نظرية الربيع العربي .. العرب من التغيير إلى التدمير – مقالات – سامي الزبيدي
من يتابع الحرب الأهلية التي تجري اليوم في بعض دولنا العربية وخصوصاً في اليمن وسوريا وليبيا والتي كانت شرارتها الأولى قد بدأت بتظاهرات شعبية انطلقت من تونس ثم ومصر وليبيا وسوريا مطالبة ببعض الإصلاحات السياسية والاجتماعية إلا أنها استغلت من قبل أطراف خارجية وعربية سائرة في ركبها للإطاحة ببعض الأنظمة العربية التي تسميها أمريكا والغرب (المارقة ) والتي تشكل خطراً على أمن ووجود الكيان الصهيوني وسميت هذه العمليات بالربيع العربي والتي دعمتها أمريكا والغرب بقوة وجندت لها بلدان وأموال عربية كبيرة ورافقتها حملة إعلامية أمريكية غربية وخليجية واسعة جعلت من يتابع الإحداث الدراماتيكية في هذه البلدان العربية يتصور أن الشعب العربي في هذه الدول انتفض ضد الظلم والحرمان والفساد وتقييد الحريات والفقر وضد الأنظمة الدكتاتورية وهكذا صورت أمريكا والغرب ووسائل إعلامها للعالم وهكذا روجت بعض الأنظمة العربية الحليفة لأمريكا والغرب وخصوصاً الخليجية منها لكن الحقيقة غير ذلك وقد عرفها القاصي والداني إنها مخطط كبير يهدف أولاً الإطاحة بالأنظمة العربية التي تشكل خطراً أو من المحتمل أن تشكل خطراً مستقبلياً على أمن إسرائيل ومصالح أمريكا والغرب في المنطقة وإبدالها بأنظمة هشة موالية لأمريكا والغرب تحت غطاء الديمقراطية والهدف الأهم الآخر هو تقسيم هذه البلدان العربية الى دويلات طائفية وعرقية ضعيفة تتنازع بينها ولا تشكل أي خطر مستقبلي على آمن ومستقبل إسرائيل يسهل ابتلاعها وابتلاع ثرواتها النفطية والطبيعية الأخرى والاستحواذ على أموالها الطائلة والهدف الثالث هو إشغال الدول العربية بحروب تستنزف أموالها وقدراتها العسكرية وإمكانياتها وطاقاتها البشرية وتدمر مدنها وبناها التحتية وتعيدها سنين طويلة الى الوراء هذا هو محور موضوع ما سمي بالربيع العربي , أما إذا كانت الغاية من هذا الربيع كما تروج أمريكا والغرب وحلفائهم العرب هي تغيير الأنظمة الدكتاتورية بأنظمة ديمقراطية وتحقيق الحرية والعدالة والرقي لتلك الشعوب لماذا لم تترك أمريكا والغرب تلك الدول لإحداث التغيير المطلوب دون حروب وقتال ودمار؟ ولماذا تدخلت عسكرياً وبكل ثقلها وثقل دول حلف شمال الأطلسي في تلك لدول كما حدث و يحدث اليوم في اليمن وسوريا وليبيا وكما حدث قبل ذلك في العراق ؟ ثم أين كانت الامة العربية في تلك الدول طوال الخمسين سنة الماضية هل كانت مخدرة أم نائمة ؟ أم أن الأوضاع في تلك الدول كانت جيدة وتغيرت فجأة ؟ ثم لماذا تجري هذه الأحداث تباعاً دولة بعد أخرى ؟ والأجوبة على هذه الأسئلة واضحة وتؤكد حجم المؤامرة الكبيرة التي يتعرض لها العرب اليوم . إن ما يؤكد كلامنا عن نظرية المؤامرة هو أن العديد من دول العالم شهدت اضطرابات كالتي جرت في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن وكما حدث في العديد من الدول الأفريقية والآسيوية وفي أمريكا اللاتينية لكنها لم تحظ باهتمام أمريكا والدول الغربية كما حظيت أحداث دولنا العربية بهذا الاهتمام وهنا يثار السؤال المهم لماذا لم تأخذ الأحداث والاضطرابات التي جرت في العديد من الدول الأفريقية والآسيوية اهتمام أمريكا والغرب ومعهم مجلس الأمن واقتصر الاهتمام والتدخل الأمريكي الغربي في أحداث الدول العربية فقط ؟ولماذا حشدت أمريكا والغرب الجيوش والأساطيل وتدخلت عسكرياً وحشدت التأييد السياسي ودعم مجلس الأمن في أحداث الدول العربية ؟ ألم تحدث اضطرابات وحرب أهلية في غانا وسيراليون وأفريقيا الوسطى وزمبابوي وتوغو والكونغو وأوغندا ؟ ألم تحدث اضطرابات وانتفاضات في الفلبين وتايلند ومينمار(بورما )وبنكلادش ؟ ألم يسقط ضحايا من المدنيين في تلك الدول أضعاف ما سقط من ضحايا في كل دولنا العربية التي شهدت بعض الاضطرابات ؟ لماذا لم تتدخل أمريكا والغرب ومجلس الأمن في أحداث تلك الدول وانتفضت لما جرى في دولنا العربية ؟ والجواب واضح ويمكن إجماله في النقاط التالية
- إن الدول العربية مجتمعة تشكل أكبر منتج ومصدر للنفط في العالم وأغلب دول الغرب وحتى أمريكا تعتمد على النفط العربي وبعض الدول العربية التي شهدت اضطرابات هي أما من الدول المنتجة للنفط مثل ليبيا واليمن وسوريا أو تسيطر على الممرات المائية التي ينقل من خلالها النفط لدول العالم كمصر واليمن (قناة السويس ومضيق باب المندب) .
- بالإضافة للنفط فان الدول العربية تمتلك مخزونا هائلاً من الثروات الطبيعية الأخرى خصوصاً الغاز والحديد والذهب والفوسفات ومعادن أخرى
3 . كما تمتلك الدول العربية رؤوس أموال طائلة أغلبها مودع في البنوك الأمريكية والغربية التي تستفاد من هذه الأموال فوائد كبيرة جداً بل إنها تشكل جزاً مهماً من اقتصاد بعض الدول الغربية.
- 4. تشكل الدول العربية السوق الأولى في العالم لصادرات أمريكا والدول الغربية من المنتجات الصناعية والزراعية والفنية والالكترونية والكمالية ويبلغ حجم التبادل التجاري بين أمريكا والدول الغربية مع الدول العربية مئات التريليونات من الدولارات سنو
5 . تمتلك الدول العربية خصوصا سوريا ومصر وليبيا وهذا هو المهم جيوش قوية وأسلحة تقليدية متطورة وأسلحة كيماوية ومحاولات بعض الدول لامتلاك أسلحة نووية فهي إذن تشكل أكبر خطر على أمن ووجود إسرائيل وعلى مصالح أمريكا والغرب في المنطقة .
- 6. قرب الدول العربية وخصوصاً سوريا ومصر والعراق من إسرائيل يزيد من التهديد المباشر لأمن ووجود للدولة العبرية. كما تمتلك الدول العربية وخصوصاً التي شهدت الاضطرابات ثروة بشرية وطاقات أكاديمية وعلمية خلاقة لو يفسح لها المجال للعمل وأخذ دورها الحقيقي لأحدثت انقلابا في موازين القوة في الشرق الأوسط سواء في الجانب العسكري أوفي مجالات الصناعة والزراعة والاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا والطب وحتى الثقافة والفن .
- 8. ان الدول العربية خصوصا العراق وسوريا وليبيا ومصر وهذه الدول تمتلك ثروات وأموالاً طائلة وقدرات عسكرية واقتصادية كبيرة لو استغلت في الجانب العسكري والاقتصادي فإنها ستثير الرعب في إسرائيل والقلق لدى حلفائها .
زمام الامور
لهذه الأسباب كان اهتمام وتدخل أمريكا والغرب بالإحداث التي جرت في بعض الدول العربية دون أن تعير نفس الاهتمام أو تلتفت للأحداث الأكبر منها التي جرت في عدد من الدول الأفريقية والأسيوية ودول أمريكا اللاتينية وهذا تأكيد لا يقبل الشك أن الاضطرابات التي حدثت في الدول العربية كانت وراءها أمريكا وإسرائيل وبعض الدول الغربية لأنهم أدركوا جيداً إن الدول العربية لو امتلكت زمام أمورها وتولت قيادتها أنظمة وطنية تعمل من أجل مصالح شعبها ووطنها وتستثمر طاقاتها ومواردها وإمكاناتها المالية والاقتصادية للنهوض والتقدم والتطور في مجالات العلم والصناعة والزراعة والمجالات العسكرية وفي البناء والأعمار وتحقيق الرفاه الاجتماعي وتوفير الخدمات الاجتماعية و التعليمة والصحية والثقافية لأصبحت أكبر قوة اقتصادية وعسكرية في العالم تحسب لها الدول ألف حساب ولا صبحت أكبر قوة سياسية أيضاً لها تأثيرها الكبير في السياسة الدولية لهذا سارعت أمريكا وإسرائيل وحلفاؤهم الغربيون لاستثمار الوقت والظرف قبل أن يستفيق العرب ويعملوا على توحيد صفوفهم وجهودهم فأشعلت الاضطرابات في بعض الدول العربية وتلك كانت الخطوة المهمة الأولى في طريق تدمير وتفكيك الدول العربية المؤهلة لتأخذ دورها الريادي في استثمار مواردها وإمكاناتها في التقدم والتطور العلمي والصناعي والعمراني والتي من الممكن أن تشكل خطراً كبيراً على أمن إسرائيل ومصالح أمريكا والغرب في الوطن العربي (سبقتها عملية غزو العراق التي تندرج ضمن نفس السياق ) فكان ما اصطلح على تسميته بالربيع العربي ثم بدأت بمرحلة تغيير الأنظمة العربية وبالقوة المسلحة وكما حصل في ليبيا ومصر وقبلها في العراق ثم ما يجري في سوريا واليمن ضمن الاتجاه نفسه وهناك دول عربية مرشحة وعلى قائمة أمريكا وإسرائيل لتكرار سيناريو العراق وليبيا وسوريا واليمن فيها بعد أن يتم الانتهاء من المهمة في هذه الدول , إذن إن الهدف الرئيسي من أحداث الدول العربية هو أمن إسرائيل ومصالح أمريكا والغرب ولو أتاحت أمريكا وحلفاؤها الوقت و المجال للدول العربية للتقارب بينها واستغلال مواردها وأموالها الطائلة من أجل البناء والتقدم العلمي والتكنولوجي والصناعي والعسكري لأصبحت نهاية إسرائيل وشيكة لهذا تريد أمريكا والغرب أن تبقي الدول العربية منقسمة ومختلفة بينها ومتخلفة في جميع المجالات وأن تبقى تتنفس برئة أمريكا والغرب وأن يبقى التفوق العلمي والتكنولوجي والعسكري لصالح إسرائيل على الدوام ولم تفلح أمريكا وحلفائها في تحقيق هذا الهدف إلا بإحداث الاضطرابات والنزاعات المسلحة والعمليات العسكرية ضمن الدولة الواحدة وتدمير قدرات هذه الدول العسكرية والاقتصادية والبشرية كما فعلت في العراق وكما تفعل اليوم في ليبيا وسوريا واليمن وإذا لم يكن الهدف الرئيسي لأمريكا والغرب وإسرائيل هو ذلك و أنهم يريدون الحفاظ على الأمن والسلم العالمي وتبديل الأنظمة الاستبدادية بأنظمة ديمقراطية لماذا لم يفسحوا المجال لشعوب تلك الدول بأحداث التغيير بالطرق السلمية التي لا تؤدي الى القتل والتدمير والخراب ولماذا لم يتدخلوا سياسياً وعسكرياً في الدول الأفريقية وغيرها التي شهدت اضطرابات كبيرة ومجازر بشرية وحروب أهلية طاحنة إذا كانوا حريصين على الأمن والسلم العالمي وتركوا هذه الدول تعاني الحروب والمجاعة والويلات دون أن تتدخل الى أن تمكنت تلك الدول من حل مشاكلها بنفسها .
خطورة المخطط
إذن المطلوب من العرب بعد كل هذه الحقائق و في هذه المرحلة أن يعوا ويدركوا خطورة المخطط الأمريكي الغربي الصهيوني الجديد الذي يهدد كيانهم بل وجودهم ويستنزف أموالهم وثرواتهم وقدراتهم والاهم من ذلك يستنزف طاقاتهم البشرية ويهدف أيضاً الى تحويل بلدانهم الموحدة الى دويلات وكونتونات عرقية وطائفية صغيرة مجردة من كل مصادر القوة ومقومات البقاء ولا تشكل أي خطر على أمن إسرائيل والمصالح الأمريكية والغربية ,وعلى العرب إذا أرادوا الحفاظ على ماتبقى من قدراتهم وإمكاناتهم التوقف فوراً عن القتال والحروب التي لا طائل منها إلا الخراب والدمار وإذا كانت الدول العربية تواقة الى التغيير والى الحرية والديمقراطية كما يقول البعض فيجب إلا يكون هذا التغيير بغطاء حربي أمريكي وغربي وإسرائيلي ودعم خليجي عربي وكما يحدث الآن في سوريا وليبيا واليمن , فأي حرية وديمقراطية تصنعها الطائرات والقنابل الأمريكية والعمليات العسكرية بالأموال والأسلحة السعودية والخليجية ,وأي حرية وديمقراطية هذه التي تدمر المدن وتهدم بيوت المواطنين على رؤوسهم وتشرد الآمنين وتجوع الأطفال وتقتلهم وتدمر المصانع والمزارع والبنى التحتية للدول العربية التي عملت سنين طويلة على بنائها , ألم تتعضوا أيها العرب من ديمقراطية الأمريكان في العراق التي أشاعت الخراب والدمار والصراع العرقي والطائفي بين مكونات الشعب العراقي المتآخية ودمرت العراق أرضاً شعباً ومدناً ونسيجاً اجتماعياً وسلبت ثرواته وأمواله وجعلت منه بلداً فقيراً يتصدق عليه البنك الدولي وبعض الدول في قروض معيبة ومذلة وهجرت أكثر من أربعة ملايين عراقي في الداخل والخارج ودمرت كل بناه التحتية وصناعته وزراعته ومنشآته العلمية والبحثية والتعليمية والصحية والثقافية والخدمية والعسكرية وإعادته الى عصر القرون الوسطى . إن ما يجري من عمليات سميت بالربيع العربي ما هي إلا مطحنة لأبناء شعبنا العربي وللأسف الشديد تشارك بها دول وأنظمة عربية بصورة مباشرة أو من خلال الدعم العسكري والمالي وما هي إلا استنزاف لقدرات وطاقات امتنا العربية وما هي إلا لإشاعة الصراعات الطائفية بين أبناء الدين الواحد وما هي إلا لتقسيم الدول العربية الى كيانات عرقية وطائفية متناحرة وما هي إلا لسلب أموال وثروات امتنا العربية وما هي إلا لإبقاء العرب متخلفين عن ركب العالم المتطور وما هي إلا لتحقيق أمن إسرائيل ومصالح أمريكا والغرب في منطقتنا , ألم يسمع القادة العرب ما قاله الكاتب والفيلسوف الفرنسي ( روجيه غارودي ) عن ما سمي بالجيل الرابع من الحروب قال (الآن يقاتل الغرب بالتكلفة الصفرية ,العدو يقتل نفسه بنفسه , العدو يدفع ثمن السلاح ثم يقتل نفسه به العدو يطلبنا بالتدخل لإنقاذه فلا نقبل , والتكلفة الصفرية معناها أن الغرب وإسرائيل لا تخسر شيئاً في الحروب وتنتصر) فماذا تريدون أن تسمعوا يا قادة الأمة العربية والاسىلامية أبلغ من هذا وأوضح ؟ متى تستفيقوا من سباتكم ومتى تزيلون الغشاوة عن بصركم وبصيرتكم لقد حملتم شعوبكم وإخوانكم العرب ما لم يتحملوه من أعتى أعدائهم عودوا الى رشدكم وأنقذوا ما تبقى من ماء وجوهكم قبل فوات الأوان .


















