتقطعة من الحقائق.. صحافة تقاوم التأويل وتحل التصريح بديلا عنه ثم تتحمل تبعاته بعد ان غدا الإفصاح عن المعلومة اثما تحاسب عليه بعض القوانين. ثمة رأيان يرى الأول ان ما لدينا من الصحف يكفينا وان المتلقين محاصرون بقدر هائل من الضجيج الإعلامي ومن الاجدر تقليل عدد هذه المنابر وحشد إمكاناتها في منافذ اقل عددا. في حين يرى الثاني ان هناك متسعا كبيرا ينتظر من يأتي ليشغله فيضيف كلمة جديدة ولونا اخر وربما رؤية مبتكرة أيضا. وفي هذه المرة كان قرار اصدار هذه الجريدة مشفوعا بمنطق الرأي الثاني الذي يرى ان لا جريدة مثل سواها وان لا واحدة تعوض عن غيرها وان المكان كبير ويتسع لكثيرين سيأتون لاحتلال مقاعد فيه وهذا ما نفعله.هذا العدد من الزمان هو الأول بعد سلسلة من اعداد الصفر التي ساعدتنا على تأمل ملامحنا وكنا كمن يرى وجهه في المرآة اول مرة ثم يسعى بعد ذلك الى تحسين مرآه بعد ان تكون الجريدة قد فتحت قلبها وعقول العاملين فيها لقبول اراء الاخرين بقدر من التواضع وقدر اعلى من الثقة والاطمئنان.سيعود مع هذه الجريدة كتاب غابوا ليعيدوا معهم واليهم قراء غابوا أيضا وستتسع الصفحات لاصوات جديدة تخرج من محلياتها المحدودة الى افق رحب تتيحه واحدة أخرى جديدة من صحف العرب الدولية وسيدرك الذين تكسرت اقلامهم بعضا من الزمن انهم لم يكونوا من مخلفات الحروب والنكسات بل هم اشبه بالعنقاء التي تنفض عنها الرماد لتحيا في احتراقها من جديد. بعد ذلك لا تطلق في وجهي ذلك التساؤل الملحاح جريدة جديدة لم؟ ولمن؟

1998 – 2 – 9

مشاركة